رقصة ثيوسي.. صورة من صور الإحتفالية لدى المجتمع الكبداني” فيديو”

شوقي نورالدين 

تمهيد قد يثير إنتباه زائر منطقة كبدانة مجموعة من المظاهر الإحتفالية الشعبية كغناء أراي – لعبة فولش – رقصة بوعتلا –عادة ثسونا – رقصة ثيوسي…الخ)، وهي عبارة عن مظاهر ثقافية إجتماعية تتجسد كأفعال جماعية ذات جذور تاريخية عريقة كما أنها شكل من أشكال التجمعات التي تتميز بالحرارة العاطفية ودفء التواصل، والتي تتم فيها المشاركة الوجدانبة بعيدا عن أي ترشيد أو توجيه مؤسساتي، لأنها بكل تواضع تراث شعبي ينطلق من عمق المجتمع بكل جدية وعفوية، يعبر فيه الأهالي عن التلاحم والتعاون وعن الرقي والأصالة الحضارية لبلدة كبدانة ككل.

و من بين هذه المظاهر إلاحتفالية الشعبية الإيجابية طبعا نجد الرقصة الفلكلورية ثِيوْسِي.

ـ تعريف ثيوسي تعتبر رقصة ثيوسي موروثا ثقافيا فنيا ذو دلالة إجتماعية حضارية عميقة و تقترن هذه الرقصة الفلكلورية بالحفلات و الأعراس والمواسم كما تتخذ طابعا جماعيا في شكل هندسي أفقي متقابل غالبا ما تؤديها النساء و في بعض الأحيان الرجال، و ثيوسي لغويا تعني الدعم و المساهمة في اللغة الأمازيغية والتي جاءت من فعل أَوْسْ بمعنى سَاعدْ – سَاهمْ– سَاندْ. أما ثيوسي إصطلاحيا فكانت تطلق على الهدايا التي كانت تجلبها النساء كمساهمات يساعدن بها العروسة قبل أن تزف الى بيت زوجها و تتمثل في النقود، العطور،اللباس، الدهب و الفضة…الخ، و مع مرورالزمن وبحكم إلزامية هذه المساهمات أصبحت هذه العادة بمثابة قانون عرفي تحولت فيه هذه المساعدات الى غرامة تلتزم النساء بدفعها للعروسة عند كل مناسبة زواج، ولا يخفى على أحد أنه إلى حد اليوم مازالت تقام هذه العادة في الأعراس ويطلق عليها إسم الَغْرامَة – أو لَغْرَامَثْ وهذه الأخيرة ما هي إلا ترجمة بالعربية لمصطلح ثيوسي

ـ المكان والعرض يتم التحضير لهذا الرقص الغنائي في فناء المنزل الذي يعرف محليا ب (أَنْغُورْ) ينظف المكان و يرش بالماء وتوقد في إحدى زواياه النار لتسخين جلود الالات الايقاعية لبنادر.. وعند إستشعار الرغبة في تأدية رقصة ثيوسي من طرف النساء يتم إختيار أعظاء المجموعة على عدة معايير منها – القامة وتقارب الصوت فينقسمن الى مجموعتين متقابلتين يتكون كل صف (إسْدي) بالتساوي من الناحية العددية، وقبل بدء العرض تقوم شاعرة الفرقة (ثَزْرَاعْثْ) بإنشاد بيت شعري (أَزْرِيعْ) يتكون من شطرين نصف المجموعة يردد شطرا والنصف الأخر يردد الشطر الثاني فتبدأ المشاركات بقرع الدفوف جماعة معتمدات على الوزن الشعري الثقيل والإيقاع الثقيل فيقف الصف الأول بينما الثاني يتراجع الى الخلف بخطوات بطيئة متناسقة على إيقاعات الدفوف ثم يرجع هذا الأخير إلى وضعه السابق مرددات أبيات شعرية تدور حول مواضيع مختلفة كذكر محاسن العروس و العريس و التباهي بأخلاق عائلتهن و عن العصبية و الإنتماء من شرف وعز وكرامة مثال :

لالة تَاسْليتْ نَغْ ؤُرْ تْرُو وَرْ سْرُو يَمَّامْ // يِسْ غًرْ ثَوُّرْثْ أَكَذَمْ رَاحَنْ أَيْثمام يا عروستنا لا تبكي فتبكين أمك // الفرس عند الباب سيرافقك إخوتك

فيسرن على هذا الحال وتتعدد مواضيع الأشعار (إِزرعن) المغناة وتتنوع، فيبينن عن براعتهن وقدرتهن على الإبداع الشعري للتعبير عن مشاعرهن الصادقة، وعندما يوشكن على إنتهاء عرض رقصة ثيوسي تنسل إمراتين من داخل كلا الصفين رافعات الدفوف الى الأعلى إيذانا بالإنتقال من الإيقاع الثقيل الى الإيقاع الخفيف و يسمى تفوست (المدة الزمنية من كل عرض) يعتمد فيه على سرعة الأداء وحركة الراقصات وخفة الأبيات ويكون شعره حماسي عاطفي مصحوبا بالزغاريد والصياح و طلقات البارود مثال:

أحنيني رْبُو مَمِيشْ أد إِرَارْغْ شْوايْتْ .. يا عزيزي احزم ولدك لارقص قليلا

ـ معطيات ثقافية. و بحكم الإنسان ميال بالفطرة الى التعبير بالجسد و الإيماء نجد أن العديد من المدعوين يودون مشاركة شاعرات ثيوسي رقصتهن خاصة صنف الذكور وهو أمر مستحب شريطة أن يكونوا من الأقرباء و منضبطين للقانون الثقافي الذي يحكم الجماعة وهو الحرص التام على عدم إختلاط النساء بالغرباء وذلك حفاظا على الثوابت الحضارية و القيمية و الثقافية للمجتمع الكبداني من أجل صيانة كرامة العائلة و القبيلة وهو تعامل تقابله المرأة بنوع من القبول و الرضى المصحوب بكبرياء وأنفة و إفتخار بأنوثتهن فيبررن سلوك الرجال بأنه خوف عليهن من كل مكروه ودليل على مكانتهن في قلوب الازواج وفي أذهان الأباء و الإخوة.(فيديو نموذج من الرقصة)

ـ ألة الإيقاع و المظهر الخارجي لشاعرات ثيوسي يعتبر البندير (أَرْكُوثْ ـ ألُّلونْ) الألة الأكثر شيوعا و توظيفا في رقصة ثيوسي وهو ألة نقرية تمسكها الناقرة وتوقع عليها بأصابعها أو بكامل كف يدها وهو دائري الشكل مصنوع من الخشب (ؤُولي) يلصق عليه جلد سميك نقش بالحناء و يتوسطه خيطان مطاطيان قويان يساعدان على تحقيق ضخامة الصوت يدعيان: إِنَزْنَازَنْ لذا نجد البنديرالألة الأكثر إنتشارا بالمنطقة إذ لا يخلو منزلا بدونها اما المظهر الخارجي للمجموعة فيتمثل في اللباس التقليدي الذي يجعلهن قريبات الى بيئتهن و يرمز الى الهوية و العراقة ك أقرفطان، ادفين ، ثقندورث ، لزار و يربط هذا الأخير بمشابك تسمى إِغَنَّاسَنْ كما يزينن أعناقهن بسلسلة طويلة محاطة بنقود فضية تسمى ثَمْرَيسْثْ أما في الأذن فيضعن حلقات تسمى ثِوِينَاسْ و تأخذ أشكالا غالبا دائرية كما يزينن أيديهن بخلخال مستديرومسنون يدعى ثَمْقْيَاسْثْ ويظفن سلسلة من اللبان الحر تسمى ثَسَدْشْث نْ وَذْمَامْ وكذلك أبياس وهو حزام أحمر داكن يلف ويربط حول خصرهن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *