فوضى تاريخية بزايو.. البناء العشوائي يمتد للغابة

سعيد قدوري

خلد التاريخ ويخلد دائما العديد من القادة والمسيرين والمهندسين لما خلفوه وراءهم من آثار فكري وعمراني، بمقابل ذلك يستنكر الناس عبر التاريخ كل من ساهم في محو آثار التاريخ الإنساني أو أَسَّسَ للفوضى والعشوائية.

مناسبة هذا الكلام، ما أصبحت عليه مدينة زايو من فوضى خطيرة لن تؤثر علينا نحن فقط، بل سيمتد أثرها السلبي ليطال أجيال المستقبل، فإذا كانت هذه الحاضرة اليوم تعيش أصعب فتراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فإن القادم لا محال أسوأ في ظل هذه “الفوضى التاريخية”.

كتبنا مرارا لعل ضمير المسؤولين يتحرك لحماية زايو، لكن مع كل سطر نخطه إلا وتزداد الفوضى والعشوائية لتكرس واقعا مرا نعيشه، وتنبئنا بمستقبل سيتجرع مرارته فلذات أكبادنا، في مدينة حلمنا كلنا بأنها ستكون المكان الذي نحيا فيه لنشاهد التنمية تتنزل فوق أرضه، لكن وا أسفاه.

تحدثنا وتحدث غيرنا عن البناء العشوائي، وقلنا أنه سيطر على المدينة ولا محال سيقتلها، وفعلا قتلها، لكن من يوقف هذا المجرم الذي يفتك بمستقبل زايو؟.. أليس بالمدينة مؤسسات أوكلت لها مهمة فرض النظام؟ ألا تصرف الدولة المليارات على أجهزتها لمحاربة الفوضى؟ فلم إذن هذا الغياب لدور الأجهزة الرقابية هنا؟.

وإذا كان البناء العشوائي قد اكتسح محيط زايو بالكامل، فإن الدور اليوم صار على المجال الغابوي، الذي يتم وأده بشكل مريب داخل المدار الحضري، دون حسيب أو رقيب، ووسط غض شديد للطرف من قبل المعنيين.

إن استمرار الإجهاز على ما تبقى من الملك الغابوي بحي معمل السكر التابع لجماعة زايو، والذي أسال مدادا كثيرا بدون أن تحرك الجهات المعنية ساكنا، نتج عنه تعرية مسترسلة أصبحت تهدد باختفاء آخر شجرة من هذه الغابة، بعد أن كانت البداية هي إتلاف الغطاء الغابوي المتشكل من النباتات الثانوية، في انتظار الإجهاز على هذه الثروة المهددة بالزوال، خاصة وأن عزم المخربين باديا هذه المرة، حيث أقيمت عدة منازل.

إن الذي يقدم على قتل غابة معمل السكر يعي جيدا حجم الجرم الذي يقترفه، وإلا؛ لماذا يصر على تنفيذ أشغاله ليلا، سواء تعلق الأمر بقطع الأشجار أو ببناء المنازل العشوائية، التي أصبحت تتكاثر كالفطر.

الأشجار المتواجدة بهذه الغابة قد تحتاج الى أكثر من 20 عاما كي تنمو بشكلها الموجود الان في الغابة، مما يعنى صعوبة تعويض خسارة شجرة واحدة، والامر المستغرب هو على الرغم من وجود مساحات جرداء في المنطقة يمكن استغلالها للبناء، الا انه وربما بسبب النمو العمراني المتزايد مع سوء التخطيط وعدم وعي البعض بخطورة الامر وعدم تفعيل القوانين التي تمنع البناء في الغابات، جعل الكثير يخترقون الغابة بالمنازل والكتل الاسمنتية.

سيسجل التاريخ أن أناسا مروا من هنا، دكوا كل معلمة تؤرخ للسنين الغابرة، أسسوا للعشوائية في كل شبر، طوقوا المجال الحضري بالفوضى، سيلعنهم جيل المستقبل لأنهم قتلوا الجمال بزايو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *