الدكتور حسن بلعربي يكتب.. قرية لا تنام بعد الفجر

في قريتنا، لا أحد ينام بعد بزوغ الشمس.
الفجر هناك ليس مجرّد صلاة، بل هو نداءُ حياة. حين يؤذّن المؤذّن، تنهض النساء كما لو أن الوقت سكب ماءه البارد على وجوههن.
يُشعلن النار، يعجنّ العجين، يحلبن المعز، ويُهيّئن الإفطار الذي يفوح منه عبق البساطة: خبز ساخن، بيض مقلي، زيت زيتون، وشاي أخضر منعنَع.

الرجال، بعد أن يودِعوا المسجد دعاءهم وهمساتهم، يعودون إلى بيوتهم، يتناولون فطورهم بصمت، كأنما يستعدّون لمبارزة يوم طويل. ثم يخرجون للعمل، يحملون في وجوههم صبر الأرض وصلابة الحجارة.
لا يعودون إلا عند الظهر، يتغدّون، يختلس بعضهم قيلولة قصيرة، ثم يعودون إلى رزقهم من جديد.

عند الغروب، تتلاقى الأرواح في المسجد مرة أخرى. صلاة المغرب، ثم العشاء، ثم نوم مبكر.
كلّ شيء في قريتنا منضبط كنبض القلب، لا يتأخر ولا يختل.

النساء يحملن عبء البيوت والحيوانات، ينسجن الوقت بين الغسيل والحلب والطهي والرعاية، ولا يشتكين.
وفي الليل، حين يخفت الضوء وتهمد الأصوات، يذهبن إلى فراش أزواجهن، يُلبّين نداء الحقوق، لا خنوعًا بل فخرًا.
ويتباهين في الصباح برطوبة شعورهن، كأنها وشم سعادة لا يراه إلا من عاش بين جدران القرية.

أما من مات زوجها أو غاب، فحكمها الحزن. المرأة في قريتنا بلا رجل، كطفل بلا أم، يسمونها “يتيمة”، وإن جاوزت الأربعين.
تقول أمي دائمًا: “عدوّ المرأة… امرأة أخرى”.

المراهقات لا يحلمن بالحياة، بل بالزواج.
الجميلات منهن يتزوجن في الرابعة عشرة، ذوات الحظ المتوسط ينتظرن حتى السابعة أو الثامنة عشرة.
أما من لم تكن الجينات إلى جانبها، فمصيرها بين خدمة زوجة أخيها، أو الانتظار بصبر الذئاب، علّ إحدى نساء الكهول تموت، فتتزوّج أرملها… مؤقتًا.

تدخل بيت الرجل كهبة، وتخرج منه أرملة. قد تنجب، أو لا. وإن أنجبت، تعيش في ظل أولاد ليسوا أولادها، لكنهم أولاد من كان يُسمى “زوجها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *