ذوو الأصول المغربية وعزوفهم عن التاثير في المشهد السياسي الإسباني..الاسباب والنتائج ؟؟!!


منبر الرأي
تلقى ائتلاف اليسار الراديكالي “اونيذوس-بوديموس” صدمة كبيرة بعدما حصل على أقل من مجموع الأصوات التي نالها كلاهما في دجنبر الفارط، كما تراجع كل من “حزب ثيوذاذانوس” اللبيرالي و”الحزب الإشتراكي العمالي الإسباني” الذي مازال يشهد نزيف أصوات من إنتخاب الى آخر خلال السنوات الأخيرة، في المقابل صعد نجم “الحزب الشعبي” الذي حصل على ثلث الأصوات المفرزة.لم يتكهن أحد بهذه النتائج، حيث فشلت كل إستطلاعات الرأي التي أجريت، بقيادة “ماريانو راخوي” إستطاع “الحزب الشعبي” أن يحقق نتائج تؤهله كي يكون الأوفر حظا لحكم إسبانيا خلال السنوات الأربع القادمة، وهذا بالرغم من الفضائح السياسية والمالية التي لاحقته في السنوات الأخيرة.في الواقع أن النتائج الإيجابية التي حصل عليها “الحزب الشعبي” ليس مردها الى حسن تدبيره وإنما الى سوء تدبير الأحزاب الأخرى.
كثرت التفسيرات والتأويلات حول نتائج الإنتخابات، لكن الواقع هو أن الناخب الإسباني لم يثق بالأحزاب الجديدة وليست له قابلية لمغامرات سياسية، وخاصة وسط عدم الوضوح الذي تشهده أوروبا بعد أن قررت بريطانيا الإنسحاب من الإتحاد الأوروبي.
المواطن الإسباني العادي ليس مستعدا للمقامرة، وفضل تطبيق المثل الإسباني الشهير الذي يقول معناه أن الشر المعروف أفضل من الخير المجهول”: ‹.Más vale lo malo conocido que lo bueno por conocer›.
وسط كل هذه المعطيات يبقى المغاربة الحاملون للجنسية الإسبانية، أو ذوو الاصول المغربية، بعيدين كل البعد على التأثير في المشهد السياسي الإسباني، فأغلبيتهم عازفون عن السياسة ولا رغبة لهم في الغوص فيها.
ويعزى هذا العزوف الى العديد من العوامل، منها ماهو راجع إلى خاصيات مغاربة إسبانيا ومستواهم السوسيو إقتصادي، حيث أن التكوين الدراسي والمهني للكثير منهم جد متواضع وتصل نسبة الأمية فيهم الى %20، وهي نسبة مرتفعة بالمقارنة مع تلك التي تخص جاليتنا المغربية في باقي الدول الأوروبية، ثم إن هجرة المغاربة الى المملكة الإيبيرية حديثة العهد.
ومن جهة أخرى هناك عوامل مرتبطة بالأحزاب السياسية الإسبانية، التي تتخوف من إدماج ذوي الأصول المغربية في هياكلها وفي لوائحها الإنتخابية، خشية ردود فعل بعض الفئات من الناخبين الأصوليين الذين مازالوا يتوجسون من ذوي الأصول المغربية، ومازالت الأفكار السلبية تعشعش في أذهانهم اتجاه هؤلاء.
أسباب هذا التوجس راجعة الى شحنات تاريخية وذاكرة مشتركة لم تعالج بعد: كحرب التحرير في “الريف” المغربي، و مشاركة المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية، والعديد من القضايا العالقة.
وأيضا المسيرة الخضراء التي نظمها المغرب لتحرير أراضيه الصحراوية عامل أثر في الكثير من الإسبان، حيث اعتبر هؤلاء أن المغاربة إستغلوا فرصة احتضار الجنرال فرانكو لطردهم من الصحراء، وهذا ما قد يفسر تعاطف فئة مهمة من الإسبان مع الإنفصاليين الصحراويين، وهذا ليس إيمانا بمزاعم هؤلاء، بل هو نوع من الإنتقام من المغاربة الذين حاربوهم سلميا لإسترجاع الصحراء من قبضتهم.
ثم إنك تجد هذا التخوف والتوجس من ذوي الأصول المغربية حتى داخل الأحزاب التقدمية التي تدافع خطابيا عن التنوع، فقد لاحظنا كيف ان “بيدرو سانشيز”، زعيم الإشتراكيين الإسبان، قد أدمج سينيغاليا مقيما في إسبانيا ضمن الفريق الذي قد يشكل منه الحكومة القادمة إذا قادته النتائج المحصلة عليها في الإنتخابات الأخيرة إلى “قصر لامونكلوا” (ما سماها با “حكومة التغيير”)، مع أن عدد السنيغاليين المقيمين في إسبانيا لا يزيد عن 8 ٪ من نسبة تعداد المغاربة.
إن عدد ذوي الأصول المغربية الذين إخترقوا كل هذه الحواجز ووصلوا الى التمثيلية السياسية في إسبانيا ضئيل جدا على الصعيد المحلي والجهوي، ومنعدم على الصعيد الوطني.
تعددت الأسباب لكن النتيجة واحدة. عزوف على المشاركة السياسية من طرف شريحة واسعة من مغاربة إسبانيا وإقصاء ممنهج من طرف الأحزاب لكل من حاول تخطي مستوى الإدلاء بالصوت للوصول الى مراكز التمثيلية داخل هياكل الأحزاب أو في المؤسسات التشريعية، أصبح هناك ضعف لافت في التمثيلية السياسية لجاليتنا في إسبانيا بالرغم من حجمها الديمغرافي الكبير.
أمام كل هذه المعطيات، لابد من العمل على تقوية التشاركية السياسية لمغاربة إسبانيا ومحاربة العزوف السياسي لديهم، بواسطة نشاطات تحسيسية من طرف النسيج الجمعوي، الذي هو أيضا في أمس الحاجة إلى الدعم للإرتقاء بجودة برامجه، لجعل جاليتنا أكثر تجدرا وامتدادا داخل المجتمع.
ومن جهة أخرى لابد من الإعتماد على العنصر الثقافي لأجل معالجة مظاهر القلق والتوتر الذي تتسم بها الذاكرة المشتركة الإسبانية – المغربية وبناء المصير المشترك المحتوم.