أسرار “بحيرة الدموع والطيور”… كيف تحول إرث إسبانيا المنسي بأركمان إلى مملكة سماوية للطيور ومصدر رزق الفقراء الوحيد؟

أريفينو.نت/خاص
في قلب الريف الشرقي، تقبع بحيرة “أموتار الملح” بأركمان، شامخة كواحدة من أقدم الشواهد التي تروي حكاية تفاعل الإنسان والطبيعة في إقليم الناظور. هي رقعة مائية ساحرة ارتبط تاريخها باستخراج الملح، وحفرت في ذاكرة أجيال لا تزال تعتبرها مورداً للعيش، رغم قسوة الظروف.
من ضجيج الآلات الإسبانية إلى صمت الأطلال… ذاكرة الملح التي لم تمت!
ترجع الروايات المحلية قصة البحيرة إلى الحقبة الاستعمارية الإسبانية، حين شُيّد على ضفافها أول معمل حديث لاستخراج الملح، كان مجهزاً بآلات ومضخات متطورة في ذلك الزمن. وكان إنتاجه يُصدر عبر بواخر تجارية كانت تدخل عبر ممر “ربحار أمزيان” لترسو في ميناء أركمان القديم. اليوم، طوى الزمن صفحة المعمل، ولم يتبق منه سوى أطلال تقف كشاهد أبكم على ذاكرة وتراث الأجداد.
عرق الأجداد ولقمة العيش المرة… حكايات كفاح على ضفاف البحيرة!
ورغم اختفاء وسائل الاستخراج العصرية، لم تفقد البحيرة دورها كمصدر رزق. فعلى ضفافها، تكدح عشرات الأسر معتمدة على طرق تقليدية بدائية لاستخراج كنوزها البيضاء. عمل شاق ومضنٍ يتطلب جهداً بدنياً هائلاً وصبراً لا حدود له، وفي نهاية اليوم، لا يجني العامل سوى بضعة دراهم زهيدة. لكنها الحاجة التي تبقيهم مشدودين إلى هذه المهنة العريقة المتوارثة.
مملكة الطيور المهاجرة… حينما تجد الطبيعة ملاذها في قلب التاريخ!
وبعيداً عن قصة الكفاح الإنساني، تكتسي البحيرة أهمية بيئية استثنائية. فقد تحولت مياهها الهادئة إلى محطة استراحة رئيسية لآلاف الطيور المهاجرة في رحلتها السنوية الشاقة من أوروبا وآسيا إلى عمق القارة الإفريقية. هنا، تجد هذه الطيور ملاذاً آمناً للراحة والتزود بالطاقة قبل أن تكمل مسارها الطويل، راسمةً لوحات طبيعية متجددة تضفي على المكان سحراً خاصاً.
هكذا، تبقى “أموتار الملح” فضاءً فريداً يجمع بين ذاكرة الماضي الاستعماري، وقسوة الحاضر المعيشي، وجمال الطبيعة المتجدد، لتظل شاهداً حياً على تلاقي التاريخ بالواقع في قلب إقليم الناظور.
