الابداع في زمن كورونا .. مدينة في القلب

أريفينو : 1 يوليوز 2020.
ميمون حرطيت.

لم يكن أحد يدخل مباشرة، وفي خط مستقيم إلى مدينة الناظور مثلما كنا نفعل نحن سكان دوار “عاريض”؛ إذ كان طريق السكة الحديدية يقودنا بلا انعراجات إلى ظهر العمالة القديمة، ومنها توا إلى شارع محمد الخامس المتوج بالورود في كلا طرفيه…كم كان ممتعا أن نروح ونجيء فيه، متسوقين من العربات المزركشة بأشكال من الحلوى وكل ما يجلب أطفالا مثلنا، في سن العاشرة أو يفوق، أو ربما دون ذلك. في الحديقتين المفتوحتين للعموم، سواء عند باب العمالة، أو في الطرف الآخر قرب النادي البحري، يقوم المصور بآلته التقليدية، بتصوير الشباب و الأطفال المرافَقين بآبائهم. أو التنزه على الشاطئ من النادي البحري في اتجاه فندق الريف، أو ضريح ( علي البحري) و على الساعة الثالثة بعد الزوال يتوجه البعض صوب إحدى قاعتي السينما، للتفرج على غرائب الفن السابع، بين أفلام رعاة البقر لممثلين مثل (جون واين، روبير ذينيرو..الخ.) وأفلام أساطير الرومان(مارك فوريست، دون فاديس،غوردون ميشيل، غوردون سكوت..الخ) ثم الافلام الهندية مع: (دارا سينغ، راج كُمار، شامي كابور..الخ.)ومنهم من يجلس في مقهى (عالوش) بالخصوص، ليحتسي مع إبيه أو مرافقه مشروبا غازيا منعشا.
كم كانت تبدو لي المدينة رائعة متناسقة وأنا أستمتع بروعة انسجامها مع البحر الصغير مطلاّ عليها رفقة زمرة من الأصدقاء من هضبة (بوبلاو).

الناظور: بمدخل سوقه الذي كان يستقبل رواده في ساحة بدُرَيجات على اليمين وعلى الشمال، وفي عمق الساحة نساء في الخمسين أو يزيد، على وجوههن ضياء، متأنقات بالزي البلدي،وحول أعناقهم وعلى صدورهم حلي تراثية تبدو كالنياشين، متربعات في ركن خاص، يبعن و يشترين حلي الذهب والفضة والنحاس.
تتعمق في السوق، فتلفيه مثل تحفة جسّدها مهندس مشهور، أو كأن السوق نظم نفسه بنفسه، كل شيء في محله. لقد كان بلا مبالغة(مرجان زمانه) ،تدخل إليه فتشتري كل ما أنت في حاجة إليه: خضر ،فواكه بقول ،فواكه جافة، تبغ، مذاييع، اسطوانات الأغاني،ملابس، أحذية ، أفرشة ، زيوت،غاز القناديل، لحوم، أسماك…كل نوع في مكان خاص، و إذا تعمقت أكثر، تصادفك بقع محاطة بجدران إلى حدود الكتف؛ حيث بقعة الأدوات التقليدية، على أشكالها؛ ثم بقعة البهائم والأبقار، فالدواب ، دون أن أنسى حلقيات الملاكمة، والأفاعي، وبائعي الأعشاب، وحتى من يتجرأ على الفلسفة من بائعي الكتب الصفراء ويعتبرها فلاّسة…الناس في سلام تام.

الناظور؛ أين أنت مما كنت ؟أيتها المدينة النابتة في القلب منذ الولادة! أين دفن الزمن بهاءك ، ونقاءك، وهندستك البسيطة الراقية؟ ماذا فعلت الأيام بك وبي؟ أي مسخ غير ملامحك، وأية علة تمكنت مني؟ أنا على يقين تام بأنني لا أستطيع استرجاع يفاعتي، لكنني متيقن بالمقابل بأن عودتك إلى بهائك ممكن، وممكن جدا، إذا تعهدتك أياد نظيفة، وساكنة واعية. فسلام عليك.

*أستاذ متقاعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *