وقفة احتجاجية تكشف معاناة متقاعدين مع معاشات لا تكفي

أريفينو : 4 اكتوبر 2025
في فاتح أكتوبر 2025، وبمناسبة اليوم العالمي للمسنين، خرج عشرات المتقاعدين والمتقاعدات إلى الساحات العامة في وقفة احتجاجية دعت إليها الشبكة المغربية لمتقاعدات ومتقاعدي التعليم بالمغرب، رافعين شعارات تطالب بإنصافهم ورفع قيمة معاشاتهم التي باتت لا تواكب الارتفاع الصاروخي لتكاليف المعيشة. وقد جاءت هذه الوقفة لتعبر عن سخط متراكم إزاء تجاهل الحكومة لمطالبهم المشروعة وصم آذانها عن حوار جاد معهم، في وقت يشعرون فيه بأنهم أصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية رغم عقود من العطاء والتضحية.
افتتحت إحدى المتقاعدات كلمتها بدعوة واضحة للتضامن، قائلة: “علينا كمتقاعدين ومتقاعدات أن نتآزر وأن نشد اليد في اليد، وأن نترك خلافاتنا وراءنا عندما يتعلق الأمر بكرامتنا ومعاشاتنا وصحتنا وخدماتنا الاجتماعية”. وأضافت بنبرة مليئة بالإحباط: “جئت اليوم لأعبر عن سخطي لتجاهل الحكومة مطالبنا وصم آذانها، فهي لا تشركنا في حوارها، ونحن دائماً نأتي إلى الساحة لننضال”.
ثم عبرت عن مرارتها بقولها: “نحن بنينا هذا البلد وتعذبنا وخدمنا وربينا أجيالاً، والإدارة المغربية تبنت على ظهورنا. أنا أمضيت 42 عاماً في الإدارة، خرجت إلى التقاعد ولم يزد معاشي درهماً واحداً، بينما تكاليف المعيشة تتزايد والدواء يغلو والحياة كلها غلت، ومعاشاتنا بقيت مجمدة… إلى متى؟”.
هذه الصرخة تعكس واقعاً مريراً يعيشه آلاف المتقاعدين المغاربة، حيث يتقاضى بعضهم معاشات لا تتجاوز 1200 درهم شهرياً، بل إن هناك من يحصل على أقل من 1000 درهم، وهي مبالغ تضعهم تحت خط الفقر المدقع في بلد ترتفع فيه الأسعار بوتيرة مخيفة.
أحد المحتجين، الذي عمل في القطاع الفلاحي منذ عام 1967، روى معاناته قائلاً: “عندي 21 ألف درهم أتقاضاها في الشهر، وزوجتي مريضة بمرض مزمن، وعندي تكاليف شهرية تصل إلى 30 أو 40 ألف درهم للعلاج وحده. والله إنها مريضة بمرض مزمن، وأنا أدفع من هذه الـ21 ألف فواتير الكهرباء والماء ولا يبقى لي شيء”. وأضاف بحسرة: “خدمنا 12 ساعة يومياً في الصيف والشتاء، كنا نعمل في كل الظروف، وطُردنا عام 1996، وها أنا اليوم أتقاضى 20 ألف درهم، هل يمكن لأحد أن يعيش بـ20 ألف درهم؟ هم يجربونها في فنجان قهوة، يخرجون صباحاً للإفطار بهذا المبلغ، ونحن الحمد لله نحمد الله ونشكره على الصحة وعلى نور أعيننا، ونحمده ونطلب منه أن يخلصنا منهم”.
من بين الأصوات الأكثر تأثيراً في الوقفة الاحتجاجية، كان صوت أرملة تطالب بإنصاف فئة الأرامل اللواتي يحصلن على نصف معاش أزواجهن المتوفين فقط. وقالت بنبرة حازمة وهي تتحدث عن هذه الظلامة: “أنا كأرملة أتحدث عن الأرامل، لماذا الأرامل يأخذن نصف المعاش فقط؟ نحن نريد أن تأخذ الأرملة المعاش كاملاً من زوجها المتوفى، لأننا نذهب إلى نفس السوق الذي يذهب إليه الجميع، ونشتري من نفس الأماكن، والدواء غالٍ علينا، والأمراض المزمنة تثقل كاهلنا، فلماذا هذه الحقرة؟”. ثم رفعت صوتها قائلة: “نحن جئنا لننضال ضد الحقرة، ضد التهميش، ضد الإقصاء، ضد التجاهل، ضد صم الآذان. الحكومة يجب أن تنصفنا ويجب أن تجلس معنا، ونحن لن نغادر الساحة، سنحتج وسنحتج وسنعاود الاحتجاج حتى نموت في هذه الساحة”.
في لفتة تضامنية مؤثرة، أعربت المحتجات عن تضامنهن الكامل مع الشباب الذين خرجوا مؤخراً للتعبير عن احتجاجهم، معتبرات أن معاناتهم واحدة ومصيرهم مشترك. قالت إحداهن بحرقة واضحة: “يجب على هذه الحكومة أن تحسب حساباً لنا، فنحن موجودون ونحن أبناء هذا الوطن، شاؤوا أم أبوا. وما نريد قوله هو أن هذا الشيء هو الذي يخلق الاحتقان، والدليل على الاحتقان هم هؤلاء الشباب الذين خرجوا، وكل التضامن معهم، فهم يعبرون عن نفس الشيء الذي عبرنا عنه ولم يسمعوا لنا”. وأضافت بألم: “نحن هذه الأجيال التي ربيناها، نحن متقاعدون ومتقاعدات وما زلنا نضرب عليهم تمارة لكي يقرأوا ولكي يصلوا، لكنهم يكرهونهم في هذا البلد، يحرقون عقولهم ويجعلونهم يهاجرون، يجعلون الشباب يذهب ليحرق نفسه في البحر، ويكرهونهم في حب الوطن”.
استمرت المتحدثة في توضيح موقفها قائلة: “نحن مواطنون، نحن مغاربة ونحب هذا البلد، هذه صرخة مواطنة، صرخة امرأة، صرخة أم. هذا الشباب الذي تعسفوا عليه وصوبوا عليهم، هم أولادنا وبناتنا، ونضالنا مستمر ونحن نتضامن معهم، ويجب أن نتضامن معهم لكي يطلقوا سراح المعتقلين ويتركوا الشباب يعبر ويجلسوا معهم في حوار لكي يفعلوا شيئاً”. ثم حذرت بنبرة جادة: “هذا الأمر يتجه نحو باب مسدود، الحبل سيصل إلى باب مسدود لا نريده لبلادنا، نحن نريد لها الأمن والأمان والاستقرار”.
المحتجون لم يقتصروا على المطالبة برفع المعاشات، بل وجهوا انتقادات حادة لتدبير صناديق التقاعد وللسياسات الحكومية في المجال الاجتماعي. أحد الناشطين شرح السياق العام قائلاً: “نلبي اليوم نداء الشبكة المغربية لمتقاعدات ومتقاعدي التعليم بالمغرب التي نادت لتنظيم هذه الوقفة الاحتجاجية بمناسبة فاتح أكتوبر 2025، تخليداً لليوم العالمي للمسنين.
جئنا لنعبر عن مواقفنا كمتقاعدات ومتقاعدين بالمغرب، الذين تنهكهم سياسة الدولة في المجالات الاجتماعية كلها، لا سيما على مستوى المعاش”. وأضاف: “لا يعقل في القرن الحادي والعشرين أن يتقاضى متقاعد معاشاً بالكاد يكفيه، فهناك متقاعدون عندهم معاشات لا تتجاوز خط الفقر، 1200 درهم، 1000 درهم أو أقل، في الوقت الذي تشهد فيه الأسعار ارتفاعات مهولة سواء في مجال المعيشة أو السكن أو الكراء أو الصحة”.
تابع الناشط حديثه موضحاً البعد الصحي للمشكلة: “تكاليف الصحة وحدها يمكن أن تستنزف معاش المتقاعد الذي هو في مرحلة عمرية تصيبه فيها أمراض مزمنة، فبالكاد يستطيع تلبية تكاليف الصحة، فما بالك بتكاليف المعيشة وتكاليف الملابس وتكاليف أبنائه إن كان عنده أبناء في الدراسة؟”.
ثم انتقل إلى جذور المشكلة قائلاً: “هذا الأمر نابع طبعاً من السياسة التي تنهجها الدولة المغربية في المجال الاجتماعي بصفة عامة، وفي مجال المعاشات والتقاعد بصفة خاصة، حيث أن صناديق التقاعد المغربية تعرضت للنهب لسنوات، ولم يحاسبوا المسؤولين عن هذا النهب، والضحايا هم المتقاعدون والمتقاعدات الذين يدفعون الفاتورة حالياً وسيدفعونها مستقبلاً”.
حذر المتحدث من خطورة الوضع المقبل قائلاً: “والطامة الكبرى أن حكومة هذه الدولة المغربية مقبلة على أن تزيد صناديق التقاعد عجزاً وإفلاساً، وتحمّل المتقاعدين والموظفين والمستخدمين هذه الشروط المجحفة التي ستفرضها، كما فرضتها حكومة بنكيران، وستفرضها حكومة أخنوش حالياً، وستقضي على ما تبقى من حقوق المتقاعدين وحقوق الموظفين”. واختتم بقوله: “وبالتالي صرختنا هي صرخة ضد هذه السياسات المتبعة في المجال الاجتماعي عموماً وفي مجال المعاشات خصوصاً، ضد سياسات الدولة التي تنصاع لتعليمات الصناديق الإمبريالية والمؤسسات المالية الغربية، والتي تفقر الشعب المغربي وضمنه المتقاعدات والمتقاعدين المغاربة”.
أكد المحتجون أنهم اتخذوا كل السبل القانونية والرسمية قبل اللجوء إلى الاحتجاج، حيث قال أحدهم: “نحن راسلنا مرات عديدة رئيس الوزراء، وراسلنا رئيس البرلمان، وراسلنا رئيس مجلس المستشارين، وكل مؤسسات الحكومة من الوسيط وهيئة المتقاعدين”. لكنه أضاف بخيبة أمل: “واليوم نرى أن الحكومة ليست في اهتماماتها وضعية المتقاعدين ولا تستجيب لنا، وسنحتج وسنصعد الاحتجاج حتى تحقيق مطالبنا”.