التلاحم الأسري المطلوب في زمن كورونا

أريفينو : 1 ماي 2020.
بقلم الأستاذ / ميمون حرطيت*

فرض “كوفيد 19” على الناس في بلادنا كما في غيرها من البلدان؛ التباعد الاجتماعي خارجيا؛ وهو ما يعني الحفاظ على مسافة معينة بين الأشخاص للتقليل من انتشار الفيروس، لكنه مكّن بالمقابل من تلاحم أسري غير مسبوق داخليا، لو يستغل بالشكل الأمثل. فما مدى استفادة الأسر المغربية من هذا المعطى؟ و هل استطاعت تحويل الحجر الصحي إلى وسيلة لتمتين الأواصر الأسرية؟
بديهي أن يشعر الناس بالقلق، وهم محبوسون في منازلهم لمدة أسابيع تبدو في غاية الطول والرتابة، وبديهي أيضا أن تنشأ بين الأطراف بسبب تواجدهم المسترسل مجتمعين في المنزل -على غير المألوف- بعض الخلافات حول عدد من السلوكات التي يرغب بعض الأفراد في فرضها على الآخرين؛ كإرادة الاستفراد بأمور معينة
بسبب السلطة؛ أو الدلال. أو العناد… وهذه الأمور برغم بداهتها ليست رائجة بشكل ملفت، لأن الرائج حقا هو تقارب أفراد الأسرة الواحدة جسديا، وتباعدهم ذهنيا؛ حيث ينزوي كل فرد منهم منكبا على هاتفه لا يلوي على أي شيء مما حوله ؛ إذ يسود في الغرفة الواحدة صمت ملائكي، نادرا ما يتخلله ضحك منفرد، أو غمغمة يتيمة؛ ويمكن أن تصادف في أحسن الأحوال من يراجع دروسه لوحده دون أن يهتم به أحد. إن مثل هذه الحالات تزيد قلقا على قلق؛ ورتاية على أخرى، ويصبح الحجر جحيما لا ينتهي،كما أن أنماطا من القيم المتحجرة السائدة تدفع دائما نحو مزيد من الخمول والاستسلام، لذلك ولكي يتم تكسير هذه القيم يلزم إخراج كوامن الاختلاف كدلالة على التجدد والحيوية، وذلك ما تقوم به أسر- لحسن الحظ- على قلتها ،حين تقوم بتسطير برامج يومية أو أسبوعية، لتنظيم وتدبير شؤون الحياة داخل الأسرة، فمنها مثلا من يفتح حوارات حول مواضيع معينة؛ أو مناقشة أشرطة متلفزة، أو قراءة روايات على مسامع الأفراد، أو غير ذلك مما يمكن أن يُستثمر في الإتجاه الإيجابي للحجر.
يبدو أن الوقت ما يزال متوفرا أمام الأسر المغربية للإستفادة من هذا الحجر ، وتحويله من سجن مفروض يحبس الحريات، إلى فضاء تنويري يؤسس لتقليد مستقبلي يصبح معه التحام أفراد الأسرة الواحدة منبرا يروج لثقافة جديدة تسود فيها ديموقراطية الحوار التربوي بين الوالدين وأبنائهم، وبين هؤلاء في ما بينهم. إن من شأن هكذا سلوك أن يخلق فرصا لإبداع فكري تشاركي لا يكف عن الاضطراد مع مرور الوقت.
كل الأمل أن يمضي كوفيد 19 بأقل الخسائر، و يبقى التلاحم الأسري الإيجابي سائدا من بعده.
*أستاذ متقاعد.
