الإبداع في زمن كورونا / قصة قصيرة جدا: استراحة

أريفينو : 16 يونيو 2020.
بقلم الأستاذ / ميمون حرطيت*
تهطل الأمطار غزيرة في هذه العشية من أواخر الخريف، المسيلات على المنحدرات تنسكب بتدفق قوي..فيما تبدو الأشجار المثقلة أوراقها بالماء، في حضرة لا تني تزداد،..و جنب صخرة كبرى ، تنكمش شاة على نفسها في ظل الرياح والمطر بلا حول..الطبيعة في هيجان لا يرحم.
من خلال زجاج نافذة غرفتها المعزولة عن الجيران حدّثت المرأة العجوز المتتبعة للمنظر الموحش نفسها قائلة: تلك الشاة كما تبدو ، شبيهتي -وقد أحست بقشعريرة تسري في جسدها المنهك- أتراها تخلفت عن القطيع لعلة أصابتها، أم أن الراعي تغافل عنها لعلة ألمت به هو؟ كثيرا ما يحدث أن نتعامل مع الأشياء التي لم تعد لديها أولوية عندنا بمثل هذا الإهمال. ببطء كبير؛ أسدلت ستارة النافذة بعدما أبدت تأسفها لحال البهيمة، بأن هزت رأسها بتثاقل تعبيرا عن الاستنكار، ثم توجهت مستعينة بعكازها، نحو المدفأة، أجالت بصرها في أشياء الغرفة: المزهرية التي ذبلت ازهارها في مكانها فوق طاولة مغشاة بقماش بخلفية سوداء مزركش بالأصفر.. الكتاب الذي انتهت من قراءته منذ مدة عن الوجودية لا يزال مفتوحا على الصفحة سبعين .. الأروقة من خلف الستائر المنسدلة تتحرك في تموجات صغيرة…مشغل الأسطوانات على وشك إكمال دورته الأخيرة من سمفونية” الدخول إلى الجنة”…النار في المدفأة تتلظى، والقلب يخفق بشدة..شريط الذكريات يلح على الذاكرة كي تنشط في استرجاع جل التفاصيل، أو أهمها على الأقل
تركت المرأة العجوز جسدها يسقط على الكرسي، بعدما وجدت نفسها مستسلمة للذة، و متعة التفرج الذهني على واقع مضى؛ واقع اتسم بكثير مما يثير العاطفة الجياشة.
تخاله أمامها؛ يدنو رويدا رويدا، وكأنه يمنح لها بعض الهنيهات لتهيئة مشاعرها، في البدء يمرر رؤوس أصابعه على خديها وشفتيها، ثم يداعب شعرها المنسدل بعناية على جنبي وجهها يرفعه برفق متناه خلف أذنيها، ويهمس لها بكلمات مشبعة باللهفة، فتحس بدفء إضافي يغازل جسدها الضامر…
لسان النار أمامها، لا يني يتراقص بتوهج شديد الوميض، وعلى الستارة خلفها ترسل نقرات المطر لحنا حنينيا نادر الإيقاع …
مالت الرأس بهدوء على مسند الكرسي، فاستجمعت من تفاصيل صوت الطبيعة باقة لحن عجيب، وفي الحين سالت من العين دمعة يتيمة ، ثم أخذ الجسد يبرد وقد ارتخت اليد الماسكة بالعكاز؛ فسقطت هذه الأخيرة على أرضية الغرفة دون أن يسمعها أحد.
*أستاذ متقاعد
