الإبداع في زمن كورونا / مقتطف من سيرة عادية.. جشع.

أريفينو : 23 مايو 2020.

 

ميمون حرطيت*

بعد طول انتظار موسوم بقلق باد على محيا كل واحد ممن تجمعوا في ظل شجرة قرب إحدى المقاهي بشارع محمد الخامس المفضي إلى معلمة النادي البحري؛ ذات يوم إثنين صيفي من سنة النكبة؛ سارع رهطا العمال المياومين إلى التحلق حول رب العمل، بعد أن بدا لهم أخيرا؛ وهو يترجل من
سيارته نوع Renault 4 المشهورة وقتذاك ، يتزيا بهندام انيق، لا تشوهه إلا بطنه البارزة مثل كرة السلة، كان المنظر يشي بكثير من حالات التفاوت الطبقي، إذ راكم بعض الأجراء، و منهم أبي دراجاتهم الهوائية المهترئة حول جذع شجرة، بشكل عشوائي، في منظر أشبه بقطيع ظأن يستظل من حر الهجير.
كانت أغنية(جميل جمال) لفريد الأطرش المنبعثة من مشغل الأسطوانات الموضوع بوقه في إحدى نوافذ مقهى “عالوش” جعلت أغلب الأشخاص ممن تواجدوا في المكان، يرددون معها بعض أنصاف المقاطع؛ وآخرين يدندنون ، في ما يكتفي البعض الثالث بهز رؤوسهم ، في ترنم لا يتناسب ووضعهم الاجتماعي فالجيوب فارغة ،وكذلك الأمعاء .
تقدم الرجل -دون أن يلقي التحية أو يلتفت إلي أي كان – نحو إحدى الطاولات المبثوثة هنا وهناك، اختار لنفسه مكانا ظليلا، صفق على النادل كي يأتيه بكأس شاي منعنع، ثم أخرج من محفظة جلدية دفترا وقلما، وفكة أوراق مالية، وراح يتمتم بينه وبين نفسه بكلام لم يسمع منه المتحلقون حوله عن بعد شيئا؛ كان الرجل يدقق حساباته ببطء من يملك الدهر كله، و من حين لآخر كان يرتشف من كأس الشاي رشفات فيها كثير من التكلف، وبعد أن أتم إعادة حساباته، وتيقن بأن كل شيء تمام، أشار إلى المراقب بأن يتقدم نحوه. هرول الرجل ملبيا، انحنى بأدب على رب العمل..تبادل معه بضع كلمات، كلها تتضمن إجابات ب “نعم”ثم بعد دقائق ثقيلة من الترقب، تحرك الجمع مضيقا الحلقة.
حينئذ شرع رب العمل ينادي بأسماء الأجراء.
-اِ .س، خذ رزقك!
-ت .غ، تأخرت يوم الخميس المنصرم؛ خذ أجرتك مخصوما منها ساعة.
-ل. ا، مجهودك لا يروق لي(الخدامة في السوق كالنحل في القفير.)
-ل. ي، عملك معي لن يطول.؛ ينقص أجرتك درهم؛ إوا قل الله إسامح!
-…
-…
-…
حين أنهى الرجل مهمته، نظر إلى كأس الشاي الفارغة أمامه وقال ، وهو يخرج بطانة جيبيه، ويقهقه:(أولاد الحرام! مخليتو ليَ حتى باش نخلص أتاي ديالي). قلت مع نفسي؛ إنه يسخر منهم؛ فالمال في المحفظة.
قهقه الجمع تعقيبا على طريفة رب العمل، وبادروا مجتمعين، كل واحد منهم يريد تأدية ثمن كأس الشاي الذي أحتساه .

*أستاذ متقاعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *