تهريب السياسة بين الشخصنة والمخزنة.

منبر الرأي بقلم الاستاذ : أحمد السقالي

    هكذا دوما، يعاد السقوط في “الشخصنة” و”المخزنة” حين قراءة وتحليل المشهد السياسي المغربي عموما والحزبي على وجه خاص إ… وتماما كما يكرس “المخزن” لذلك، يقوم بعض المتتبعين لهذا الشأن بتكثيف المؤسسات واختزالها في شخص واحد، فيتحول الأفراد والجماعات بعد ذلك إلى أتباع ومريدين لا حول ولا قوة لهم إلا التطبيل والتهليل، ومن ثمة يبتذل العمل السياسي كله ويحدث السقوط والتساقط والإسقاط…

    مناسبة هذا الكلام ما صار يروج في الآونة الأخيرة، وعلى مقربة من  الانتخابات التشريعية، حول شخص يدعى إلياس العمري المستغرق لحزب الأصالة والمعاصرة من تمثيل وتشهير، والواقع إن مثل هذا يحدث عند كل محطة انتخابية أو استحقاقات سياسية، فقد سبق أن جرجر اسم عبد الإله بنكيران في كلام كثير قبل أن يتولى رئاسة الحكومة…

    في الوقت الذي كان ينبغي على المتتبعين اغتنام الفرصة لتجويد الانتخابات و تنضيج العمل السياسي بتربية المواطن(ة) على حسن الاختيار بين البرامج والأفكار ترسيخا لقيمة التداول على السلطة وتنمية للممارسة الديمقراطية… يلاحظ بأسف شديد أن البعض يستغل المناسبة للعودة إلى نقطة الصفر بتسفيه الأحزاب والأشخاص والمؤسسات.

    الغريب في الأمر أن الساقطين في “الشخصنة” حين يمحورون حزبا ما حول زعيم من، لا يجهلون العوامل والعلاقات والظروف المحلية والاقليمية والدولية التي تتحكم في تشكيل المشاهد السياسية، ولكنهم يتجاهلونها بسابق حكم وقصد، وهذه هي بداية السقوط… فهل بالنبش في السير الذاتية للأشخاص وتتبع سوابقهم العدلية وبيانات خدماتهم وسفراتهم وكشوفاتهم البنكية، ـ وهو على فكرة ،عمل صعب من اختصاصات أجهزة المخابرات ـ ، هل بذلك يستقيم العمل ؟إ هل بهذا الأسلوب سيهزم الخصم الانتخابي ويحال دون وصوله إلى السلطة ؟إ.

    يا سيدتي… إذا قدر لهذه الحكومة أن ترحل، في سياق الجيوسياسي والاقتصادي طبعا، فإن البديل سيكون “باميا” وسيقود الائتلاف الحكومي القادم بدل إلياس العماري، الملياردير أخنوش، بعد تعديل وتسويغ طبعا، ولم لا، فلعله حاصل على شهادة عليا، كما أنه وفي حدود علمنا عنه إلى حد هذه الساعة، لم يعمل مخابراتيا بياعا للطلبة ولا تاجر مخدرات ولا فارا خارج البلد أيام 20 فبراير ولا متزلفا لدى القصر في انتظار الانقضاض على الريف ليبيع الكيف أو شي جهة أخرى وشيء من هذا القبيل…  هذا الحطب القاهوتي الرديء جمعته من تصريحات وتدوينات وكتابات من يفترض أن يزن الكلمات مثل عبد الإلاه بنكيران نفسه والرفيقة نبيلة منيب والصحفي المحنك رشيد نيني والصاعدة مايسة سلامة وحتى دراوي دراوي… والحال أن الارتقاء بالفعل السياسي ينبغي أن يترفع على هذه الخزعبلات ويطرح للنقاش أفكار الفاعلين السياسيين وبرامج أحزابهم، ويتتبع اصطفافات الأحزاب وتقاطعاتها انطلاقا من مرجعياتها وتجاربها، مع الأخذ بعين الآعتبار  طبعا، دور “المخزن” أو “الدولة العميقة” كما يحلو للبعض تسميته.

    إن المنتظر من المثقفين و المتتبعين للمشهد السياسي المغربي هو المساهمة في “علمنته” عوض الانغماس في “أسطرته” و “شعوذته” بتهريب النقاش السياسي البناء وتسفيهه بوصف كل الأحزاب “زوايا” أو وكالات ريعية، وكل المناضلين والمنخرطين في العمل السياسي مجرد بيادق وكراكيز يلعب بها “المخزن”…

    كفى من جلد الذات واحتقارها إ وكفى من التغزل للمخزن بتضخيمه وتعليق كل تخلفنا عليه إ، فهو ـ أي المخزن ـ موجود قبل وجود الأحزاب كلها بدون استثناء، وهو فاعل سياسي أساسي واستراتيجي… مثلما هو الشأن في جميع البلدان لكل دولة “مخزن”، يشتغل في إطار العلاقات الجدلية الخاصة والعامة، ويحرك جميع آلياته وأدواره من أجل إنزال وتنزيل المشاريع والقوانين التي تضمن له البقاء والاستمرارية… يوجد “المخزن” دائما في الصميم السياسي للمغاربة ولا يمكن أن يتواجد أحد خارجه، هو اليقظة ذاتها، يتربص بالكل ويحتوي الكل ويترك للكل وهم امتلاك الحرية، الوهم الإيجابي أقصد، ويبقى للسياسي أن يختار بين الدفاع عن مصالح الكادحين والفئات الصغرى أو الدفاع عن حصانة الأغنياء وأصحاب الريع السياسي والاقتصادي وخدام السلطة… ولكن المثقفين أشد نفاقا من غيرهم لأنهم يقدرون على إنتاج الكذب وتبريره في نفس الوقت قال لينين إ… فمن الاتكاء على “المخزن” إلى “شخصنة” العمل الحزبي يتم إنتاج أكبر أكذوبة تربي العزوف عن المشاركة السياسية والنفور من الأحزاب وبالتالي الإهمال والعدمية والتطبيع مع الفساد والمفسدين.

    إن الثنائية القطبية(البيكاميراليزم) موجودة بالقوة، أو لنقل هي في مغرب اليوم أثناء التشكل: (الإصطفافات الأخيرة: حزب الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي من جهة وحزب الاستقلال والعدالة والتنمية من جهة أخرى… قد تكون البداية). والثنائية القطبية من أرقى آليات وأشكال الوضوح السياسي في المجتمعات الديمقراطية التي استأنست التناوب على السلطة… في المغرب تتمفصل عشرات الأحزاب على هذين القطبين الأكسيولوجيين:(يمين/يسار، محافظ/ ليبرالي، اشتراكي/رأسمالي، رجعي/تقدمي، …) ولا يفقد الواقع المغربي تنوعه وخصوصياته هذا الاصطفاف والتمفصل السياسي المزدوج ، إذ يظل محتفظا به لما فيه من غنى وثراء يعكس تنوع أرض المغرب:(فيه البعد الديني والمدني، والجهوي والقومي، والمعتدل والمتطرف، والنقابي والحقوقي، والمتحزب وغير المتحزب…).

    إن تاريخ المغرب النضالي ، وذلك البصيص من الديمقراطية (كذا)، هو الذي أفرز هذه الفسيفساء وليس “المخزن” كما يحلو تكراره للهاربين إلى الأمام ، إن “المخزن” كما سبق قوله، طرف هلامي واستراتيجي كبير، قد وجد قديما جدا، وفي البدء كان، قبل ج.ج.روسو، ونحن اليوم “لا يمكننا العودة إلى المشي على أربع…”، أما الحكومة، وهي ظل “المخزن” على مضض، فإن الشعب والأحزاب والأقلام… هم من يصنعونها ، مباشرة أو غير مباشرة، من خلال النضال المشروع وفي إطار الدستور غير المقدس. وهكذا نحسم مع الداعين في كل مرة إلى مقاطعة الانتخابات بدعوى أن كل شيء مخدوم وطوطولوجي. وبعض “الأقلام” غير المتحزبة والمستأجرة يستحسن أن تخرس أثناء المعارك ما دامت لا تشارك فيها، أو أن تصرح وتكشف عن الجهة الحزبية التنظيمية أو المخزنية أو الفيسبوكية، التي تشتغل معها… فالتاريخ لن يتوقف والنظام لن يتغير وظروف الناس لن تتحسن بسياسة المقاطعة والكرسي الفارغ، لأن الجيش الانتخابي الاحتياطي موجود، والكتلة الناخبة للحزب “الدينوقراطي” ثابتة ومعروفة (1.000.000 صوت) إذا لم تزد لن تنقص.

    إذن، ما العمل ـ يقول صاحب بيض النمل ـ؟إ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *