الترمضينة عند الناظوريين: “قنبلة موقوتة” تنغص روحانية الشهر الفضيل

لا تخلو الفضاءات العامة بالناظور خلال شهر رمضان من سلوكيات شاذة وممارسات تزيغ عن المألوف ويكتنفها عنف نفسي ومادي ورمزي، وتوصف عادة بـ”الترمضينة”.
ويتحول بعض الصائمين بالناظور، قبيل أذان المغرب إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، ولأتفه الأسباب، وفي وجه أي أحد يجرؤ على تعكير مزاج هؤلاء الذين يطلق عليهم المغاربة “المرمضنين”.
وتطفو خلال الشهر الفضيل جرائم القتل والضرب والجرح بين الأغيار والأحباب بنسب ملفتة للأنظار، ويتجدد معها التساؤل: هل يتعلق الأمر بحوادث عرضية، أم أن للصيام و”الترمضينة” دخلا في القضية؟
مفارقة كبيرة
إذا كانت مقاصد صيام شهر رمضان تقوم على الرفع من درجات التقوى بالعمل الصالح، وتزكية النفس من خلال تجنب المعاصي وتفادي الوقوع في الأفعال المانعة من كمال أجر الصيام، فإن واقع الحال يشهد عنفا وسلوكيات تفقد الشهر المبارك قدسيته ورمزيته، لا تكشفها سوى القصاصات المنشورة هنا وهناك عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا الصدد أوضح محمد بنعيسى، باحث في علم الاجتماع، أن الصيام يقتضي ضبط النفس ومنعها عن الشهوات وتهذيبها وتربيتها على التحكم في الرغبات، مشيرا إلى أن إيقاع رمضان تطبعه مجموعة من التغيرات على مستوى العادات، مما يؤثر على قدرة التحكم في النفس، ويفضي إلى بروز التوتر والاضطراب والنزوع إلى العنف.
وأضاف الباحث أن “الترمضين” ظاهرة مفتعلة ومشجب يعلق عليه مجموعة من المجرمين والمنحرفين والجانحين سلوكياتهم العنيفة، التي لا تمت إلى الأخلاق الإسلامية بأي صلة، كما أنها تتنافى مع الأخلاق العامة.
وأرجع بنعيسى بروز ظاهرة “الترمضينة” واستفحالها إلى عوامل متعددة، منها ما يتعرض له الفرد من ضغوطات نفسية واجتماعية واقتصادية، مؤكدا أن الإدمان على السجائر أو المنبهات، من قبيل القهوة وغيره، له دور في جنوح الفرد إلى العنف.
وأكد الباحث ذاته أن ظاهرة “الترمضينة ” أصبحت بالنسبة للبعض عادة لإبراز القوة والتسلط وإثبات الذات والثورة على المجتمع ومعاييره وإبراز ما يكتنفها من خلل، وهو ما يفسر تنامي “الترمضين” في الأحياء الشعبية المكتظة وغيابه عن الأحياء الراقية، على حد قوله.
وقال بنعيسى إن هناك شبه تطبيع مع هذه الظاهرة الاجتماعية، إذ غالبا ما يتم التساهل مع “المقطوعين” لتفادي نشوب أي خلاف يمكن أن يتطور إلى ما لا تحمد عقباه.
قناع اجتماعي
يرى كريم الديبوش، طالب باحث في سلك الدكتوراه- تخصص علم اجتماع، أن تغيرات السلوك الفردي والجماعي وكذا المقولات الشعبية المتداولة بين الأفراد خلال الشهر الكريم يستشف منها كيف تتغير الحياة العامة والسلوك الفردي من خلال مستويات عديدة تتعلق بتمظهرات الوازع الديني، الذي يتجلى في السلوك اليومي والأقوال الشعبية المتداولة والطقوس الليلية وأشكال المأكولات اليومية.
وأضاف الديبوش، ، أن هذه العادات والسلوكيات توحي بنوع من الاستهلاك اليومي المفرط، وارتفاع نسبة العنف في المدن والأحياء الشعبية تحت مسمى “القطعة” أو “الترمضينة”.
واستحضر المتحدث ذاته مقولة لإرفينغ غوفمان، الباحث في علم النفس الاجتماعي، يقول فيها: إن سلوكنا في حضور الآخرين هو عبارة عن أداء نسعى من خلاله بشكل واع أو غير واع إلى المحافظة أو التلاعب بانطباعات الآخرين عنا، وهذا لا يعني بالضرورة أن سلوكنا زائف، فحتى عندما نكون صادقين فإننا نقوم بتمثيل وأداء الأدوار.
ويتابع الديبوش “ويضيف غوفمان: إننا نقدم أنفسنا إلى الآخرين في صور مختلفة، ومن خلال أقنعة تختلف باختلاف المواقف التي نجد أنفسنا طرفا أو منخرطين فيها”.
