شوارع رأس الماء.. عشوائية وفوضى وتأهيل غائب

أريفينو : 23 شتنبر 2025

رغم ما تزخر به بلدة رأس الماء من مؤهلات طبيعية وسياحية تجعلها قبلة للزوار والمصطافين من مختلف المناطق، إلا أن واقعها العمراني والخدماتي يكشف عن صورة قاتمة، تعكس سنوات من التسيير المرتبك والارتجالي الذي مارسه مدبرو الشأن المحلي المتعاقبون على الجماعة، حيث انشغل هؤلاء بصراعات انتخابية عقيمة تاركين البلدة تئن تحت وطأة التهميش والإقصاء.

فمن يزور شوارع وأزقة رأس الماء سرعان ما يكتشف حجم العشوائية التي تنخر أوصالها، فغياب التزفيت يطبع أغلب الأزقة، فيما تغيب المحاور الرئيسية المؤهلة التي من شأنها أن تضفي على المدينة صبغة حضرية تليق بوجهتها السياحية. بدل ذلك، يواجه الزائر مسالك مهترئة وممرات ترابية تجعل التنقل أشبه برحلة شاقة، سواء للساكنة أو الضيوف.

أما المجال العمراني، فيكشف عن اختلالات بنيوية خطيرة؛ إذ طغت العشوائية على المشهد، فالبنايات تنبت بشكل غير منظم، وغالبا في تحد صارخ للقوانين، مما يعكس فسادا عقاريا يضرب في العمق أسس التخطيط الحضري. أحياء بأكملها تفتقر لأدنى معايير التهيئة، مما جعل المدينة أقرب إلى تجمع سكني غير منظم منه إلى بلدة سياحية يفترض أن تنافس الوجهات المجاورة.

ولعل ما يزيد الصورة قتامة هو الوضع المزري للإنارة العمومية، حيث تغرق العديد من الشوارع والأزقة في الظلام الدامس مع حلول الليل، مما يفتح المجال أمام مظاهر الانفلات ويكرس شعورا بعدم الأمان لدى الساكنة والزوار. هذا إلى جانب غياب أبسط الخدمات الأساسية التي لا ترقى حتى للحد الأدنى، من شبكات صرف صحي متدهورة إلى مرافق عمومية شبه غائبة.

جمالية المدينة، التي كان يفترض أن تكون واجهتها الأولى لجذب الاستثمارات والزوار، تبقى بدورها مفقودة؛ فلا ساحات خضراء تسر الناظرين، ولا فضاءات للترفيه تقوي جاذبية المنطقة. في المقابل، تنتشر مظاهر الفوضى والعشوائية التي تعكس سوء التدبير وغياب رؤية استراتيجية واضحة لدى المسؤولين الذين تعاقبوا على تسيير الجماعة.

وللتذكير فقط، فإن مدنا سياحية أخرى مثل أصيلة أو الصويرة استطاعت أن تتحول إلى قبلة عالمية بفضل مشاريع تأهيل متكاملة همت البنية التحتية، والإنارة، والمساحات الخضراء، وتنظيم المجال العمراني، مع الحرص على الحفاظ على الهوية الجمالية لتلك المدن. حتى مدن متوسطية قريبة من رأس الماء مثل السعيدية استفادت من مشاريع هيكلية أعطتها وجها حضاريا لائقا، رغم ما قد يعتريها من اختلالات. المفارقة أن رأس الماء، رغم صغر مساحتها وتواضع ساكنتها، لم تستطع تحقيق الحد الأدنى من التأهيل، وكأنها تعيش خارج الزمن.

إن واقع رأس الماء اليوم ليس سوى انعكاس لسياسات ترقيعية وارتجالية طبعت سنوات طويلة من التدبير المحلي، حيث فضل المسؤولون الانخراط في معارك انتخابية ومصالح ضيقة بدل الانكباب على معالجة الإشكالات البنيوية التي تخنق البلدة. والنتيجة، بلدة جميلة في جغرافيتها، فقيرة في عمرانها، مشوهة في خدماتها، وغائبة تماما عن خارطة التأهيل الحضري.

لقد صار لزاما على الجهات الوصية التدخل بشكل عاجل لإيقاف نزيف التهميش، ووضع حد للفوضى العمرانية، وفتح تحقيقات في ما يدعى بالفساد العقاري الذي يهدد حاضر ومستقبل رأس الماء، وإلا فإن البلدة ستظل عنوانا للفوضى والإقصاء، بدل أن تكون وجهة سياحية رائدة كما تستحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *