الأكاديمي نجيب العوفي ينعى الناقد الناظوري البشير القمري .. مثقف السّجال والنّزال

وصف الأكاديمي المغربي نجيب العوفي الراحل البشير القمري بالناقد الأدبي والثقافي والسياسي الذي كان شغله الشاغل أن يؤزّم وينقد ويشاكس ويشاغب الأشياء باستمرار.
ونعى العوفي الراحل في مقال توصلت به جريدة هسبريس، وعنونه بـ”البشير القمري..مثقف السجال والنزال”، معتبرا إياه محاربا ثقافيا مهووسا بخوض المعارك الثقافية والسياسية، مُعبأ بكل أسلحة (دماره الشامل).
وهذا نص النعي:
على قلق عاش البشير القمري حياته كأن الريح تحته باستمرار، كما قال أبو الطيب:
يوجّهها أو بالأحرى توجهه جنوبا وشَمالا.. لا يهدأ له قرار ولا يستريح له جَنب، منتقلا من سجال لنزال..كأنه منذور للعواصف والزوابع، مفتون بتحريك المياه الآسنة ومناوشة الأفكار المطمئنة الآمنة.. لا تأخذه في ذلك هوادة أو لين، ولو جرّ على نفسه الأتعاب والأوصاب..
ريفي بحق، يحمل شموس وأتعاب الريف في شرايين دمه، ويتنفس إباءه وشَممه من أنَفة أنفه.
وأنْ تسكنك وتلازمك جينات السلالة، في زمن تحوّل وهُجنة السلالات، أي في زمن العولمة الغريب الوجه واليد واللسان، فذلك مصير تراجيدي بمعنى الكلمة.
والمفارقة التراجيدية، أو بالأحرى التراجيكوميدية في حالة البشير القمري، أنه عاش الحداثة الثقافية والفكرية حتى النّخاع، وانخرط في معْمعان العولمة بكل جوارحه وأشواقه..لكنه ظل في أعماقه ولا شعوره الفطري الصادق الأمين طفلا ريفيا بدويا مسكونا بقيم القبيلة، قريبا من تلك الشخوص الأسطورية في بلدة (ماكوندو) التي صوّرها غابرييل غارسيا ماركيز في رائعته (مائة عام من العزلة).
وكان البشير القمري بالمناسبة وحيدا ومنعزلا على الدوام، في غمرة صخبه الثقافي والاجتماعي.
وأعود مرة أخرى إلى أبي الطيب للاقتراب من حالة البشير القمري/
لا تحسبوا رقصي بينكم طربا / فالطير يرقُص مذبوحا من الألم.
وإذا شئتُ أن ألخّص البشير القمري في عبارة دالة جامعة ومانعة لا أجد أبلغ وأدل من عنوان أحد أعماله الأدبية، وهي مجموعته القصصية الجميلة والساخنة (المحارب والأسلحة)..فهو المحارب الثقافي المهووس بخوض المعارك الثقافية والسياسية، مُعبأ بكل أسلحة (دماره الشامل).
وهنا أضعُ اليد على أهمّ نقاط قوة وعظمة البشير القمري، وهي أنه ناقد أدبي وثقافي وسياسي بكل معاني الكلمات..ناقد، سواء بالمفهوم التقييمي – الصّيرفي العربي، أي التمييز بين الصحيح والزائف، أو بالمفهوم الفكري – الغربي الذي يعني المساءلة وتأزيم الأشياء.. Critique c’est mettre en crise وكان همّ البشير وشغله الشاغل أن يؤزّم وينقد ويشاكس ويشاغب الأشياء باستمرار.
والمفارقة النقدية عند البشير القمري مرة أخرى، والبشير مَجرّة مفارقات ثقافية وإنسانية جميلة ومشاغبة، هي أنه في عزّ حماسه للمناهج النقدية الحداثية البنيوية – الشكلية التي أحلّت باراديغم (القراءة) محل باراديغم (النقد) وكرّست مبدأ (النص ولا شيء سوى النص)
كان البشير القمري يمارس النقد critique بعنفوان واقعيته وخشونته وكزازته.
ولا يمكن للمرء إلا أن يكون ذاته.
ذلك كوجيتو وجودي، ما بُدّل تبديلا.
في مجال النقد إذن، أبلى البشير بلاء حسنا ومتميزا، وقدم للمكتبة النقدية المغربية والعربية بعامة أعمالا نقدية وازنة من قبيل / شعرية النص الروائي – في انفتاح النص والقراءة – مجازات، دراسات في الإبداع العربي المعاصر – في التحليل الدراماتورجي للنص..
وهي أعمال تتّسم باجتهادات منهجية ونقدية ثاقبة وجريئة.
ينتمي البشير القمري إلى جيل الثمانينيات الذي تلا مباشرة جيل السبعينيات النقدي..وجاء وصحْبه بعد خُفوت المناهج الواقعية وفي غمرة الحماس للنقد البنيوي الشكلاني والانبهار بنصوصه وعلاماته..من هنا اتّسمت مقارباته وقراءاته في هذه الفترة بمياسمَ وبصماتِ الحداثة النقدية الفرنسية بشكل واضح، ومع سبق ترصّد وإصرار منهجي.
وكان بارت وتودوروف وجيرار جنيت وفيليب هامون وجوليا كريستيفا ومن لفّ لفّهم هم مراجعه الحداثية الأثيرة وأساتذته المقربون..وهؤلاء وأضرابهم هم مراجع المرحلة وأساتذتها المُهيمنون.
هذا من غير أن يصْرم البشير حبل ودّه واحترامه مع أساتذته المغاربة والمشارقة التقليديين؛ وهي خِصلة وفاء مركوزة فيه..والبشير من بعدُ صِنو شقيق للشاعر الرائد الحسين القمري، الأخ الأكبر للبشير القمري، شفاه الله وعافاه.
وتشاء تصاريف القدر أن يكون الأخ الأصغر هو المُقتحم والمُنازل لهازم اللذات ومفرق الجماعات، سيرا على ديْدن طرفة بن العبد / ألا أيّهذا اللائمي أحضرَ الوغى / وان أشهد اللذات، هل أنت مُخلدي فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي / فدعني أبادرْها بما ملكت يدي
وكما تقاسم الأديبان الشقيقان شجرة الدم والنسب، تقاسما فنون وأجناس الأدب.
فتفرّغ الحسين القمري للشعر، يمْحضه ودّه وجهده.
وتفرغ البشير القمري للنثر، يمحضه وده وجهده.
تفرّغ فكريا للنقد الأدبي ومناهجه ونظرياته، وتفرغ إبداعيا لكتابة القصة القصيرة والمسرحية وأعتاب روائية.. في غرفة الانتظار، قبل أن تخذلها (غرفة الإنعاش).
وأعتبرُ شخصيا وموضوعيا أن البشير القمري خُلق ناقدا في الدرجة الأولى..خلق ناقدا مشاكسا ومشاغبا ومتحرّشا، يُعيدنا إلى أمجاد المعارك الأدبية الساخنة، فيالمشرق والمغرب. والتي أمست أثرا بعد عين.
أخي البشير / أيها المحارب الثقافي الجميل والأصيل، على نهج المحاربين العظماء الأصلاء، لم تشأ أن تلقي سلاحك وتمضي بسهولة، فبقيت محاربا حتى النزع الأخير..لم تشكُ لأحد بلواك..ولم تتكئ سوى على عكازك الخاص..وقد آن لك أن تستريح أيها المحارب من وعثاء السجال والنزال..لكن الأكيد المؤكّد أن الساحة الثقافية ستفتقد فروسية قلمك ولسانك.
على روحك السلام.
