في حضرة مسرحية “رماس” بهولندا. الزمن الإنتقالي بين ماض غني بالإنتصارات ومستقبل غني بالوعود.

محمد بوتخريط . هولندا.
في حضرة مسرحية “رماس” بهولندا.
الزمن الإنتقالي بين ماض غني بالإنتصارات ومستقبل غني بالوعود.
من أين أقرأ المشهد .. والمشهد كله طافح بالأحداث والإشارات والتلميحات والإحالات .
في البدء .. هما أمرين لا ثالث لهما تسببا هذا التشرذم الذي يسكننا ونسكنه. ولا تسألوني عن أي وضع أتحدث .. فلن يكون سوى ذاك ” الوضع الأمازيغي الريفي ” !!.
الأول يرتكز على السياسات الخاطئة للدولة نفسها والتي “أوشكت” على تسليم القضية لمن اراد العودة بها الى “بداياتها”.
والثاني هو ضعف تجمع إيمازيغان – نفسه – أو إضعافه ، حتى وإن كان البعض يحمل أطرافاً قوية لهذا الضعف ، إلا أنه لا يمكن بحال من الأحوال أن نستبعد ضعف “التجمع” من الداخل وتخبط مواقفه.
“مارتشيكا ” في ذاكرة المشاهد .
حكاية اليوم.. حكاية عرض مسرحي طافح بالإشارات والتلميحات والإحالات. رغم أن العرض في المجمل لا يخرج عن ثلاثة فصول رئيسية تتركب جل المسرحية في جوهرها . حكاية فضاء ( رماس) يسكنه فنان ( أهداوي).. يُطرد “والغزاة” من ذات الفضاء .. ثم يُرجع إليه فارسا ورمزا له مرة أخرى . هذا إظافة الى مجموعة من المشاهد والمناظر الثابتة التي تخللها العرض.
وأما صاحبة الحكاية فهي “مارتشيكا” ( = جمعية مارتشيكا للمسرح والسينما ).فرقة نجحت بلوحاتها المسرحية الجميلة التي قدمتها.. ونجح أهلها من مجموع الممثلين في نقل الصورة الى المشاهد .. متنقلين من أداء حركي جميل إلى رحابة عرض نال استحسان جمهوره .
حبهم و رغبتهم في صنع مجد اسم فرقتهم “مارتشيكا” ونقلها إلى ساحات “المسارح الدولية ” كفرقة امازيغية ريفية تحمل في برامج حفلاتها جماليات التراث الأمازيغي الريفي وثراءه الأخلاقي والمعرفي والحضاري . جعل “مارتشيكا ” فعلا في ذاكرة المشاهد.
فرقة مسرحية شابة ترسم خطواتها بتدرج وثبات ، مستندة إلى خبرات الممثلين والمحيطين بهم من بعض الخبراء في الميدان كما الى مؤسسيها في المجال السينمائي والمسرحي تحديدا، والفني عموما.
تحاول جاهدة تقديم تجاربها المسرحية بشكل متواصل عبر ايمانها الراسخ بالهم المسرحي والسينمائي . قدمت تجارب متنوعة في الاشتغال على الشكل والأسلوب والموضوع ، ما أهّلها الى ان تصبح من أهم الفرق المسرحية بالريف .
فرقة شابة ، أخذت على عاتقها توثيق التراث الشعبي الأمازيغي ، باجتهادها في تقديم عرض يتناسب مع تاريخ طويل من الهواجس الإبداعية لمشارب وألوان الثقافة الأمازيغية .. تلك الثقافة الغنية بمفرداتها الشعبية وجملها الراقصة وأهازيجها المتنوعة .
“رماس” الموعد الذي أرجأناه أكثر من مرة.
تنبني فكرة العرض المسرحي ‘رماس’ للكاتب أحمد زاهد والذي أعده وأخرجه للمسرح المخرج محمد كمال المخلوفي {بوزيان} حيث شارك في تجسيد أحداثه على خشبة المسرح ما يقرب من ثمانية ممثلا وممثلة، نادية السعيدي ، هيام لمسيسي ، محمد كمال المخلوفي {بوزيان} ، محمد التعدو ، محمد مختاري، صابر أبروا ، منير الصاوي ، وعلاء البشيري .
تنبني فكرته على تعرية واقع أسود عاشه ولا يزال يعيشه الإنسان -طبعاً- لا يشير إلى أي واقع أومجتمع آخرين ، غير واقعاً محدداً و مجتمعاً معيناً .. مجتمع و واقع “إيمازيغن إيريفيين”.
مسرحية فرجوية لعبت على قضايا عدة شغلت ولا تزال تشغل بال الأمازيغي والريفي منه بالخصوص .. مع التركيزعلى الخصوصيات الثقافية الأمازيغية المحلية التي لها علاقة بالهوية والعادات والتقاليد والأعراف.
ذات النص المسرحي سبق أن اشتغل عليه وأخرجه مخرجون آخرون نذكر منهم فخرالدين العمراني وعبدالواحد الزوكي . وربما لحسن حظي أني لم أشاهد العملين السابقين وإلاَّ لسقطت في مقارنة غير مرغوبة على الأقل في الوقت الراهن… وسنعود لهذا “المشهد” -ربما- في وقت لاحق آخر ، ولكننا الآن لندع الأمور تسير بنا إلى حيث الصورة الكبيرة لهذا المشهد ..مشهد “رماس”.
حين يجتمع “أهداوي” و صوت خالد إزري على خشبة أكبر مسارح هولندا.
من الريف الشامخ هناك .. سافرت فرقة “مارتشيكا” لتقدم عرضها المسرحي “رماس” على خشبة أكبر مسارح هولندا .. ساوسبورغ بمدينة أوتريخت وسط هولندا ، مسرح “زاود بلاين” بمدينة روتردام و مسرح “ميرفارت” بمدينة أمستردام. ويأتي هذا العرض ضمن جولة فنية للفرقة والتي بدأت أواخر شهر أكتوبر الماضي بدعوة مختومة بختم الهم الهوياتي والتاريخي الريفي بحمولة قوية من محمد الطلحاوي .
رماس .. مسرحية تتعرض بشكل رمزي لقضية إيمازيغان / إيريفيين ووحدتهم ، وذلك من خلال رؤية إخراجية تعتمد على صورة مسرحية متعددة الدلالات ، عمق الحوار المسرحي داخلها يكشف أحاسيس إنسانية كثيرة قابعة ومنذ زمن في وجداننا، مطلقا بذلك صرخة مدوية وربما كذلك “تحذيرية” للخطر الداهم الذي يهدد المجتمع الأمازيغي الريفي على الخصوص.
مسارح هولندا التي استقبلت جمهور “مارتشيكا” بحفاوة بالغة ، كانت في مستوى الحدث ليكون زائرها أمام لوحات تضج بطقوس التاريخ والتراث وكل الحب والعشق الممزوجين برائحة الهوية و الوطن .
افتتحت “مارتشيكا” عرضها المسرحي ” الإحتفالي” بأول مشاهد الحكاية .. حكاية إيمازيغان كما جاء في مقدمة المشهد الأول على صوت الرائع خالد إيزري وتشخيص “أهداوي” (أمذياز) محمد التعدو :“كنا كأصابع اليد الواحدة ننتمي للجسد الواحد ، والآن كل سلك طريقا مغايرا للآخر .. من سلك شمالا ومن سلك يسارا…” والتي رافقت لوحات تيه وتحسرعلى ماض قريب ، مقدمة بشفافية خالصة.
وهنا اتوقف لأفتح قوسا وأقول أنه كان من الأفضل على مخرج العرض تجنب مثل هذا الشكل الموسيقى “بلاي باك” وجعل الممثل يعتمد على نفسه في الغناء .. كانت ستكون صورة المشهد معبرة أكثر و أجمل بكثير. كما كان يتخلل ذات المشهد كذلك -أحيانا- نوع من الروتين والملل ، وخاصة في مقدمته التي بدت بطيئة شيئاً ما ربما بسبب بعض الفراغات البيضاء والوقفات الصامتة التي كانت تتخلل المشهد كما بفعل صوت الموسيقى الصاخبة التي كانت تصدح في الاجواء من الجنبات دون تحكم و ميزان ثابت . لدرجة أنه كان يصيبنا الفزع أحيانا .
ولكن قبل غلق القوس لا بد من الإشارة الى أنه رغم ذلك فإن”أهداوي” ( محمد التعدو) نجح الى حد بعيد في نقل الصورة كما أرادها المخرج ونقل لنا عبرها شوق جارف وروحانية شديدة التأثير في القلوب والعقول في آنٍ معاً.
“أهداوي” هذه الشخصية التي أظنها المحورية في المسرحية كلها .. شخص “فنان” إستخف منه سكان المدشر بتواجده اليومي رفقة قيثارته بفناء ‘لمراح’ أو “رماس” تارة عازفا وتارة مغنيا وتتستر خلف تواجده بذات الشكل دلالات بل و وظائف أخرى لن يكتشف أهل المدشر أهميتها إلا بعد أن يُطرد و يغيب عن “رماس”.
خطاب “أهداوي” كان واضحا . وكأن لسان حاله يقول ..”نحتاج أن نتساند معًا كأصابع اليد الواحدة ، رغم الإختلاف ، فالمساندة أمر ضروري وقوي .. فأصابع اليد لا تتشابه معًا، تتنوع في شكلها وتتنوع في وظائفها، لكنها تتماسك معًا. بل ربما لو كانت متشابهة لما كانت اليد تعمل ..وقوة اليد بالتالي في هذا التنوع.
هو إذن صراع بين البطل ” أهداوي” ومن يحاول تعطيل مسيرته ومسيرة أهل رماس بالحياة والعيش بكرامة .
أبطال أحمد زاهد ليست .. كرطونية.!
” أمذياز” أو “أهداوي” البطل الذي اشتغل عليه وتناوله كاتب المسرحية أحمد زاهد هو ليس بطلا تراجيديا…بل هو شخصية تمثل الناس البسطاء خرجت من رحم المعانات ، يمتلك صفات شخصية اكتسبها من العيش في وسط شعبي حتى النخاع وكذلك صفات وراثية – كونه أمذياز- رسمت ملامحه وحددت سلوكه باعتباره شخصية بعيدة عن التعقيد في أبعادها الإنسانية ..وهو دائما في صراع داخلي بينه وبين نفسه و مع قوى أخرى أكثر منه سطوة وسلطانا .
اجتهد أحمد زاهد في تحديد ملامح ” أهداوي” ذات البعد الإنساني والتاريخي البسيط ، من أجل هدف معين وواضح ..من اجل تغيير نظرة واقع مجتمع مؤلم . كما من اجل إعادة النظر في منظومة مختلة جلبت له ولأهل المدشر كل الألم والظلم والحرمان .
ومع توالي أحداث العرض كانت تطل بينها كل مرة ذات الشخصية “أهداوي” متسما تارة بالتضحية وتارة أخرى بنكران الذات والإيثار. الأمر الذي جعله جدير بان يتعاطف معه الآخر . وهو ما نلمسه في المشهد الأخير حين يقترح الجميع إرجاع ” أهداوي” الفنان الملتزم الواعي بأمور الساكنة ،والحامل لغيرة لا متناهية على الهوية الأمازيغية / الريفية. بل وقرروا استقباله إستقبال الأبطال واعتباره رمزا لـ: رماس.فتلك الصفات الإنسانية وامتلاكها هي أهم مقومات البطل الشعبي الذي رسمه لنا أحمد زاهد في مسرحيته واشتغل عليها مخرج العرض كمال المخلوفي ( بوزيان) بكل اتقان وتقمص دوره الممثل محمد التعدو .
لتنتقل بعدها “الفرقة” مبرزةً الشخصية الخاصة لكل عضو من أعضاءها في انسجامهم مع مختلف مشاهد المسرحية. وعبرَهم إلى موضوع المشهد كله .. مشهد كل الحكاية “رماس”.
“رماس” المكان والزمان والموعد الذي لم يخيب ..الانتظارية.
أرماس.. ذاك المكان المرتبط بمخيلة اهل الريف خاصة بذاك الفناء الرحب.. المجاور “لمخازنهم” ولبيوتهم ، يجتمع فيه الأهل للحديث والنقاش وللقيام بأنشطة معيشية واجتماعية واقتصادية .تحدث داخل ذات الفضاء أحداث بل و تتخذ فيه قرارات في مجموعة من القضايا الملحة التي تشغل بال الساكنة وتشكل الأولوية في المدشر سواء منها المرتبطة بلغتهم أوبتاريخهم ، أوبقضايا أخرى تهم الساكنة ومستقبلها .
وهي ذات الأحداث والقرارات التي اشتغلت عليها المسرحية وتناولتها في قالب فرجوي ممتع صيغ برؤية احترافية و فنية جميلة تفاعل معها الحظور الذي حج لمشاهدة هذا العرض والمرتكز دلاليا على امتلاك هذا الفناء ‘رماس’.. لوحة أخرى لعبت عليها المسرحية مرتبطة بذات الفضاء وكانت على شكل نوعٍ من ” الفلاش باك” المسرحي ( إن صح هذا التعبير) ..عبر حكاية تحكيها ” العجوز حادة” ( نادية السعيدي) الى أطفال المدشر .. حكاية ” أرماس” حين سيطر عليه الغرباء الأجانب اغتصابا و بالقوة ، ثم طرد أهله بالعنف ، واستعمروه ليستغلونه بعد ذلك لصالحهم . وهو الوضع الذي لم يدم طويلاً بحيث سرعان ما سينسحبون تحت المواجهة والمقاومة والجهاد .
ورغم أن العرض يفتقد لبعض االتقنيات المهمة ..كما أن بعض الممثلين يبدون وكأنهم ينقصهم نوعا من الكفاية التشخيصية والتمثيلية في بعض مشاهد العرض . إذ ، يظهرون وكأنهم “جدد” أو لم يتدربوا كفاية على العرض فكان أداء تشخيصهم خجولا شيئا ما بل ومرتبكا أحيانا. حاولت سينوغرافيا العرض من خلال ديكور بسيط وجميل موزع على الركح أن تغطي على بعض هذه الثغرات التي تخللت العرض ولكن رغم ذلك ، فالحاظر للاستمتاع بفرجة مسرحية طال انتظارها لم تخيب -رماس- هذه الانتظارية. فالكثير من عناصر الفرجة الإبداعية الجميلة وعبر مختلف المشاهد التي قدمتها الفرقة ، مكرسةً بذلك أصالة التراث الأمازيغي كانت حاظرة. وغطت بالتالي على بعض الهفوات والثغرات التي عرفها العرض . كما ان المشهد العام للعرض كان حافلا بالحركة والمتعة والألوان الفرجوية والدلالات العميقة ، وهو أمر بحد ذاته جدير بالتقدير والتشجيع والإحترام. فاختيار الحلي والملابس لممثلي العرض مثلا ، شكل ألوانا جميلة لمشهد الحكاية بدلالة وجمالية لامتناهيتين ..لِيزار، ثيسبناشت أبياس ، قاندورا ، العباية ، قوبو، أرازاث… فعلاوة على الرونق والجمال فهي تحكي الوانا أخرى خفية لهوية الأمازيغي، تماما كما الحلي التي تتفرد بها المرأة الأمازيغية أصالة وتزيينا وهوية.
وما توظيف الموروث الأمازيغي كذلك ، والذي لامسناه من خلال الأشكال الاحتفالية ، كما من مجموعة وأشكال لعب الأطفال ” زيم زام زو” … ‘ بيكو طورو تايني’… كما ايضا من خلال أشكال غنائية وموسيقية كأغاني إمذيازان القديمة ، وموذروس …سوى ألوان جميلة متناعمة أظافت للوحة جمالية لامتناهية ولا تقاوم.
منعطفات لطابوهات واقعية .
تتوالى احداث المشاهد المسرحية بعد ذلك عبر منعطفات واقعية أخرى من خلال قضايا واقعيه وخطيرة تثيرها المَشاهد ، يعانى منها المجتمع الأمازيغي الريفي ، ثم كذلك من خلال تناول قضايا إنسانيه خالدة شغلت ولا تزال تشغل الإنسان الأمازيغي الريفي ،قضايا الإنتخابات ، النفاق الاجتماعي والسياسي ، الإستعمار الإسباني ، أحداث 84 ، تعدد الزوجات ، الإهتمام بتاريخ الأمازيغ …وغيرها من القضايا التي أثارتها المسرحية والتي اكتفى كاتبها كما مخرجها فقط بإثارتها ، دون ظرورة إيجاد حلول لها.
اللغة الأمازيغية التي كانت دائما موضع تحقير بل وحوصرت لزمن ثقافيا وفنيا وجماليا والمحاصرة اليوم رسميا ومؤسساتيا تناولتها المسرحية بشكل جميل جدا. من خلال “مذياع / راديو” يأتي بأخبار كل العالم ما عدا أخبار الريف بل وبكل لغات العالم وطبعا دون لغة اهل الدار “الأمازيغية”. وهي ذات اللغة التي كانت ولا تزال تثير قلق السلطات الحاكمة في البلاد ؛ لما لها من حمولات تاريخية وسياسية واجتماعية وثقافية وإيديولوجية.
وكان المخرج ذكيا جدا في اختياره “الراديو” للتعبير . فقد استطاع فعلا أن يقدم لوحة مشهدية جميلة جدا بل ومتميزة جدا ، وتعتبر فعلا من أجمل و أروع اللوحات التي قدمتها المسرحية خاصة وأن أداء الممثلين بوزيان و منير الصاوي لها كان رائعاً.
منع الأسماء الأمازيغية كانت هي الأخرى حاظرة عبر مشاهد المسرحية فرغم كل التعهدات خاصة في ما يتعلق بتمتيع الأمازيغ بكافة حقوقهم ومنها الثقافية واللغوية وبضمان واحترام اختيار حق السكان الأمازيغ في اختيار وتسجيل أسماء أمازيغية لأبنائهم ، فإن حالات كثيرة مازال يطولها المنع .
تناول العرض المسرحي كذلك غزو المسلسلات التركية والمكسيكة للفضائيات وتأثيرها على المجتمع ..اللوحة التي برع في تشخيصها الثلاثي صابر ابرو ، محمد مختاري وعلاء البشيري .
هي قضايا وأخرى تناولتها المسرحية بشكل فرجوي محاولة الكشف عن مكامن الخلل وعن أقنعة الزيف لفهم الواقع وتغيره عن طريق الكشف عن مكامن القوة والضعف في النفس الأمازيغية الريفية وتطويرعقل نقدي واع يرسخ ثقافة التساؤل والإبداع .
نادية وهيام ..هنا ، للمسرح خصوصيته.
العنصر النسائي كان حاظرا بقوة الأداء والجرأة والتحدي استمتعنا بأداء نادية السعيدي وهيام لمسيسي وهن يؤدين أدوارهن بتقنية واحترافية عالية جدا ، أدائهن أذهل الجميع . برهنن على أن المسرح “الريفي” استطاع فعلا أن يتجاوز غياب العنصر النسائي، لان المسرح هنا له خصوصيته.
نادية وهيام قدمتا لنا دليلا ناطقا و ملموسا على أن المسرح “الريفي” مسرح جميل وفيه خامات جميلة رائعة ولم يؤثر عليه “غياب” العنصر النسائي،وأن ما شاهدناه إبداع حقيقي لهن في كل الجهات في الحوار والتمثيل والتحدي و…الجرأة.
بدت نادية السعيدي فعلا “العمة حادة” تلك العجوز التي كبرت داخل المكان والزمن. عمَّة أهل المدشر كلهم . هي الرمز أكثر من كونها “شخص”.اعتاد عليها الناس في زاوية رماس . عكازها الخشبي لا يفارقها ، تتأمل ، تتشاجر، تحكي حكاياتها .. تنصح أفراد العشيرة وتقاسمهم خبرتها التي حصَّلتْها عبر تاريخها الطويل الضارب في عمق الزمان.
تماما كما لم نستطع أن نقنع انفسنا بسهولة أن تلك الأم على الركح التي كانت تشقى وتتعب وتحارب ، تكنس ،تبكي ، تصرخ ، تُغتصب..هي فعلا الفنانة هيام لمسيسي .. تلك الفراشة الأنقية ،التي تحمل في أريجها فيض نخوة، وجمال ، ورقة، وأخلاق، توزع الحب و الابتسامات من غير كلل أو ملل. اتقنت دورها المركب بامتياز وتمكنت بسهولة وتمييز أن تخرج من الصورة التي ظهرت بها في سيتكوم “ ثناين دي ثناين ” خلال شهر رمضان الماضي…كانت فعلا نجمة العرض المدللة.
خلاصة الحكاية ..امتزاج الضحك والألم .
هذه هي الفكرة العامة لكل الحكاية ..الحكاية التي دارت حولها مشاهد العرض وفصوله ، والتي توزعت على ما يقارب الساعتين والنصف من الزمن. لم نشعر بطولهما نحن المشاهدين- وذلك، طبعاً، بسبب أن المخرج محمد المخلوفي ( بوزيان) ومن معه من الممثلين ( نادية السعيدي ، محمد تاعدو ، محمد مختاري ، هيام لمسيسي ، صابر اهروا ، منير الصاوي ، وعلاء البشيري . )عرفوا جيدا كيف يتعاملون مع العرض ويجعلونه في قالب كوميدي امتزج فيه الضحك بالألم من قسوة أحداثه ومواقفه بل وتفاصيله وجزئياته أحيانا والتي مزجت الضاحك بالباكي بداخلها عبر مفارقات حوارية وحركية ، ملآى بعناصر الفرجة والتشويق .
كان عرضا أكثر من رائع، وكان مخرج العمل ( بوزيان) مبدعا بالرغم من حداثة تجربته في الميدان ،وكذلك جميع الممثلين المشاركين في العرض كانوا راقيين مبدعين.
تحياتي اليكم أهل “مارتشيكا”.. وكم كنتم رائعين بميدان رماس .





























