منبر الرأي: أبرشان لا يسقط با سليمان..!

حسن المرابط
في مشهد سريالي، أقرب إلى مسرحية عبثية متعددة الفصول، أسدل الستار على أشغال المؤتمر الإقليمي، لحزب الوردة بالناظور. النتيجة؟ لا جديد تحت شمس الإقليم الحارقة إلا ما كان قديماً.
تم تتويج السيد محمد أبرشان، البرلماني الأزلي و”الديناصور” السياسي الذي يرفض الانقراض، كاتباً إقليمياً مدى الحياة (أو هكذا يبدو) ومرشحاً أوحداً للحزب في الاستحقاقات البرلمانية القادمة.
تصفيق حار، صور تذكارية، وبيانات رنانة عن “الديمقراطية الداخلية”… نفس الأسطوانة المشروخة التي مللنا سماعها.
لأسابيع طويلة، حبس إقليم الناظور أنفاسه وهو يتابع “المشاورات الماراطونية” و”المساعي الحثيثة” التي قادتها نخبة من القيادات “الشابة” الطامحة، وعلى رأسها رئيس بلدية الناظور، سليمان أزواغ. كانت الأجواء توحي بمعركة “تكسير عظام” حقيقية،
وبأن لحظة القطيعة مع الماضي قد حانت أخيراً. انتفخت الصدور، وعلت الهامات، وتفاءل المتفائلون بأن رياح التغيير ستعصف أخيراً بالوجوه القديمة التي عمرت في المشهد السياسي أكثر مما عمرت بعض أشجار الزيتون في المنطقة.
لكن، هيهات هيهات! يبدو أن ديناصورات الإقليم محصنة ضد كل أنواع الرياح والتغيير. ففي اللحظة الحاسمة، تبخرت كل تلك المساعي وذابت كل تلك الطموحات كما يذوب ثلج جبال الألب تحت شمس الصحراء.
سقطت “القيادات الشابة” في أول اختبار حقيقي، وتأكد للجميع أن إزاحة رجل بحجم وقوة ونفوذ أبرشان ليس نزهة في حديقة، بل أشبه بمحاولة إقناع أسد جائع بأن يصبح نباتياً.
ما حدث في مؤتمر الاتحاد الاشتراكي ليس مجرد حدث حزبي داخلي، بل هو مرآة عاكسة لواقع سياسي بئيس ومأزوم في إقليم بأكمله.
هو تجسيد حي للصراع المرير بين ماضٍ يرفض أن يموت وحاضر عاجز عن أن يولد.
إنها اللحظة التي ندرك فيها أن “التشبيب” و”إعطاء المشعل للشباب” ليست سوى شعارات جوفاء، صالحة للاستهلاك الإعلامي وتزيين واجهات المقرات الحزبية، لكنها تتحطم على صخرة الواقع عندما يتعلق الأمر بالمصالح الحقيقية.
ففي مملكة الناظور السياسية، لا تزال القواعد القديمة هي السائدة.
هنا، لا قيمة للبرامج الانتخابية أو الكفاءات أو الرؤى المستقبلية. الكلمة الفصل تبقى للمال، للعنف الرمزي والمادي، لشبكات المصالح والزبونية، وللعبة الدسائس والمؤامرات التي تدار في الكواليس المظلمة.
إنها منظومة متكاملة تضمن بقاء “الديناصورات” وأتباعهم من المنتفعين والانتهازيين في قمة الهرم، مهما تغيرت الحكومات وتبدلت الشعارات. هدفهم الأسمى ليس خدمة المواطن أو تنمية المنطقة، بل حماية إمبراطورياتهم المالية وضمان استمرار تدفق الامتيازات.
قد يقول قائل إن في الأمر مبالغة، وإن صناديق الاقتراع هي الحكم النهائي. لكن أي اقتراع هذا الذي نتحدث عنه في ظل سيطرة لوبيات سياسية محكمة التنظيم، تحول العملية الانتخابية إلى مجرد إجراء شكلي لتجديد شرعية زائفة؟
إن النتيجة الحتمية لمؤتمر الوردة هي رسالة إحباط ويأس لكل من كان يحلم بغد أفضل للناظور.
رسالة مفادها أن التغيير المنشود لا يزال بعيد المنال، وأننا محكومون بسنوات، وربما عقود، أخرى من الجمود السياسي تحت سيطرة نفس الوجوه ونفس العقليات.
يبدو أن هذه الكراسي التي يجلسون عليها ملتصقة بهم بغراء أقوى من أي إرادة شعبية أو حزبية.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، لا يملك المرء إلا أن يرفع رأسه إلى السماء، متسائلاً بمرارة ساخرة: هل أصبح “ملك الموت” هو الفاعل السياسي الوحيد القادر على إحداث التغيير في هذا الإقليم؟
هل علينا أن ننتظر تدخل عزرائيل ليقوم بما عجزت عن القيام به النخب السياسية والمجتمع المدني؟
إنه سؤال محزن، ولكنه للأسف، يبدو الأكثر واقعية في ظل هذا العبث السياسي المستمر. إلى ذلك الحين، فليستمر الديناصور في جولته… ولينتظر الشباب دورهم في متحف التاريخ.
