صوت أمي‘ .. رواية جديدة لعبد القادر بنعلي

 صوت أمي? .. رواية جديدة لعبد القادر بنعلي

تقرير: محمد أمزيان
عرض كتب – محمد أمزيان / تدور أحداث الرواية حول ثيمة العائلة وما يتحرك حولها من أنماط ثقافية ودينية وتصادم بين الثقافتين. يعود الراوي، مصور فوتوغرافي، بعد انقطاع، إلى بيت أسرته، ليبحث لأمه المريضة عن صورة لأخيه الذي توفي غرقا في البحر.

والده إنسان فظ القلب غليظه. أمه سكتت عن الكلام لسنوات، ولا يكاد يسمع لها صوت. عاد ليبحث عن صورة مفقودة كان التقطها خلسة لأخيه، لكنه اكتشف أن أمه تريد أن تطلعه عن سر مكنون أثقل كاهلها. في البيت، بدأت الأم تتعافى شيئا فشيئا بفضل أغاني كوكب الشرق أم كلثوم. في حين أصيب أبوه بوعكة صحية مفاجئة. يموت الأب فجأة وتحيى الأم.

عودة

تتخلل الرواية صور متناثرة ومبعثرة عن أسرة الراوي؛ أسرة ريفية محافظة، زاد تقوقعها على نفسها بعد مغادرة الأبناء للبيت. أحدهم توفي في الريف غرقا خلال إحدى العطل الصيفية، والآخر اختار طريقه الخاص بعيدا عن أبيه. وحينما تلقى مكالمة من والده يطلبه العودة إلى البيت، عاد ? بعد تردد ? ليصفي حسابه مع أبيه، وبالتالي مع إرثه وموروثه. غير أن الموت فاجأ أباه فغيبه قبل تحقيق أمنيته؛ أمنية الراوي مما أثار عصبيته:”يستطيع (أبي) أن يموت حينما يتعرف على رأيي فيه، يستطيع أن يموت حينما يعلم أنني لم أعد أومن به. عندئذ يستطيع أن يموت، وأتركه وشأنه”. لكن الموت يأتي بلا استئذان ولا موعد.

يحمل غلاف الرواية صورة لشخص يقفز من صخرة عالية نحو البحر. وهي صورة تحيل لمضمون الرواية أيضا. فالقفز من صخرة عالية كان بمثابة اختبار لرجولة الرجل الريفي. لم يحدث أن سلم من القفز أحد سوى والد الراوي، ولذلك أصبح يلقب ب” شخونسبرينغر” (رياضي القفز الفني). ولما حاول أخ الراوي، المولع بالكتابة، القفز من تلك الصخرة محاكاة لوالده، بلعه البحر فلم يظهر له أثر بعد ذلك. كانت الصدمة قوية على الأم وعلى الأسرة الصغيرة التي انقطع فيها الكلام إلا نادرا، لكن عبر الهاتف فقط.

“منذ مدة، لم نعد نتكلم مع بعضنا البعض إلا قليلا. عادة ما تكفي انحناءة من الرأس لتؤكد أنك موافق. لكن عبر الهاتف لا يمكن أن تعبر على الموافقة بانحناءة الرأس”.

أسطورة

بنى والد الراوي مجده على قصة قفزته المشهورة من الصخرة. إنسان واحد يعلم تفاصيلها: الأم. هذه الأم المسكينة التي استقدمها زوجها من جبال الريف المغربية، ليتقلص عالمها في هولندا إلى حدود بضعة أمتار حول بيتها. عاد الراوي إلى بيت أسرته، وفي رحلة العودة يرجع بذاكرته أيضا إلى طفولته، يصف الرحلة المكررة كل صيف من هولندا إلى جبال الريف، وينقل صورا “مألوفة” لدى كل أسرة مهاجرة تتكبد مشقة زيارة البلد الأم كل سنة. لا يمكن القول إنه أتى بجديد في هذا الباب، بل كرس الصور النمطية المتداولة بين المغاربة في طابع هزلي وتهكمي.

عثر الراوي على الصورة. “ناولت والدتي الصورة. ?على المرء أن يقفز?، قلت للوالد. أخي كان رجلا حقيقيا. بهذا القول نعيد الاعتبار لأخي في موته.هز والدي رأسه موافقا. فبسبب تلك القفزة فقد أخي حياته، ولكنه أصبح رجلا”. القفز معيار الرجولة. ولكي يكون الأبناء على شاكلة أبيهم كان “أبي يلح علينا طوال الصيف أن نقفز من الصخرة، ويضيف ساخرا: من استطاع ذلك فله الحق في الإرث”.

سر

تعافت الأم من مرضها ليس بسبب الصورة، بل لأنها “تخلصت” من سر احتفظت به لنفسها منذ أمد. فالبطولة التي يدعيها أب الراوي، والتي بسببها فقد أخوه الحياة، بطولة زائفة. فهو لم يقفز من الصخرة، ولكنه قفز إلى الماء لينقذ أخاه. وبمجرد إزاحة الستار عن بطولة الأب الزائفة، يعمد الراوي إلى تغييب الأب من المشهد على إثر وعكة صحية عارضة، ويمنح الحياة؛ العودة إلى الحياة، لأمه.

لم تحزن الأسرة كثيرا على رحيل معيلها، على عكس ما يحدث عادة بين الأسر المغربية المهاجرة. بل نرى الكاتب يعجل من ترحيله عبر الطائرة إلى المغرب للدفن، وكأنه يريد طي الصفحة القديمة ليواصل صفحات حياته الجديدة، لاسيما بعد أن قبل استقبال ولديه التوأم اللذين أنجبتهما عشيقته. الغريب أن أمه ?قبلت? بسهولة وجود التوأم دون السؤال عن رأي الشرع والثقافة في العلاقة غير الشرعية.

انتصار داروين

يطل السيد داروين بنظريته على طول صفحات الرواية. ويمكن بسهولة التأكد من أن الكاتب يميل ? بعد أسئلة نمطية ? إلى تصديق رواية داروين في الخلق بدل الرواية الدينية. يتحدث بطل القصة عن مرحلة دراسته الإعدادية في هولندا، وخلال حصة حول التوازن البيئي، يصطدم بحقيقة تخالف ما ألفه في البيت. “يرتبط وجود الحيوانات بعضها ببعض. فإذا ما قضيت على نوع معين تداعت الأنواع الأخرى. على هذا الأساس يقوم العالم”. هذا ما شرحه الأستاذ. إلا أن البطل يقفز من وسط الصف ليواجه الأستاذ بحقيقته الموروثة: – ?الله هو الذي خلق العالم?

– ?هكذا يقولون? أجابه الأستاذ.

أدمن الراوي القراءة منذ الصغر، واستهوته الموسوعات التي تتحدث عن الكائنات؛ كل أنواع الكائنات. وبسبب قراءاته التبست عليه الأمور؛ بين ما يتلقاه في البيت، وبين ما يدرسه ويقرؤه. “نظرية التطور ليست عدو الإيمان، إنها عدو البراءة”.

– ?في أي إله تؤمن؟? سألت المعلم بعد انتهاء الحصة. لم أكن فقط راغبا في المعرفة، بل اعتبرته سؤالا عاديا. كان الجواب غير متوقع.
– ?لا إله?
– ?ماذا تقصد؟?
– ?أومن في لا شيء? قال لي، ?إلا في ما يقدمه الإنسان من خير?.

النقاش بين المعلم والتلميذ أفضى إلى اقتناع التلميذ بحقيقة جديدة. “العالم لم يخلقه الله إذن، ولم يحدد برحمته بدايته ونهايته. ولكنه نتيجة لتطورات حدثت بمعزل عن أية قوة خارقة”.

وبعد

كعادته في الأعمال السابقة، يواصل الكاتب عبد القادر بنعلي تشييد أسلوبه الروائي الخاص به؛ أسلوب عبد القادر بنعلي? كما ذكر لي ذات يوم، حينما أصدر روايته الأولى “عرس على الشاطئ”. إلا أن النقاد سجلوا عليه مآخذ لغوية وأسلوبية كان عليه تجنبها. بل هناك من رأى أن الكاتب وصل القمة الآن، وليس لديه ما يقدمه أوما يبدعه. قد يبدو هذا الحكم قاسيا في حق كاتب شاب ما زال في بداياته. إلا أن نجاحه المبكر مع روايته الثانية، “الانتظار الطويل”، وحصوله على أعلى جائزة أدبية في هولندا، ربما يقف حجرة عثرة أمام الكاتب ليأتي بأحسن منها. وأعتقد أن بعض “الكليشيهات” شوهت فعلا هذا العمل الذي يعد، مع ذلك، شيقا للقراءة.

‫2 تعليقات

  1. Bonne chance mr A.B dans vos prochains travaux. Et merci à mr M.A pour la pésentation de ce livre. Il parait que cette oeuvre est magnifique à lire

    NADORIENNE

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *