كشف أسرار الخطة المغربية لريادة أفريقيا عبر مراوغة أمريكا!

أريفينو.نت/خاص
في حوار  أجراه على هامش فعاليات “عطلة نهاية الأسبوع للحكامة لإبراهيم” بمدينة مراكش، قدم السيد باسكال لامي، المدير العام السابق لمنظمة التجارة العالمية، رؤيته العميقة حول المسارات الاقتصادية للمملكة المغربية، وتحديات تمويل التنمية في السياق العالمي الراهن، والدور المحوري الذي يمكن للمغرب أن يضطلع به في دفع عجلة التكامل الأفريقي والدفاع عن نظام تجاري عالمي متعدد الأطراف وقائم على قواعد واضحة. ويرى لامي أن المغرب يمتلك كافة المقومات لتبوء هذا الموقع الاستراتيجي.
المغرب “توقيع الثقة” في الأسواق الدولية.. وتمويل التنمية بين الداخلي والخارجي!
وفي معرض تقييمه لاستراتيجية المغرب النشطة في التمويل عبر الأسواق الدولية، أكد لامي أن “المغرب يُعد من بين التوقيعات السيادية التي تجذب رؤوس الأموال عندما يحتاج إلى الاقتراض”. وأوضح أن شروط التمويل تختلف باختلاف العملة المستخدمة، سواء كانت اليورو أو الدولار أو غيرها، “ولكن بشكل عام، يتمتع البلد بموقع جيد ضمن فئة الاقتصادات الناشئة النامية”. واعتبر لامي أنه “من الجيد اللجوء إلى مصادر تمويل خارجية، شريطة أن تظل أسعار الفائدة مواتية بالطبع”. واستدرك قائلاً: “ومع ذلك، فإن هذا لا يغني عن التحدي الأساسي المتمثل في تعبئة الموارد الداخلية. فالادخار المغربي ينمو باطراد مع تطور البلاد، ومن المهم للغاية أن تستمر هذه الديناميكية الإيجابية”.
وحول ما إذا كانت تكلفة التمويل الدولي المرتفعة نسبياً تحد من جاذبية هذه الاستراتيجية للمغرب، أجاب لامي: “نعم ولا. قد تبدو هذه التكلفة مرتفعة للوهلة الأولى، ولكن يجب أيضاً النظر إلى الفوائد الاستراتيجية. فمن مصلحة المغرب أن يكون حاضراً بقوة في أسواق رأس المال الدولية، لأن ذلك يمكنه من جذب تدفقات تمويلية هامة”. وأضاف: “يوجد اليوم وفرة من رؤوس الأموال المتاحة عالمياً، والكثير منها على استعداد للتوجه نحو توقيعات سيادية ذات مصداقية عالية، كتوقيع المغرب. وفي ظل هذه الظروف، أعتقد أنه سيكون من المؤسف أن يحرم المغرب نفسه من هذا المورد الحيوي، طالما أنه ينجح في الاقتراض بتكلفة مقبولة”. وأشاد لامي بالدور الريادي للمغرب قائلاً: “في نظري، لقد أصبح المغرب نوعاً من القائد في المنطقة. والمثير للاهتمام هو أن دولاً أخرى بدأت تلاحظ ما يقوم به المغرب، وتحاول الاستلهام من تجربته. وهذا، على الأرجح، أحد أفضل مؤشرات النجاح: عندما يصبح بلد ما نموذجاً يحتذى به للآخرين”.
وداعاً للمساعدات التقليدية.. أفريقيا تبحث عن بدائل “جنوب-جنوب”!
وبخصوص تراجع دور المساعدات الإنمائية التقليدية، وفي ظل دعوات متزايدة مثل دعوة رجل الأعمال مو إبراهيم للخروج من دائرة التبعية، أوضح لامي أن هذا الموضوع كان محور نقاشات مستفيضة خلال فعاليات مؤسسة مو إبراهيم. وقال: “الإجماع، في رأيي، واضح تماماً: المساعدة الإنمائية لن تعود إلى ما كانت عليه في السابق. لذا، يجب البحث عن بدائل ناجعة. وهذه البدائل لن تأتي بشكل أساسي من التدفقات المالية العامة القادمة من دول الشمال، كما كان الحال لفترة طويلة. بل ستأتي عبر رؤوس الأموال الخاصة، وبشكل متزايد، من خلال تمويلات تنبع من دول الجنوب نفسها”. واستدرك قائلاً: “مع ذلك، لا ينبغي أيضاً التخلي كلياً عن جميع أشكال المساعدات. ففي بعض المجالات الأساسية كالصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية، لا يزال لدول الشمال دور هام تلعبه. لكن هذا النموذج الكلاسيكي للتدفقات بين الشمال والجنوب القائم على المساعدة العامة آخذ في الانحسار التدريجي. هذا تشخيص واقعي، ويمكن أن يمثل أيضاً فرصة لإعادة التفكير في توازنات التمويل على مستوى القارة الأفريقية”.
مواجهة “حمائية ترامب”.. المغرب والمهمة الصعبة في منظمة التجارة العالمية!
وفي سياق عالمي يتسم بعودة النزعات الحمائية، خاصة منذ عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، أكد لامي أن المغرب يمكنه الحفاظ على مصالحه التجارية والاستمرار في لعب دور مؤثر داخل منظمة التجارة العالمية. وقال: “لا ينبغي المبالغة في تقدير حجم المشكلة. هناك بالفعل مشكلة حمائية، خاصة من جانب الولايات المتحدة، وهذا أمر جدي. لكن الواردات الأمريكية لا تمثل سوى 13% من التجارة العالمية، أي أنها ليست الكوكب بأسره. وحقيقة أن اقتصاداً كبيراً كالولايات المتحدة قد أصيب بهذه الحمى الحمائية منذ عهد ترامب لا تعني بالضرورة أن الدول الأخرى يجب أن تحذو حذوها”.
وأضاف: “الدول الناشئة، مثل المغرب، بحاجة ماسة إلى أسواق دولية مفتوحة وعميقة لمواصلة مسيرتها التنموية، لا سيما من خلال صادراتها. والمغرب هو من بين تلك الدول التي لها مصلحة أساسية وجوهرية في الحفاظ على نظام تجاري عالمي قائم على قواعد واضحة ومنصفة. وهذا هو ما تقترحه منظمة التجارة العالمية، وقد احتل المغرب دائماً مكانة هامة ومؤثرة داخلها”. ودعا لامي إلى ضرورة أن “يؤكد عدد من الدول، كالأوروبيين والصينيين وغيرهم من الاقتصادات الناشئة، بوضوح وقوة عن إرادتهم المشتركة لمقاومة هذه الانحرافات الحمائية”. وقال: “إنني أنتظر اللحظة التي يتفق فيها أعضاء منظمة التجارة العالمية هؤلاء على القول: إن ما يقوم به الأمريكيون يسبب لنا إشكالاً، وسنتعامل معهم مباشرة بشأنه. ولكن بالنسبة للباقي، فإننا نظل مصممين على إحياء نظام للتبادل الدولي يكون مفتوحاً ومستقراً وقابلاً للتنبؤ وقائماً على قواعد واضحة، وهو ما يمثل اليوم النقيض التام لنهج السيد ترامب”.
حصيلة ضريبية “مثالية”.. والمغرب “قاطرة” التنمية الأفريقية!
وحول نجاح المغرب في تعبئة ما يقارب 20% من ناتجه المحلي الإجمالي كإيرادات ضريبية، وهو مستوى لا يزال نادراً في القارة الأفريقية، علق لامي قائلاً: “بالفعل، هذا أداء ملحوظ، لأن متوسط التحصيل الضريبي في القارة الأفريقية يدور حول 16%. وبلوغ مستوى قريب من 20% يشكل، بطريقة ما، مرحلة هامة على سلم التنمية”. وأضاف: “عندما ننظر إلى البيانات، نرى دولاً تتراوح نسبتها بين 5% و10%، وأخرى عند 20%، وبعضها عند 30% أو حتى 40%. المغرب، من جانبه، يسير بثبات في مساره التصاعدي. ويمكننا بالطبع أن نتساءل: هل القدرة على تحصيل المزيد من الضرائب هي التي تعزز التنمية، أم العكس، هل التنمية هي التي تسمح بالوصول إلى هذا المستوى من التحصيل الضريبي؟ في الحقيقة، هذا لا يهم كثيراً. ما يهم فعلاً هو أنه بملاحظة هذا التطور، نرى بوضوح أن المغرب يتقدم باطراد نحو تحقيق المزيد من التنمية”.
وبخصوص الحضور المتزايد للمجموعات الاقتصادية المغربية في القارة الأفريقية، خاصة في قطاعات البنوك والصناعة والتأمين، أوضح لامي أن “المغرب قد احتل مكانة هامة في العديد من قطاعات الخدمات على مستوى القارة الأفريقية. وهذا ينطبق بشكل خاص على قطاعي التأمين والنقل الجوي، ولكن أيضاً، بدرجة أقل، على القطاع الصناعي، حيث يمتلك المغرب قدرات لا تتوفر دائماً لدى جيرانه الأفارقة”. واعتبر أن “الرهان على الشركات المغربية التي تحمل خطط تنمية ملموسة وواقعية هو نهج متسق وملائم”. واستدرك: “ومع ذلك، يجب أن تجد هذه الشركات، في السوق الوطنية المغربية، الموارد المالية اللازمة للاستثمار والتوسع، كما تفعل بالفعل في بلدان أخرى. هذه الحركة، التي تركزت في البداية على منطقة غرب أفريقيا، تمتد الآن لتشمل القارة بأكملها”.
وخلص لامي إلى أن هذا الأمر “يعيدنا إلى قضية أوسع وأشمل، وهي قضية التكامل الاقتصادي الأفريقي. أنا من بين أولئك الذين يعتبرون أن منطقة التجارة الحرة الأفريقية (ZLECAf) تتقدم بوتيرة بطيئة للغاية. ومع ذلك، فإن هذا التكامل ضروري لتمكين القارة من تعزيز نموها الاقتصادي وتوسيع تبادلاتها التجارية. ولأسباب مختلفة، فإن النسق الحالي ليس كافياً. ويتوجب على دول مثل المغرب، التي تعد من بين الأكثر تقدماً في هذا المجال، في رأيي، أن تؤكد بشكل أوضح على ضرورة تسريع هذه الديناميكية الحيوية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *