حقائق خطيرة حول مناجم سيف الريف بوكسان.. من نهب وينهب ثروات بلادنا؟؟

تحقيق: فاطمة الطويل.
كيف استطاع المغرب في إحدى لحظاته الفارقة أن يسمح بالإجهاز على ثروة طبيعية وممتلكات عامة وحقوق جزء من شعبه، دون أن يجيبنا عمن المسؤول وراء إتلاف ثروات البلاد وإفقار أبناء الوطن؟ أطلال كثيرة شاهدة على ثروات تم تبديدها وصمت كبير في التفاصيل..

مناجم الحديد بجبل وكسان، أحد هذه الأطلال التي تأبى إلا أن تسائل فضولنا بقسوة الحديد، لماذا تم الإجهاز على أول منجم للحديد في إفريقيا والرابع في العالم، وتم بيع أسطول قاطراته ومعداته في سوق الخردة كأي أشلاء، ولماذا لم يعاد استغلال المنجم والتقارير المختبرية تؤكد أن مخزونه يكفي لأكثر من 90 سنة، كافية لتجنب شبابنا موتا مجانيا بحثا عن لقمة عيش مذلة؟

من حقنا إعادة طرح السؤال، ومن حقنا أيضا تلقي الجواب عن جزء مهم من تاريخ بلادنا يكاد يطوقه النسيان.

تبدو قرية وكسان كعجوز بلا ملامح، أرهقتها الحياة فأسندت رأسها على الجبل تنتظر اللاشئ.
بيوت من إسمنت متناثرة في عبث تحكي هندسة بعضها تاريخ مجد مسلوب.
لا شئ يسائل الحياة في وكسان، وكأن القرية مشهد منبعث من أفلام آري بوتر، صمت مطبق في الممرات، حتى في المدرسة الوحيدة والمسجد الذي استنسخ من كنيسة. في الأعلى تطالعك معالم بناية عتيقة تعلوها لافتة حديدية صدئة، شركة مناجم سيف الريف SEFERIF. هي كل ما تبقى من علامة تعكس أن الحياة كانت هنا، ذات عهد.
داخل البناية، يعيش الحارس القادم من بطون الصحراء على ذكريات عمله في المنجم، يرعى ما تبقى من صور ومجسمات تؤرخ للحياة، وفي الممرات تبدو حجرات فارغة تحكي تاريخا من العمل والدراسة والتكوين والمال، تجرك هذه الممرات إلى قاعة باردة تشعرك بالرهبة، مليئة بسجلات الذين حفروا بأيديهم في الجبل ليجلبوا منه حديدا أغنى غيرهم وأقعدهم عاجزين، مرضى، فقراء، لم يأخذوا من الحديد إلا هذه السلاسل الروحية التي تربطهم بوكسان، القرية التي كانت ذات عهد تضج بالحياة والترف.

مناجم الحديد بوكسان.. ثروة نهبها الأسبان بيد 7000 ريفي

تعتبر مناجم الحديد بوكسان، الجدوة التي أشعلت الشرارة الأولى لمقاومة الشريف محمد أمزيان سنة 1909، لدى علمه بتفويت مناجم الحديد سنة 1907، خاصة وأن الحدث كان يحمل خبر بيع 5400 هكتار من قبيلة قلعية بثمن لا يتعدى 300.000 ألف بسيطة، وبسيطة واحدة عن كل طن كثمن قار طول مدة الاستغلال. وهي الصفقة التي ساهمت فيها العديد من العوامل، مما دفع بطبيب المنجم يعترف في كتابه «لم نكن في يوم من الأيام معمرين، بل كنا غزاة محتلين».
كانت البداية عندما قدم الجيولوجي الإسباني ألفونسو دي ألفاني سنة 1905 تقريرا مفصلا لبلاده عن غناء منطقة بني بويفرور، مركزا فيه على نوعية المعدن وقيمته، ونوعيته، الحديد بوكسان، الرصاص بأفرا، إضافة إلى البنتونيت ثم الفوسفور والسيلسيوم، خزان هذه المعادن طبقات جيولوجية تمتد من منطقة إلحيانا إلى مرتفعات إبرشانا مرورا بلعسارة.
عمدت إسبانيا إلى تشغيل الأهالي، مقابل تسليمهم بندقية المقاومة بـ25 سنتيم في اليوم لجمع الحديد المترامي في العراء من أعلى جبل وكسان، مرورا بالهضاب المترامية بين وكسان ولعسارة، ليتم نقله إلى ميناء مليلية.غزارة الإنتاج وجودة الحديد جعلت الإدارة الإسبانية تفكر في بناء المعامل الموازية لاستغلال جيد يصل إلى حدود النهب.
المكان الموحش لأطلال هذا المنجم الضخم، تجعلك فعلا في حالة رثاء على حال مغربنا، كيف استطاع المسؤولون أن يغمضوا أعينهم على خيرات أرضنا ويتركوا أبناءنا تتقاذفهم أمواج البحر بحثا عن لقمة عيش.
تبدو بقايا أسوار إسمنتية عالية بواسطتها آلة حديدية ضخمة، أوضح لي الباحث الحسن نبيل والذي يعتبر بحق ذاكرة المنجم الذي يعرف كل خباياه ويروي كل تفاصيله، أن هذه الأطلال هي وحدة التكسير والتصفية والترتيب التي تعتبر أضخم مشروع أنجز في عهد الحماية بالمغرب، قام ببنائه الأمريكيون والألمان، الذين استعانت بخبرتهم إسبانيا أمام غزارة الإنتاج، وهو عبارة عن صرح من الإسمنت المسلح يتراوح ارتفاعه بين 200 إلى 300 متر. في الأعلى تبدو بقايا مطحنة عملاقة سعة استيعابها 700 طن في الساعة، كانت تستقبل الكتل المعدنية الضخمة، وتقوم بتكسيرها عبر اهتزاز بمفعول المحركات الكهربائية التي يبلغ تعداد خيولها بالآلاف، كانت تعلوها رافعة شامخة. هذه المطحنة العملاقة كانت ترسل طحينها وهو عبارة عن كتل الحديد المتوسطة الحجم إلى وحدة التركيز، لتميز الأشرطة المطاطية المدعمة بالأسلاك المعدنية بين الحديد والأتربة المعدنية والحجر. كما ستقوم إسبانيا في نفس السنة بتدشين الخزان الكبير بمليلية.
لم تكتف الشركة الإسبانية بنقل الحديد إلى معمل التكرير عبر الشاحنات فقط، بل عمدت إلى تشييد أبراج لنقله في عربات معلقة في الهواء من أعلى الجبل إلى منطقة التكرير. كما كانت هناك مجموعة من المقالع يتم استغلالها عن طريق مدرجات 10 أمتار تميل بنحو 51 درجة، كان العمال يحفرون الأرض بواسطة مطرقات قوية يحركها الهواء المضغوط، كما عمدوا إلى حفر ألآبار والأنفاق لنقل الاستغلال من مستواه الأفقي إلى مستواه العمودي.. إضافة إلى عملية الحفر وظفت مضخات ضخمة لضخ الماء خارج الأنفاق، بعض الأنفاق كانت ممرات آمنة إلى أماكن غنية بالحديد. بعض هذه الأنفاق عاينتها اليوم وهي مغمورة بالمياه.
سنة 1947 سيتم توسيع السكة الحديدية وتحديثها لتشمل جميع مواقع الإنتاج، وربطها بالمحطات الرسمية التي عبرها تنقل إنتاجها إلى ميناء مليلية الذي تم توسيعه فوصلت قدرته الاستيعابية 15 م طن في السنة بمعدل 2000 ط/س.
لم أستطع أن أستوعب وأنا بين هذا الخراب أن 7000 عامل أمازيغي و500 إسباني كانوا هما يسهرون على هذه المعلمة بخبرة احترافية وقيادة متمكنة. لا شيء يجعلني أصدق إلا حديث حسن نبيل وهو يستعرض طفولته مع والده بين هذه المعالم قبل أن تباد.
في الجهة المقابلة لأطلال معمل التكسير تبدو بقايا أفران عالية، يثيرك لونها المائل للحمرة، الذي لا يشبه باقي الحجارة، كانت في عهدها تقوم بحرق الكبريت في معدن الحديد، متوسط إنتاجه 1000 طن في اليوم، هذه الأفران شيدت في كل من وكسان ولعسارة وأفرا وسيطولازار، وقد تم بناؤها بأجور masiso من النوع الجيد، بقيت صامدة رغم درجات الحرارة العالية.
إضافة إلى معمل التكسير أو الأفران، تم تشييد العربات الطائرة عبر الأبراج والمحملة بالحديد ليتم إفراغه أمام الأشرطة المطاطية ثم شحنه إلى وحدة التكسير.
وعندما اشتدت المنافسة في الأسواق العالمية حول جودة الحديد عمدت الشركة إلى بناء حمامات عبارة عن بحيرات مائية لإزالة الكبريت والفسفور من الحديد.
هذه المؤسسات الضخمة التي شغلت العديد من العمال كانت تدعمها مؤسسات موازية وأهمها الورشة الضخمة المتعددة التخصصات، التي كانت تسهر على إصلاح الشاحنات والسيارات والرافعات.. وتكوين التقنيين المتخصصين في مختلف المجالات الميكانيك، الكهرباء.. ما تبقى منها بعض الخردة وبقايا جدران.

الأسبان نهبوا ثروة المنجم والمغاربة أبادوا المنجم والثروة

سنة 1959 بدأت مغربة مناجم الريف، حيث شارك مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية في الشركة بـ%22.66 ثم بعد ذلك في سنة 1967 استرجعت الدولة المغربية جميع ممتلكات مناجم الريف وكونت شركة مناجم سيف الريف SEFERIF التي ظهرت بتاريخ 30/11/1967 قامت الحكومة المغربية بشراء جميع الأسهم المقدرة بـ100715 سهما بقيمة إجمالية 10071500000 درهم، ساهمت فيها شركة الأبحاث والمساهمات المعدنية بحوالي 80%هكذا أصبحت مجموعة من المؤسسات الضخمة في ملكية الدولة المغربية وأهمها :
وحدة التكسير الضخمة بخزاناتها العملاقة والأشرطة المطاطية، الأفران، الحمامات، السكة الحديدية القاطرات والعربات، عدد كبير من الشاحنات والجرافات والمطارق الضخمة والسيارات… يد عاملة محترفة يمكن أن تشتغل بمهارات عالية، مئات الهكتارات من الأراضي تمتد من وكسان عبر أزغنغان ثم بني انصار إلى حدود مليلية.
في هذا الظرف بالضبط سيستصدر قرار سياسي جريء من خلال المخطط الخماسي 68/72 الذي قرر فيه المغرب الخروج من الصناعة الاستهلاكية إلى الصناعة الأساسية على خطى كوريا. وفي هذه الفترة سيعطي ملك المغرب المرحوم الحسن الثاني أوامره لبناء مؤسسات ضخمة في عدد من الأقاليم المغربية، وسيحظى إقليم الناظور بحصة الأسد من خلال بناء معمل تكوير الحديد بسيطولازار، والتخطيط لبناء مركب الحديد والصلب بسلوان بأفرانه الضخمة ويكتمل المثلث الصناعي سلوان سيطولازار وكسان باحتمالات إنتاجية تصل حوالي 1000000 طن سنويا من الحديد المغربي استخراجا وتكريرا وصناعة بقدرة استيعابية تصل حوالي 300000 من اليد العاملة. إضافة إلى المليارات السابقة ستقوم الحكومة المغربية بضخ 50 مليار سنتيم لبناء معمل التكوير.
ولمنافسة السوق العالمية كان لزاما على المغرب التفكير في خلق معمل ضخم لمعالجة المعدن في جميع مراحل تطوره، استخراجه، تكريره، تحويله إلى شبه صناعي، وفي سنة 1969 دخل المعمل أرض الواقع وكان الأول في إفريقيا والرابع في العالم بعد أمريكا وكندا والسويد. استغرقت عملية بنائه ثلاث سنوات بتكلفة إجمالية تم ذكرها سابقا تفوق بكثير ما تم إنجازه على أرض الواقع. كما عمدت الشركة إلى شراء قاطرتين جديدتين من نوع دييزل و66 عربة صممت خصيصا لشحن معدن الحديد في اتجاه مليلية لتسويقه إلى أوروبا.
أيضا عملت شركة سيف الريف على البحث لإيجاد مناجم باطنية تستطيع تموين معامل التكرير بالمعدن الخام انطلاقا من سنة 1976. وتم تكليف شركة وايل الكندية بذلك حيث استطاعت حفر بئرين يبلغ عمق أهمهما 400 م ويبلغ قطرها 5.2 متر.

أنشأوا «بريكانسا» لابتلاع ممتلكات سيف الريف وأفقروا أهل الريف

عندما غادر الأسبان وكسان، استبشر أهالي الريف خيرا بقدوم إدارة جديدة من أبناء الوطن، تحمل مشاريع وطنية تخدم البلاد «وخيرنا يرجع لينا» خصوصا بعد أن ضخ المغرب 50 مليار سنتم لبناء معمل التكوير وتجهيز منجمين ضخمين.
لم يكن أحد يتصور أن قطار حلمهم سيقف في هذه المحطة وللأبد. وأن الزمن سينقلب على وكسان وأهلها، وستفوت فرصة تنمية مستدامة على إقليم الريف بأكمله حيث حرم أبناء هذا الإقليم من فرص شغل تعد بالآلاف.
كان التهافت على النهب والسرقة نقطة البداية في غياب تام لمراقبة صارمة، كما تضافرت عوامل مختلفة منها تسيير الشركة من طرف مدراء ينعدم لديهم الوازع الوطني، أثقلوا تكاليفها بإلحاق عائلاتهم بالشركة بدون شواهد معرفية ولا مهنية، وأخذوا يتقاضون أجورا تفوق أجور التقنيين والتقنيين المتخصصين.
كما أقدم مدير الشركة على خلق مؤسسة باسم صهره قصد ابتلاع ممتلكات الشركة وسماها «بريكانسا» ووضع على رأسها مهندسا أجنبيا بأجرة شهرية مبالغ فيها قصد إغرائه لتوقيع الفاتورات رغم كون معظم المواد المطلوبة ليست شركة سيف الريف بحاجة إليها.
تم البحث عن فضاءات لتمرير صفقات مشبوهة قصد صرف أموال الشركة، وظهر سخاء كبير في توزيع التعويضات على من لا يغادر مكتب الإدارة وشح على العمال الذين يقضون معظم أوقاتهم في المناجم أو أوراش الميكانيك وتسخير سيارات الشركة لأغراض شخصية.
تضخيم في الفاتورات وبونات الوقود وسرقة لقطع الغيار وإجهاز على ممتلكات الشركة المنزلية مع توظيف العمال في أغراض شخصية أو منزلية. كلها وعوامل أخرى تجاوزنا ذكرها عجلت بوأد حلم شعب ووطن. فهل تمت معاقبة هؤلاء وهم معروفون؟

إتلاف معمل التكوير وتبديد 50 مليار سنتيم، أغضب الحسن الثاني

ضخ الحسن الثاني 50 مليار سنتيم في سيف الريف لبناء معمل التكوير، وكان الأول في إفريقيا والرابع في العالم. استغرقت عملية بنائه ثلاث سنوات بتكلفة إجمالية تفوق بكثير ما تم انجازه على أرض الواقع. ودام تشغيله 4 سنوات فقط.
تم بناؤه من طرف شركة وايل الكندية، على أساس أن ينتج حوالي 800000 طن في السنة وهكذا شرعت سنة 1970 في بناء هذه التحفة وقد دامت عملية البناء من أبريل 1970 إلى دجنبر 1972 وفي مارس 1973 دخل هذا المعمل في إنتاج الكريات بفرنين ضخمين غير أنه توقف في دجنبر 1977. فتم إتلافه وإتلاف الملايير التي أنفقت من أجله، مما أغضب الحسن الثاني وعاقب مسؤولين على مستوى أعلى.

من وكيف دمر المعمل؟

يجب أن ينصهر الحديد في أفران المعمل عند درجة حرارة (1535)ْ مئوية، ويغلي عند درجة حرارة (2750)ْ مئوية. وبما أن حديد وكسان له مميزات كيماوية خاصة، تعتبر من الأجود في العالم، فإن الدراسة والتحاليل المخبرية على الكريات أكدت هذه النسب:
الحديد: 66% السيليس: 4% الألومين: 0.3% الكلس: 0.9% الكبريت: 0.02%
هذه الأرقام مستمدة من التقارير التي قدمها مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية إلى وزارة المعادن.
وقد عملت الشركة الكندية على تكوين مجموعة من التقنيين المتخصصين لمراقبة درجة الحرارة التي يمكن أن يتمدد بها الحديد ويصبح قابلا للعجن، وهي 1200 درجة مئوية، بمعنى آخر أقل بكثير من درجة غليانه وهي 2750 وأقرب إلى درجة انصهاره وهي 1535 درجة مئوية. وقد تم بناء قاعة للمراقبة مجهزة بأحدث الأجهزة الإلكترونية، لمراقبة درجة الحرارة التي تجعل الحديد قابلا لتكويره، وأي خلل في درجات الحرارة يؤدي إلى إبطال إنتاج الكريات، علما بأن هذا الفرن يجب تموينه بحديد حجر الهيماتييت الخام.
لكن الشركة المسيرة، في إطار مسلسل العبث الذي بدأته، عملت على تشغيل مجموعة من التقنيين بهذه الغرفة لا يمتلكون أي تكوين مهني أو معرفي، بل شفع لهم في ذلك انتماؤهم العائلي أو القبلي لأطر الشركة، وهو الشيء الذي أثر سلبا على التسيير والتدبير السليمين لعملية إنتاج الكريات. في حين تم إقصاء خيرة المهندسين المتخصصين، منهم المهندس اليوسفي الذي وجه إنذارا بأن عملية استغلال التراب المعدني بهذه الطريقة يعتبر خطأ جسيما.

فبدلا من تموين الفرن بحجر الهيماتيت، أخذ المسؤولون يخلطون بين الحجر والتراب المعدني، فيما أوصل عبث العمال درجة الحرارة بالفرن إلى أكثر بكثير من درجة امتداد الحديد، وصل حد الغليان، الشيء الذي جعل المسؤولين يهرولون إلى المعمل لينقذوا ما يمكن إنقاذه فأخمدوا درجة الحرارة بالفرن وانتظروا رجوعه إلى حالة الامتداد، غير أن هذه المحاولة باءت بالفشل حيث تحول الفرن والحديد المنصهر كتلة واحدة.
تفتقت عبقرية المسؤولين بتكليف مجموعة من العمال قصد تخليص الفرن من المعدن المتجمد داخله، فعملوا على تلبيسهم لباس النار ووزعوهم إلى فرق، تحمل بالرافعة وتدخلهم إلى جحيم الفرن للاشتغال بالتناوب 5 دقائق في محاولة تطهير الفرن من الحديد الجامد داخله، وبعد جهد جهيد استطاع العمال إنقاذ الموقف . غير أن التساؤل المطروح، ما هي العواقب الصحية الناجمة عن هذه العملية وهي أن تدخل كائنا بشريا داخل الفرن وفي درجة مرتفعة ليشتغل مدة 5 دقائق ويعاود الكرة مرات ومرات؟
هذا الخطأ الجسيم لم يجعل المسؤولين يعتبرون، ولم تصدر أي عقوبة جزرية في حق هؤلاء المتلاعبين بأكبر مركب لإنتاج كريات الحديد، بل عاودوا الكرة مرة ثانية وثالثة بنفس الخطأ، يضاف إلى هذا الغبار المتسرب من التراب المعدني، والذي تسرب إلى الآلات والمولدات والمحولات مما أدى إلى اختناق هذه الأجهزة والآلات فصعب إصلاحها، هكذا كانت نهاية أكبر مشروع عرفه الإقليم منذ الاستقلال إلى اليوم.
كما فشلت إدارة الشركة أيضا في تسيير المنجمين اللذين كلفا المغرب ملايين عديدة وعملت على طمس معالمهما، وما يؤسف له أن الآلات التي تم شراؤها بقيت داخل المعمل بعد أن غمرتها المياه. و لم يستخرج من المنجمين أي شيء قبل و بعد إتلاف معمل تكوير الحديد . علما بأن الدراسات الجيولوجبة السابقة واللاحقة أكدت مرارا على وجود ملايين الأطنان مدة استغلالها تفوق 90 سنة.

قطارات الشركة بيعت في الخردة وأحدها يجوب اليوم شوارع الأرجنتين

مد المعمرون الأسبان السكة الحديدية من مليلية إلى تخوم دائرة الريف، ثم إلى جبل وكسان لتتسلق السكة الجبل وتصل إلى المقلع رقم 10 المتواجد على ارتفاع يبلغ 2000 متر من سطح البحر مرورا بالخزان المركزي المتواجد تحت المنحدر المقابل للعسارة. لم يكتف الأسبان بهذا بل شرعوا في مد سكة بالعربات الطائرة، كان امتداده أكثر من 3 كلمترات يبدأ من مرتفعات لعسارة وينتهي بسان خوان بالقرب من أزغنغان، وذلك طبعا من أجل تسهيل نقل خيرات بلادنا.
حين جاء المدمرون المغاربة تنبهوا إلى أن السطو على الثروة لن يتم إلا بقطع الشرايين الممتدة من بني انصار إلى خزانات سيف الريف والمتكون من قاطرتين جديدتين من نوع دييزال و60 عربة مخصصة لنقل الحديد كلفت المغرب ميزانية ضخمة. فتم استصدار قرار بيع نفايات الحديد المستعمل والذي يبلغ مئات الأطنان بثمن أقل من 40 سنتم كلغ وبدون سمسرة، علما بأن لغة المعامل والأوراش لا تقبل لغة النفاية أو لافيراي لأن كل شيء قابل للإصلاح والاشتغال، وقد وصل بهم الأمر إلى اقتلاع قضبان السكة الحديدية.
قمة الخيانة للوطن أن يتم بيع أسطول القاطرات في سوق الخردة، قاطرات ركبت بسواعد من وكسان في أوراش وكسان، تعمل اليوم في الأرجنتين ببيونس أيريس. حيث لاحظها مهندس إسباني كان يشتغل في وكسان، ووجد نفس الرقم التسلسلي، الصورة نشرها في جريدة إسبانية.

صفقة التعويضات.. الضربة القاضية التي أجهزت على سيف الريف؟

يوضح الباحث الحسن نبيل أن آخر مسمار في نعش سيف الريف كان بتعطيل الشحن بميناء بني انصار وإغراق الشركة بديون التعويضات، وملء جيوب مجموعة من الأشخاص بحجة الأداء المباشر للبواخر المتضررة. حيث تعاملت الشركة مع مجموعة من الدول حسب الاتفاقيات المبرمة مع وزارة الطاقة والمعادن منذ سنوات التي بموجبها تتحدد كمية المعادن المصدرة بحسب جدولة زمنية محددة سلفا، وتتم عملية الشحن بواسطة القطار الذي ينقل الحديد الخام من مناجم وكسان إلى بني انصار ثم تنقله الشاحنات إلى الميناء ويصل ثمن الطن الواحد في تلك الفترة 170 درهما يؤدى بالعملة الصعبة.
وحسب الاتفاقيات المبرمة مع الشركة، فإن كل تأخر عن شحن الباخرة تجاوزت مدته 3 أيام يؤدى عنه تعويض للباخرة يقدر بثلاثة ملايين، بينما في حالة شحن الباخرة قبل الأجل القانوني فإن على المستورد تقديم منحة خاصة للشركة.
ففي يوم 21/2/86 وصلت باخرة يوغوسلافية تدعى ديتالديك لشحن 13500 طن، لكنها لم تستكمل عملية الشحن إلا بعد شهر.
وصلت الباخرة الإسبانية كومشاتاكا لحمل ما مقداره 7350 طنا لكنها لم تودع الشركة إلا في 4/5/1986 وبتاريخ 2/5/1986 حلت الباخرة التونسية الصحيب لشحن 12500 طن وسقطت في نفس المشكل.
وحسب التقديرات، فإن التعويضات المؤداة من طرف شركة سيف الريف تجاوزت 100 مليون بكثير. فكان لزاما على شركة سيف الريف أن تدفع التعويض للبواخر المتضررة بالعملة الصعبة، تسلم إلى قائد الباخرة عملة في اليد، وبهذا الصدد تقوم الشركة بتعيين شخص يقوم بعملية سحب العملة المغربية وتحويلها إلى عملة صعبة ثم تأخذ بأياد غير آمنة لتسلم إلى قائد الباخرة مع طبخ فواتير تفوق قيمتها قيمة التعويض الحقيقية على أرض الواقع… هذا العبء الثقيل على مالية الشركة والدولة، كان كافيا للحسم بإصدار قرار بيع مناجم سيف الريف بسوق الخردة بثمن بخس جدا.
وفي دجنبر2000 أعلن مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية عرض صفقات لبيع تجهيزات ومعدات مصنفة كخردة وذلك في إطار ما أسماه متضررون بتنفيذ الكارثة التخريبية التي تستهدف محو مناجم سيف الريف بالمغرب من خارطة الوجود.

الفرق بين الأمس واليوم كالفرق بين الحياة والموت، هكذا نطق أهل وكسان

بنظرة ثابتة ووجه حاد الملامح، أجابتني بصوت يكاد يصلني، الفرق بين الأمس واليوم تماما كالفرق بين الحياة والموت، أصابتني كلماتها بالشلل للحظة، لم أستطع محادثتها إلا بعد حين، كيف تحمل وراء هذا الحضور كل هذا الغياب، كل هذا الموت، ربطت ما قالته بما أحسسته وأنا أتنقل في القرية، لم أحس فيها فعلا بالحياة،هل يقتسمون كلهم هذا الإحساس، هل يعلم من دمروا المنجم أنهم دمروا قرية وقتلوا أهلها؟
تتذكر أسماء، كم كانت وكسان بلدة جميلة بيوتها أنيقة ومزينة بالورود على الطراز الإسباني، كانت أول قرية في الإقليم أنارت الكهرباء بيوتها وسقت المياه مداشرها، وعطر مسك الليل فضاءها، كانت مقصدا لمحبي الطبيعة وهواة الرياضة والقنص. قرية نموذجية تؤثث صفحات المجد التي عاشتها المنطقة
كانت القرية تضم مستوصفين، الأول خاص بعلاج عائلات العمال، والثاني له طبيعة استعجاليه يتكلف بجرحى العمل اليومي داخل المناجم. و كان الأسبان حريصين على التنشيط والتثقيف فعملوا على إدخال السينما إلى البلدة معتمدين على وضع شاشات ضخمة في ملعب كرة القدم أو قرب الكنيسة، كما قاموا بعرض مجموعة من الأفلام الهندية والأمريكية، إضافة إلى بعض الأنشطة التي كان يقومون بها في المناسبات الدينية المسيحية. مع جلب أشهر المغنيين في تلك الفترة.
وضعت الشركة الإسبانية لمناجم الريف مجموعة من المدارس رهن إشارة أبناء العمال، ومن أشهرها مدرسة عمر بن عبد العزيز التي لم ترمم منذ عهد الأسبان حتى هوت إحدى حجراتها على التلاميذ فقتلت اثنان منهم. كان النظام التربوي في البداية نظاما إسبانيا واعتبرت المدرسة رافدا من روافد الكوليج الإسباني lopez de vega الموجود بالناظور، وقد خصصت الشركة حافلة لنقل التلاميذ ذهابا وإيابا إليها.
بعد الاستقلال أصبحت هذه المدرسة مجموعة تابعة للنظام التربوي المغربي، بفروعها في كل من إلحيانا وإبوعلوتن وإحبوشتن، هذه المدرسة ستنتج العديد من الأطر على مستوى عال جدا في جميع التخصصات، وقد ساهمت كثيرا في تهذيب سلوك أبناء المنطقة بمعية المؤسسات الرياضية والترفيهية بالمنطقة.
فكر الأسبان في بناء مركز للتكوين المهني لتأهيل أبناء العمال وإشراكهم في تسيير المنجم مستقبلا، كما عملوا على تشييد ملعبين لكرة القدم، الأول بوكسان والثاني بسيطولازار، إضافة إلى ملعب لكرة المضرب، وعلموا شباب وكسان المبادئ الأولية للعبة كرة القدم، من خلال استقطاب ثلة من اللاعبين الذين يمتلكون مواهب اللعبة، فبرزت مجموعة من أبناء البلدة. كانت تشارك في البطولة، مما جعل وكسان قبلة لجميع هواة كرة القدم حيث كانت البلدة تستقبل أفواجا من المتفرجين لمتابعة مباريات الكرة.

من سطا على تقاعد العمال؟

بعد إغلاق الشركة لأبوابها، وجد العمال أنفسهم بعد وصولهم سن التقاعد بنصف معاش أو شيء من المعاش، تفاجأوا بأن شهورا كثيرة غير مدفوعة كانت تقتطع من أجورهم، فحرم مجموعة من العمال من المعاش، ومجموعة من الأرامل بأيتام أصبحن تعيشن ببعض الدراهم. كما أن الشركة الاسبانية أدت تقاعد العمال نقدا قبل خروجهم من المنجم، لم يصل لصندوق الضمان الاجتماعي ولم يستفد منه العمال، فمن سطا على تعب وتلاعب بتقاعد العمال؟
بعد تدهور أوضاع الشركة وغياب الرعاية الصحية ،اشتد على العمال مرض تغبر الرئة، فوجدوا أنفسهم مخنوقين، وضعاف القلوب، حيث هبطت دقات قلبهم إلى حدود 38 دقة في الدقيقة، إضافة إلى أمراض أخرى كالروماتيزم والبروسطاط، مأساة هؤلاء تعددت، وأمراضهم استعصيت، فالتجأوا إلى القضاء وبعد الأخذ والرد وعراقيل قسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، ومسار الملفات بين الابتدائية والاستئناف حكمت المحكمة للحاملين لشهادة مرضية تثبت العجز بتعويض عامل بأجرة 2000 درهم حكمت له المحكمة بعجز 50% هو 500 درهم.
وطبعا من العمال الذين عانوا من هذه الأمراض من رحل قبل أن تصله مستحقاته المالية.
لكن من المفارقات الغريبة أن المستفيدين من حكم المحكمة هم الأطر الذين يتقاضون أجرا مرتفعا ولو ينزلوا قط للمنجم حيث اشتروا شواهد طبية من الطاقم الطبي المشرف على ذلك تثبت لهم عجزا خياليا وأصبحوا يتقاضون تعويضا جزافيا عن مرض مزيف مازالوا لحد اليوم يستنزفون الوطن.

المختبر يِِؤكد بالوثائق أن نسبة الحديد في المنجم 66،65 في المائة، وبنخضرا تدعي 15 في المائة فقط

في حديث سابق لها في إحدى جلسات البرلمان السالفة،أجابت بنخضرا عن سؤال أحد البرلمانيين حول إمكانية تشغيل المنجم مجددا، قالت بنخضرا أن المنجم لا يتوفر إلا على نسبة 15 في المائة فقط من الحديد، مما اضطر النائب البرلماني والمهتمين بهذا الملف أن يأخذوا عينة من الحديد للمكتب الوطني للهيدروكاربونات والمعادن الذي أثبت سنة 2013 أن نسبة الحديد فوق الأرض 66،65 في المائة وتحت الأرض 62،44 في المائة وهو ما يمكن المغرب من استغلال الحديد لأكثر من 90 سنة.
لماذا تدعي المسؤولة عن مناجمنا أن مخازننا شحيحة ولا يرجى نفع منها عكس ما تثبته التقارير المختبرية، إذن فنحن لسنا في حاجة لوزارة للمعادن في بلد ليس به معادن. على الأقل نوفر مصاريف تذهب سدى.
ثم لماذا أيضا يتم رفض الشركات العالمية التي تقدمت بعروض مغرية لإعادة تشغيل المنجم فرجعت من حيث أتت.
أسئلة لا تدفعنا إلا للالتباس، وتجعلنا نصر على معاودة السؤال من نهب وينهب ثروات بلادنا؟

ما تبقى من معمل التكوير الذي أغضب الحسن الثاني، ضخ فيه 50 مليار سنتيم وأتلف في أربع سنواتحقائق خطيرة حول مناجم سيف الريف بوكسان.. من نهب وينهب ثروات بلادنا؟؟؟؟ (الحلقة الأولى)
تحقيق: فاطمة الطويل.
كيف استطاع المغرب في إحدى لحظاته الفارقة أن يسمح بالإجهاز على ثروة طبيعية وممتلكات عامة وحقوق جزء من شعبه، دون أن يجيبنا عمن المسؤول وراء إتلاف ثروات البلاد وإفقار أبناء الوطن؟ أطلال كثيرة شاهدة على ثروات تم تبديدها وصمت كبير في التفاصيل..

مناجم الحديد بجبل وكسان، أحد هذه الأطلال التي تأبى إلا أن تسائل فضولنا بقسوة الحديد، لماذا تم الإجهاز على أول منجم للحديد في إفريقيا والرابع في العالم، وتم بيع أسطول قاطراته ومعداته في سوق الخردة كأي أشلاء، ولماذا لم يعاد استغلال المنجم والتقارير المختبرية تؤكد أن مخزونه يكفي لأكثر من 90 سنة، كافية لتجنب شبابنا موتا مجانيا بحثا عن لقمة عيش مذلة؟

من حقنا إعادة طرح السؤال، ومن حقنا أيضا تلقي الجواب عن جزء مهم من تاريخ بلادنا يكاد يطوقه النسيان.

تبدو قرية وكسان كعجوز بلا ملامح، أرهقتها الحياة فأسندت رأسها على الجبل تنتظر اللاشئ.
بيوت من إسمنت متناثرة في عبث تحكي هندسة بعضها تاريخ مجد مسلوب.
لا شئ يسائل الحياة في وكسان، وكأن القرية مشهد منبعث من أفلام آري بوتر، صمت مطبق في الممرات، حتى في المدرسة الوحيدة والمسجد الذي استنسخ من كنيسة. في الأعلى تطالعك معالم بناية عتيقة تعلوها لافتة حديدية صدئة، شركة مناجم سيف الريف SEFERIF. هي كل ما تبقى من علامة تعكس أن الحياة كانت هنا، ذات عهد.
داخل البناية، يعيش الحارس القادم من بطون الصحراء على ذكريات عمله في المنجم، يرعى ما تبقى من صور ومجسمات تؤرخ للحياة، وفي الممرات تبدو حجرات فارغة تحكي تاريخا من العمل والدراسة والتكوين والمال، تجرك هذه الممرات إلى قاعة باردة تشعرك بالرهبة، مليئة بسجلات الذين حفروا بأيديهم في الجبل ليجلبوا منه حديدا أغنى غيرهم وأقعدهم عاجزين، مرضى، فقراء، لم يأخذوا من الحديد إلا هذه السلاسل الروحية التي تربطهم بوكسان، القرية التي كانت ذات عهد تضج بالحياة والترف.

مناجم الحديد بوكسان.. ثروة نهبها الأسبان بيد 7000 ريفي

تعتبر مناجم الحديد بوكسان، الجدوة التي أشعلت الشرارة الأولى لمقاومة الشريف محمد أمزيان سنة 1909، لدى علمه بتفويت مناجم الحديد سنة 1907، خاصة وأن الحدث كان يحمل خبر بيع 5400 هكتار من قبيلة قلعية بثمن لا يتعدى 300.000 ألف بسيطة، وبسيطة واحدة عن كل طن كثمن قار طول مدة الاستغلال. وهي الصفقة التي ساهمت فيها العديد من العوامل، مما دفع بطبيب المنجم يعترف في كتابه «لم نكن في يوم من الأيام معمرين، بل كنا غزاة محتلين».
كانت البداية عندما قدم الجيولوجي الإسباني ألفونسو دي ألفاني سنة 1905 تقريرا مفصلا لبلاده عن غناء منطقة بني بويفرور، مركزا فيه على نوعية المعدن وقيمته، ونوعيته، الحديد بوكسان، الرصاص بأفرا، إضافة إلى البنتونيت ثم الفوسفور والسيلسيوم، خزان هذه المعادن طبقات جيولوجية تمتد من منطقة إلحيانا إلى مرتفعات إبرشانا مرورا بلعسارة.
عمدت إسبانيا إلى تشغيل الأهالي، مقابل تسليمهم بندقية المقاومة بـ25 سنتيم في اليوم لجمع الحديد المترامي في العراء من أعلى جبل وكسان، مرورا بالهضاب المترامية بين وكسان ولعسارة، ليتم نقله إلى ميناء مليلية.غزارة الإنتاج وجودة الحديد جعلت الإدارة الإسبانية تفكر في بناء المعامل الموازية لاستغلال جيد يصل إلى حدود النهب.
المكان الموحش لأطلال هذا المنجم الضخم، تجعلك فعلا في حالة رثاء على حال مغربنا، كيف استطاع المسؤولون أن يغمضوا أعينهم على خيرات أرضنا ويتركوا أبناءنا تتقاذفهم أمواج البحر بحثا عن لقمة عيش.
تبدو بقايا أسوار إسمنتية عالية بواسطتها آلة حديدية ضخمة، أوضح لي الباحث الحسن نبيل والذي يعتبر بحق ذاكرة المنجم الذي يعرف كل خباياه ويروي كل تفاصيله، أن هذه الأطلال هي وحدة التكسير والتصفية والترتيب التي تعتبر أضخم مشروع أنجز في عهد الحماية بالمغرب، قام ببنائه الأمريكيون والألمان، الذين استعانت بخبرتهم إسبانيا أمام غزارة الإنتاج، وهو عبارة عن صرح من الإسمنت المسلح يتراوح ارتفاعه بين 200 إلى 300 متر. في الأعلى تبدو بقايا مطحنة عملاقة سعة استيعابها 700 طن في الساعة، كانت تستقبل الكتل المعدنية الضخمة، وتقوم بتكسيرها عبر اهتزاز بمفعول المحركات الكهربائية التي يبلغ تعداد خيولها بالآلاف، كانت تعلوها رافعة شامخة. هذه المطحنة العملاقة كانت ترسل طحينها وهو عبارة عن كتل الحديد المتوسطة الحجم إلى وحدة التركيز، لتميز الأشرطة المطاطية المدعمة بالأسلاك المعدنية بين الحديد والأتربة المعدنية والحجر. كما ستقوم إسبانيا في نفس السنة بتدشين الخزان الكبير بمليلية.
لم تكتف الشركة الإسبانية بنقل الحديد إلى معمل التكرير عبر الشاحنات فقط، بل عمدت إلى تشييد أبراج لنقله في عربات معلقة في الهواء من أعلى الجبل إلى منطقة التكرير. كما كانت هناك مجموعة من المقالع يتم استغلالها عن طريق مدرجات 10 أمتار تميل بنحو 51 درجة، كان العمال يحفرون الأرض بواسطة مطرقات قوية يحركها الهواء المضغوط، كما عمدوا إلى حفر ألآبار والأنفاق لنقل الاستغلال من مستواه الأفقي إلى مستواه العمودي.. إضافة إلى عملية الحفر وظفت مضخات ضخمة لضخ الماء خارج الأنفاق، بعض الأنفاق كانت ممرات آمنة إلى أماكن غنية بالحديد. بعض هذه الأنفاق عاينتها اليوم وهي مغمورة بالمياه.
سنة 1947 سيتم توسيع السكة الحديدية وتحديثها لتشمل جميع مواقع الإنتاج، وربطها بالمحطات الرسمية التي عبرها تنقل إنتاجها إلى ميناء مليلية الذي تم توسيعه فوصلت قدرته الاستيعابية 15 م طن في السنة بمعدل 2000 ط/س.
لم أستطع أن أستوعب وأنا بين هذا الخراب أن 7000 عامل أمازيغي و500 إسباني كانوا هما يسهرون على هذه المعلمة بخبرة احترافية وقيادة متمكنة. لا شيء يجعلني أصدق إلا حديث حسن نبيل وهو يستعرض طفولته مع والده بين هذه المعالم قبل أن تباد.
في الجهة المقابلة لأطلال معمل التكسير تبدو بقايا أفران عالية، يثيرك لونها المائل للحمرة، الذي لا يشبه باقي الحجارة، كانت في عهدها تقوم بحرق الكبريت في معدن الحديد، متوسط إنتاجه 1000 طن في اليوم، هذه الأفران شيدت في كل من وكسان ولعسارة وأفرا وسيطولازار، وقد تم بناؤها بأجور masiso من النوع الجيد، بقيت صامدة رغم درجات الحرارة العالية.
إضافة إلى معمل التكسير أو الأفران، تم تشييد العربات الطائرة عبر الأبراج والمحملة بالحديد ليتم إفراغه أمام الأشرطة المطاطية ثم شحنه إلى وحدة التكسير.
وعندما اشتدت المنافسة في الأسواق العالمية حول جودة الحديد عمدت الشركة إلى بناء حمامات عبارة عن بحيرات مائية لإزالة الكبريت والفسفور من الحديد.
هذه المؤسسات الضخمة التي شغلت العديد من العمال كانت تدعمها مؤسسات موازية وأهمها الورشة الضخمة المتعددة التخصصات، التي كانت تسهر على إصلاح الشاحنات والسيارات والرافعات.. وتكوين التقنيين المتخصصين في مختلف المجالات الميكانيك، الكهرباء.. ما تبقى منها بعض الخردة وبقايا جدران.

الأسبان نهبوا ثروة المنجم والمغاربة أبادوا المنجم والثروة

سنة 1959 بدأت مغربة مناجم الريف، حيث شارك مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية في الشركة بـ%22.66 ثم بعد ذلك في سنة 1967 استرجعت الدولة المغربية جميع ممتلكات مناجم الريف وكونت شركة مناجم سيف الريف SEFERIF التي ظهرت بتاريخ 30/11/1967 قامت الحكومة المغربية بشراء جميع الأسهم المقدرة بـ100715 سهما بقيمة إجمالية 10071500000 درهم، ساهمت فيها شركة الأبحاث والمساهمات المعدنية بحوالي 80%هكذا أصبحت مجموعة من المؤسسات الضخمة في ملكية الدولة المغربية وأهمها :
وحدة التكسير الضخمة بخزاناتها العملاقة والأشرطة المطاطية، الأفران، الحمامات، السكة الحديدية القاطرات والعربات، عدد كبير من الشاحنات والجرافات والمطارق الضخمة والسيارات… يد عاملة محترفة يمكن أن تشتغل بمهارات عالية، مئات الهكتارات من الأراضي تمتد من وكسان عبر أزغنغان ثم بني انصار إلى حدود مليلية.
في هذا الظرف بالضبط سيستصدر قرار سياسي جريء من خلال المخطط الخماسي 68/72 الذي قرر فيه المغرب الخروج من الصناعة الاستهلاكية إلى الصناعة الأساسية على خطى كوريا. وفي هذه الفترة سيعطي ملك المغرب المرحوم الحسن الثاني أوامره لبناء مؤسسات ضخمة في عدد من الأقاليم المغربية، وسيحظى إقليم الناظور بحصة الأسد من خلال بناء معمل تكوير الحديد بسيطولازار، والتخطيط لبناء مركب الحديد والصلب بسلوان بأفرانه الضخمة ويكتمل المثلث الصناعي سلوان سيطولازار وكسان باحتمالات إنتاجية تصل حوالي 1000000 طن سنويا من الحديد المغربي استخراجا وتكريرا وصناعة بقدرة استيعابية تصل حوالي 300000 من اليد العاملة. إضافة إلى المليارات السابقة ستقوم الحكومة المغربية بضخ 50 مليار سنتيم لبناء معمل التكوير.
ولمنافسة السوق العالمية كان لزاما على المغرب التفكير في خلق معمل ضخم لمعالجة المعدن في جميع مراحل تطوره، استخراجه، تكريره، تحويله إلى شبه صناعي، وفي سنة 1969 دخل المعمل أرض الواقع وكان الأول في إفريقيا والرابع في العالم بعد أمريكا وكندا والسويد. استغرقت عملية بنائه ثلاث سنوات بتكلفة إجمالية تم ذكرها سابقا تفوق بكثير ما تم إنجازه على أرض الواقع. كما عمدت الشركة إلى شراء قاطرتين جديدتين من نوع دييزل و66 عربة صممت خصيصا لشحن معدن الحديد في اتجاه مليلية لتسويقه إلى أوروبا.
أيضا عملت شركة سيف الريف على البحث لإيجاد مناجم باطنية تستطيع تموين معامل التكرير بالمعدن الخام انطلاقا من سنة 1976. وتم تكليف شركة وايل الكندية بذلك حيث استطاعت حفر بئرين يبلغ عمق أهمهما 400 م ويبلغ قطرها 5.2 متر.

أنشأوا «بريكانسا» لابتلاع ممتلكات سيف الريف وأفقروا أهل الريف

عندما غادر الأسبان وكسان، استبشر أهالي الريف خيرا بقدوم إدارة جديدة من أبناء الوطن، تحمل مشاريع وطنية تخدم البلاد «وخيرنا يرجع لينا» خصوصا بعد أن ضخ المغرب 50 مليار سنتم لبناء معمل التكوير وتجهيز منجمين ضخمين.
لم يكن أحد يتصور أن قطار حلمهم سيقف في هذه المحطة وللأبد. وأن الزمن سينقلب على وكسان وأهلها، وستفوت فرصة تنمية مستدامة على إقليم الريف بأكمله حيث حرم أبناء هذا الإقليم من فرص شغل تعد بالآلاف.
كان التهافت على النهب والسرقة نقطة البداية في غياب تام لمراقبة صارمة، كما تضافرت عوامل مختلفة منها تسيير الشركة من طرف مدراء ينعدم لديهم الوازع الوطني، أثقلوا تكاليفها بإلحاق عائلاتهم بالشركة بدون شواهد معرفية ولا مهنية، وأخذوا يتقاضون أجورا تفوق أجور التقنيين والتقنيين المتخصصين.
كما أقدم مدير الشركة على خلق مؤسسة باسم صهره قصد ابتلاع ممتلكات الشركة وسماها «بريكانسا» ووضع على رأسها مهندسا أجنبيا بأجرة شهرية مبالغ فيها قصد إغرائه لتوقيع الفاتورات رغم كون معظم المواد المطلوبة ليست شركة سيف الريف بحاجة إليها.
تم البحث عن فضاءات لتمرير صفقات مشبوهة قصد صرف أموال الشركة، وظهر سخاء كبير في توزيع التعويضات على من لا يغادر مكتب الإدارة وشح على العمال الذين يقضون معظم أوقاتهم في المناجم أو أوراش الميكانيك وتسخير سيارات الشركة لأغراض شخصية.
تضخيم في الفاتورات وبونات الوقود وسرقة لقطع الغيار وإجهاز على ممتلكات الشركة المنزلية مع توظيف العمال في أغراض شخصية أو منزلية. كلها وعوامل أخرى تجاوزنا ذكرها عجلت بوأد حلم شعب ووطن. فهل تمت معاقبة هؤلاء وهم معروفون؟

إتلاف معمل التكوير وتبديد 50 مليار سنتيم، أغضب الحسن الثاني

ضخ الحسن الثاني 50 مليار سنتيم في سيف الريف لبناء معمل التكوير، وكان الأول في إفريقيا والرابع في العالم. استغرقت عملية بنائه ثلاث سنوات بتكلفة إجمالية تفوق بكثير ما تم انجازه على أرض الواقع. ودام تشغيله 4 سنوات فقط.
تم بناؤه من طرف شركة وايل الكندية، على أساس أن ينتج حوالي 800000 طن في السنة وهكذا شرعت سنة 1970 في بناء هذه التحفة وقد دامت عملية البناء من أبريل 1970 إلى دجنبر 1972 وفي مارس 1973 دخل هذا المعمل في إنتاج الكريات بفرنين ضخمين غير أنه توقف في دجنبر 1977. فتم إتلافه وإتلاف الملايير التي أنفقت من أجله، مما أغضب الحسن الثاني وعاقب مسؤولين على مستوى أعلى.

من وكيف دمر المعمل؟

يجب أن ينصهر الحديد في أفران المعمل عند درجة حرارة (1535)ْ مئوية، ويغلي عند درجة حرارة (2750)ْ مئوية. وبما أن حديد وكسان له مميزات كيماوية خاصة، تعتبر من الأجود في العالم، فإن الدراسة والتحاليل المخبرية على الكريات أكدت هذه النسب:
الحديد: 66% السيليس: 4% الألومين: 0.3% الكلس: 0.9% الكبريت: 0.02%
هذه الأرقام مستمدة من التقارير التي قدمها مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية إلى وزارة المعادن.
وقد عملت الشركة الكندية على تكوين مجموعة من التقنيين المتخصصين لمراقبة درجة الحرارة التي يمكن أن يتمدد بها الحديد ويصبح قابلا للعجن، وهي 1200 درجة مئوية، بمعنى آخر أقل بكثير من درجة غليانه وهي 2750 وأقرب إلى درجة انصهاره وهي 1535 درجة مئوية. وقد تم بناء قاعة للمراقبة مجهزة بأحدث الأجهزة الإلكترونية، لمراقبة درجة الحرارة التي تجعل الحديد قابلا لتكويره، وأي خلل في درجات الحرارة يؤدي إلى إبطال إنتاج الكريات، علما بأن هذا الفرن يجب تموينه بحديد حجر الهيماتييت الخام.
لكن الشركة المسيرة، في إطار مسلسل العبث الذي بدأته، عملت على تشغيل مجموعة من التقنيين بهذه الغرفة لا يمتلكون أي تكوين مهني أو معرفي، بل شفع لهم في ذلك انتماؤهم العائلي أو القبلي لأطر الشركة، وهو الشيء الذي أثر سلبا على التسيير والتدبير السليمين لعملية إنتاج الكريات. في حين تم إقصاء خيرة المهندسين المتخصصين، منهم المهندس اليوسفي الذي وجه إنذارا بأن عملية استغلال التراب المعدني بهذه الطريقة يعتبر خطأ جسيما.

فبدلا من تموين الفرن بحجر الهيماتيت، أخذ المسؤولون يخلطون بين الحجر والتراب المعدني، فيما أوصل عبث العمال درجة الحرارة بالفرن إلى أكثر بكثير من درجة امتداد الحديد، وصل حد الغليان، الشيء الذي جعل المسؤولين يهرولون إلى المعمل لينقذوا ما يمكن إنقاذه فأخمدوا درجة الحرارة بالفرن وانتظروا رجوعه إلى حالة الامتداد، غير أن هذه المحاولة باءت بالفشل حيث تحول الفرن والحديد المنصهر كتلة واحدة.
تفتقت عبقرية المسؤولين بتكليف مجموعة من العمال قصد تخليص الفرن من المعدن المتجمد داخله، فعملوا على تلبيسهم لباس النار ووزعوهم إلى فرق، تحمل بالرافعة وتدخلهم إلى جحيم الفرن للاشتغال بالتناوب 5 دقائق في محاولة تطهير الفرن من الحديد الجامد داخله، وبعد جهد جهيد استطاع العمال إنقاذ الموقف . غير أن التساؤل المطروح، ما هي العواقب الصحية الناجمة عن هذه العملية وهي أن تدخل كائنا بشريا داخل الفرن وفي درجة مرتفعة ليشتغل مدة 5 دقائق ويعاود الكرة مرات ومرات؟
هذا الخطأ الجسيم لم يجعل المسؤولين يعتبرون، ولم تصدر أي عقوبة جزرية في حق هؤلاء المتلاعبين بأكبر مركب لإنتاج كريات الحديد، بل عاودوا الكرة مرة ثانية وثالثة بنفس الخطأ، يضاف إلى هذا الغبار المتسرب من التراب المعدني، والذي تسرب إلى الآلات والمولدات والمحولات مما أدى إلى اختناق هذه الأجهزة والآلات فصعب إصلاحها، هكذا كانت نهاية أكبر مشروع عرفه الإقليم منذ الاستقلال إلى اليوم.
كما فشلت إدارة الشركة أيضا في تسيير المنجمين اللذين كلفا المغرب ملايين عديدة وعملت على طمس معالمهما، وما يؤسف له أن الآلات التي تم شراؤها بقيت داخل المعمل بعد أن غمرتها المياه. و لم يستخرج من المنجمين أي شيء قبل و بعد إتلاف معمل تكوير الحديد . علما بأن الدراسات الجيولوجبة السابقة واللاحقة أكدت مرارا على وجود ملايين الأطنان مدة استغلالها تفوق 90 سنة.

قطارات الشركة بيعت في الخردة وأحدها يجوب اليوم شوارع الأرجنتين

مد المعمرون الأسبان السكة الحديدية من مليلية إلى تخوم دائرة الريف، ثم إلى جبل وكسان لتتسلق السكة الجبل وتصل إلى المقلع رقم 10 المتواجد على ارتفاع يبلغ 2000 متر من سطح البحر مرورا بالخزان المركزي المتواجد تحت المنحدر المقابل للعسارة. لم يكتف الأسبان بهذا بل شرعوا في مد سكة بالعربات الطائرة، كان امتداده أكثر من 3 كلمترات يبدأ من مرتفعات لعسارة وينتهي بسان خوان بالقرب من أزغنغان، وذلك طبعا من أجل تسهيل نقل خيرات بلادنا.
حين جاء المدمرون المغاربة تنبهوا إلى أن السطو على الثروة لن يتم إلا بقطع الشرايين الممتدة من بني انصار إلى خزانات سيف الريف والمتكون من قاطرتين جديدتين من نوع دييزال و60 عربة مخصصة لنقل الحديد كلفت المغرب ميزانية ضخمة. فتم استصدار قرار بيع نفايات الحديد المستعمل والذي يبلغ مئات الأطنان بثمن أقل من 40 سنتم كلغ وبدون سمسرة، علما بأن لغة المعامل والأوراش لا تقبل لغة النفاية أو لافيراي لأن كل شيء قابل للإصلاح والاشتغال، وقد وصل بهم الأمر إلى اقتلاع قضبان السكة الحديدية.
قمة الخيانة للوطن أن يتم بيع أسطول القاطرات في سوق الخردة، قاطرات ركبت بسواعد من وكسان في أوراش وكسان، تعمل اليوم في الأرجنتين ببيونس أيريس. حيث لاحظها مهندس إسباني كان يشتغل في وكسان، ووجد نفس الرقم التسلسلي، الصورة نشرها في جريدة إسبانية.

صفقة التعويضات.. الضربة القاضية التي أجهزت على سيف الريف؟

يوضح الباحث الحسن نبيل أن آخر مسمار في نعش سيف الريف كان بتعطيل الشحن بميناء بني انصار وإغراق الشركة بديون التعويضات، وملء جيوب مجموعة من الأشخاص بحجة الأداء المباشر للبواخر المتضررة. حيث تعاملت الشركة مع مجموعة من الدول حسب الاتفاقيات المبرمة مع وزارة الطاقة والمعادن منذ سنوات التي بموجبها تتحدد كمية المعادن المصدرة بحسب جدولة زمنية محددة سلفا، وتتم عملية الشحن بواسطة القطار الذي ينقل الحديد الخام من مناجم وكسان إلى بني انصار ثم تنقله الشاحنات إلى الميناء ويصل ثمن الطن الواحد في تلك الفترة 170 درهما يؤدى بالعملة الصعبة.
وحسب الاتفاقيات المبرمة مع الشركة، فإن كل تأخر عن شحن الباخرة تجاوزت مدته 3 أيام يؤدى عنه تعويض للباخرة يقدر بثلاثة ملايين، بينما في حالة شحن الباخرة قبل الأجل القانوني فإن على المستورد تقديم منحة خاصة للشركة.
ففي يوم 21/2/86 وصلت باخرة يوغوسلافية تدعى ديتالديك لشحن 13500 طن، لكنها لم تستكمل عملية الشحن إلا بعد شهر.
وصلت الباخرة الإسبانية كومشاتاكا لحمل ما مقداره 7350 طنا لكنها لم تودع الشركة إلا في 4/5/1986 وبتاريخ 2/5/1986 حلت الباخرة التونسية الصحيب لشحن 12500 طن وسقطت في نفس المشكل.
وحسب التقديرات، فإن التعويضات المؤداة من طرف شركة سيف الريف تجاوزت 100 مليون بكثير. فكان لزاما على شركة سيف الريف أن تدفع التعويض للبواخر المتضررة بالعملة الصعبة، تسلم إلى قائد الباخرة عملة في اليد، وبهذا الصدد تقوم الشركة بتعيين شخص يقوم بعملية سحب العملة المغربية وتحويلها إلى عملة صعبة ثم تأخذ بأياد غير آمنة لتسلم إلى قائد الباخرة مع طبخ فواتير تفوق قيمتها قيمة التعويض الحقيقية على أرض الواقع… هذا العبء الثقيل على مالية الشركة والدولة، كان كافيا للحسم بإصدار قرار بيع مناجم سيف الريف بسوق الخردة بثمن بخس جدا.
وفي دجنبر2000 أعلن مكتب الأبحاث والمساهمات المعدنية عرض صفقات لبيع تجهيزات ومعدات مصنفة كخردة وذلك في إطار ما أسماه متضررون بتنفيذ الكارثة التخريبية التي تستهدف محو مناجم سيف الريف بالمغرب من خارطة الوجود.

الفرق بين الأمس واليوم كالفرق بين الحياة والموت، هكذا نطق أهل وكسان

بنظرة ثابتة ووجه حاد الملامح، أجابتني بصوت يكاد يصلني، الفرق بين الأمس واليوم تماما كالفرق بين الحياة والموت، أصابتني كلماتها بالشلل للحظة، لم أستطع محادثتها إلا بعد حين، كيف تحمل وراء هذا الحضور كل هذا الغياب، كل هذا الموت، ربطت ما قالته بما أحسسته وأنا أتنقل في القرية، لم أحس فيها فعلا بالحياة،هل يقتسمون كلهم هذا الإحساس، هل يعلم من دمروا المنجم أنهم دمروا قرية وقتلوا أهلها؟
تتذكر أسماء، كم كانت وكسان بلدة جميلة بيوتها أنيقة ومزينة بالورود على الطراز الإسباني، كانت أول قرية في الإقليم أنارت الكهرباء بيوتها وسقت المياه مداشرها، وعطر مسك الليل فضاءها، كانت مقصدا لمحبي الطبيعة وهواة الرياضة والقنص. قرية نموذجية تؤثث صفحات المجد التي عاشتها المنطقة
كانت القرية تضم مستوصفين، الأول خاص بعلاج عائلات العمال، والثاني له طبيعة استعجاليه يتكلف بجرحى العمل اليومي داخل المناجم. و كان الأسبان حريصين على التنشيط والتثقيف فعملوا على إدخال السينما إلى البلدة معتمدين على وضع شاشات ضخمة في ملعب كرة القدم أو قرب الكنيسة، كما قاموا بعرض مجموعة من الأفلام الهندية والأمريكية، إضافة إلى بعض الأنشطة التي كان يقومون بها في المناسبات الدينية المسيحية. مع جلب أشهر المغنيين في تلك الفترة.
وضعت الشركة الإسبانية لمناجم الريف مجموعة من المدارس رهن إشارة أبناء العمال، ومن أشهرها مدرسة عمر بن عبد العزيز التي لم ترمم منذ عهد الأسبان حتى هوت إحدى حجراتها على التلاميذ فقتلت اثنان منهم. كان النظام التربوي في البداية نظاما إسبانيا واعتبرت المدرسة رافدا من روافد الكوليج الإسباني lopez de vega الموجود بالناظور، وقد خصصت الشركة حافلة لنقل التلاميذ ذهابا وإيابا إليها.
بعد الاستقلال أصبحت هذه المدرسة مجموعة تابعة للنظام التربوي المغربي، بفروعها في كل من إلحيانا وإبوعلوتن وإحبوشتن، هذه المدرسة ستنتج العديد من الأطر على مستوى عال جدا في جميع التخصصات، وقد ساهمت كثيرا في تهذيب سلوك أبناء المنطقة بمعية المؤسسات الرياضية والترفيهية بالمنطقة.
فكر الأسبان في بناء مركز للتكوين المهني لتأهيل أبناء العمال وإشراكهم في تسيير المنجم مستقبلا، كما عملوا على تشييد ملعبين لكرة القدم، الأول بوكسان والثاني بسيطولازار، إضافة إلى ملعب لكرة المضرب، وعلموا شباب وكسان المبادئ الأولية للعبة كرة القدم، من خلال استقطاب ثلة من اللاعبين الذين يمتلكون مواهب اللعبة، فبرزت مجموعة من أبناء البلدة. كانت تشارك في البطولة، مما جعل وكسان قبلة لجميع هواة كرة القدم حيث كانت البلدة تستقبل أفواجا من المتفرجين لمتابعة مباريات الكرة.

من سطا على تقاعد العمال؟

بعد إغلاق الشركة لأبوابها، وجد العمال أنفسهم بعد وصولهم سن التقاعد بنصف معاش أو شيء من المعاش، تفاجأوا بأن شهورا كثيرة غير مدفوعة كانت تقتطع من أجورهم، فحرم مجموعة من العمال من المعاش، ومجموعة من الأرامل بأيتام أصبحن تعيشن ببعض الدراهم. كما أن الشركة الاسبانية أدت تقاعد العمال نقدا قبل خروجهم من المنجم، لم يصل لصندوق الضمان الاجتماعي ولم يستفد منه العمال، فمن سطا على تعب وتلاعب بتقاعد العمال؟
بعد تدهور أوضاع الشركة وغياب الرعاية الصحية ،اشتد على العمال مرض تغبر الرئة، فوجدوا أنفسهم مخنوقين، وضعاف القلوب، حيث هبطت دقات قلبهم إلى حدود 38 دقة في الدقيقة، إضافة إلى أمراض أخرى كالروماتيزم والبروسطاط، مأساة هؤلاء تعددت، وأمراضهم استعصيت، فالتجأوا إلى القضاء وبعد الأخذ والرد وعراقيل قسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، ومسار الملفات بين الابتدائية والاستئناف حكمت المحكمة للحاملين لشهادة مرضية تثبت العجز بتعويض عامل بأجرة 2000 درهم حكمت له المحكمة بعجز 50% هو 500 درهم.
وطبعا من العمال الذين عانوا من هذه الأمراض من رحل قبل أن تصله مستحقاته المالية.
لكن من المفارقات الغريبة أن المستفيدين من حكم المحكمة هم الأطر الذين يتقاضون أجرا مرتفعا ولو ينزلوا قط للمنجم حيث اشتروا شواهد طبية من الطاقم الطبي المشرف على ذلك تثبت لهم عجزا خياليا وأصبحوا يتقاضون تعويضا جزافيا عن مرض مزيف مازالوا لحد اليوم يستنزفون الوطن.

المختبر يِِؤكد بالوثائق أن نسبة الحديد في المنجم 66،65 في المائة، وبنخضرا تدعي 15 في المائة فقط

في حديث سابق لها في إحدى جلسات البرلمان السالفة،أجابت بنخضرا عن سؤال أحد البرلمانيين حول إمكانية تشغيل المنجم مجددا، قالت بنخضرا أن المنجم لا يتوفر إلا على نسبة 15 في المائة فقط من الحديد، مما اضطر النائب البرلماني والمهتمين بهذا الملف أن يأخذوا عينة من الحديد للمكتب الوطني للهيدروكاربونات والمعادن الذي أثبت سنة 2013 أن نسبة الحديد فوق الأرض 66،65 في المائة وتحت الأرض 62،44 في المائة وهو ما يمكن المغرب من استغلال الحديد لأكثر من 90 سنة.
لماذا تدعي المسؤولة عن مناجمنا أن مخازننا شحيحة ولا يرجى نفع منها عكس ما تثبته التقارير المختبرية، إذن فنحن لسنا في حاجة لوزارة للمعادن في بلد ليس به معادن. على الأقل نوفر مصاريف تذهب سدى.
ثم لماذا أيضا يتم رفض الشركات العالمية التي تقدمت بعروض مغرية لإعادة تشغيل المنجم فرجعت من حيث أتت.
أسئلة لا تدفعنا إلا للالتباس، وتجعلنا نصر على معاودة السؤال من نهب وينهب ثروات بلادنا؟

ما تبقى من معمل التكوير الذي أغضب الحسن الثاني، ضخ فيه 50 مليار سنتيم وأتلف في أربع سنوات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *