اللاعبين ذوي الأصول المغربية بهولندا..كيف لهم أن يختاروا ليرتاحوا وكل الراحات عذاب..

محمد بوتخريط / هولندا
هل الغد مفصل بين خيارين .. ولا مساومة.؟
تمنيت أن يسمح لي جهلي للرياضة وما يدور في فلكها بتغيير موضع كلماتي الى ما أفهم فيه اكثر ولكنه أبى.. وبقى سؤال واحد يراودني ويلهيني عن كل الاقتراحات : “كيف أطرد من تفكيري فكرة التمييز ، أوَليس هذا نوع من التمييز يٌمارس على هؤلاء اللاعبين؟!
شاع الحديث مؤخرا في هولندا عن “اللاعبين ذوي الأصول المغربية والتحاقهم بصفوف المنتخب المغربي بدل الهولندي.” وراجت روايات واقتراحات واتهامات كثيرة خاصة بعد إعلان الجامعة الهولندية لكرة القدم نيتها دراسة قانون جديد يهدف الى عدم دعوة اللاعبين المنحدرين من أصل مغربي، لصفوف المنتخب الهولندي، لأقل من 17 وأٌقل من 20 أٌو 23 سنة، من أجل وقف نزيف إلتحاقهم اللاعبين بصفوف المنتخب المغربي…
وكذلك بعد اقتراح الدولي الهولندي السابق، رود خوليت، على الاتحاد الهولندي لكرة القدم عدم المناداة مستقبلا على اللاعبين ذوي الأصول المغربية لمنتخبات الفئات السنية الصغرى، وذلك بعدما اختار عدد كبير منهم تمثيل المنتخب المغربي للكبار عوض المنتخب الهولندي…وهو اقتراح – يراه الكثير من المتتبعين للشأن الرياضي- أنه يدخل في سياق حملة شرسة تشنها الصحافة الهولندية على اللاعبين الذين يختارون تمثيل بلدان آبائهم .
وطبعا ، لم تكن النقطة التي أفاضت الكأس في الأسابيع الأخيرة سوى وضع نجم بي إس في آيندهوفن الصاعد، محمد إحاراتين، الذي سيكون عليه الاختيار بين تمثيل المنتخب الهولندي أو المغربي، وذلك بعد تلقيه مؤخرا دعوات من الجانبين .. خاصة وكما كشفت عن ذلك بعض وسائل الإعلام الهولندية، أن اللاعب كشف ما مرة عن رغبته اللحاق بالمنتخب المغربي، الامر الذي جعل مسؤولي الجامعة الهولندية يستشيطون غضبا بعدما علموا برغبة إحطارين ، ويسعون بالتالي لفرض قانون جديد يربك حسابات اللاعبين المغاربة، أو يجعلهم يختارون هولندا منذ صغرهم دون اللعب مع المغرب.
و يبرر خوليت اقتراحه عدم المناداة مستقبلا على اللاعبين ذوي الأصول المغربية ، معتبرا المناداة عليهم في الفئات السنية الصغرى واختيارهم بعد ذلك تمثيل “بلد الآباء /الجذور ” بمثابة خدمة مجانية يقدمها الاتحاد الهولندي لنظيره المغربي .
وهذه ليست اول مرة يقترح فيها رود خوليت هذا الامر ، فقد سبق له وان اقترح نفس الاقتراح في العام الماضي بعد محاولاته إقناع اللاعب سفيان أمرابط، بالالتزام باللعب مع هولندا دولياً…والتي فشل فيها بل وكما قال خوليت نفسه وقتذاك “حتى قبل أن أبدأ حديثي مع لاعب خط الوسط سفيان أمرابط، عرفت أنَّي لن أنجح في إقناعه”.
و سفيان هو ايضا وُلدَ في هولندا وبالتحديد في هاوزن، الواقعة بالقرب من أمستردام. عاش حياته كلها في هولندا، ولعب مع فرقٍ كثيرة. لكنَّ كان عليه هو الآخر في الاخير ان يختار ، إما ربط مسيرته في اللعب الدولي بهولندا، حيثُ تعلَّم فنون كرة القدم، أو المغرب، موطن والديه وأجداده في الريف شمال إفريقيا. ووقتذاك اتهم خوليت في تصريح لصحيفة ( نيويورك تايمز) الأميركية، أمرابط بعدم امتلاكه حرية الاختيار ، وأنه وجميع اللاعبين ذو الاصول المغربية لا يملكون خياراً ، قائلا : ” تدفعك الأسرة للعب لصالح منتخب المغرب. لذا لم يكن هناك خيار. أعتقد أنَّهم لا يملكون خياراً “. ناسيا او متناسيا أن امورا كثيرة ومتشعبة جدا قد يكون لها تأثير ما في هذه الخيارات، تماما كما لعبت السياسة دورًا كبيرا في اختياره هو نفسه اللعب للمنتخب الهولندي بعد تجنيسه وبعض اللاعبين، ليجدوا أنفسهم مضطرين لتمثيل البلد “المحتل”.. مثله و ريكارد، وكلارينس سيدورف، الذين ولدوا في السورينام المحتلة من قبل هولندا، قبل منحهم الجنسية والانضمام إلى صفوف منتخب الطواحين .
أنا هنا لست ضد اختيارات طرف أو إختيارات آخر فهما حقان لكل منهما ولكننى فقط لا ادري بالضبط لماذا كل هذا الجدال.. والآن بالتحديد ، رغم أنَّ المنتخب المغربي ليس الوحيد الذي يحاول توسيع بحثه خارج حدوده بهدف تكوين فريق كامل او متكامل، فمثلا ، نجد لاعب الوسط في فريق تونس من بين الكثير من اللاعبين، فرنسيي المولد في تشكيلة الفريق، و كذلك الامر في السنغال، والبرتغال، وسويسرا، وحتى روسيا الدولة التي استضافت نسخة من نسخ كأس العالم.
تمنيت أن يسمح لي جهلي للرياضة وما يدور في فلكها بتغيير موضع كلماتي الى ما أفهم فيه اكثر ولكنه أبى.. وبقى سؤال واحد يراودني ويلهيني عن كل الاقتراحات : “كيف أطرد من تفكيري فكرة التمييز ؟!”،
أوَليس هذا نوع من التمييز يٌمارس على هؤلاء اللاعبين ، ظللت أرمش بعينيَّ للشعور بالميز ؛ ذكَّرني الامر بتصريح قديم لمدرب منتخب فرنسا لوران بلان . بعد أن أظهر تسجيل مُسرَّب له في عام 2011، ” أنَّه يفضل الحد من المناداة على اللاعبين من ذوي الجنسية المزدوجة في أكاديميات كرة القدم الوطنية الفرنسية.” وقال بلان في التسجيل، إنَّ هذا الأمر ” لا بد أن يُقتَلع من جذوره بالكامل…أشعر بانزعاج بالغ حين يرتدي هؤلاء الأولاد لباس المنتخب الوطني وهم صغارا قبل أن يرحلوا ليلتحقوا بفرقٍ إفريقية أو شمال إفريقية. لذا الخيار المثالي أن نقرر فيما بيننا، بصورةٍ غير رسمية، أنَّنا لن نقبل أكثر من عددٍ معين من الأطفال الذين يمكن أن يختاروا الانضمام لفرقٍ أخرى مستقبلاً… أعني أن نقرر حصةً لذلك، ولكن دون أن نعلن هذا الأمر على الملأ “.( انتهى الاقتباس)
تسريبٌ أثار وقتذاك موجةً كبيرة من الغضب، بل وأحدث انقساماً حتى في أوساط لاعبي المنتخب الفرنسي ذوي الجنسيات المتعددة.
هي أمور وأخرى كثيرة تحدث ويصر هؤلاء غض البصر عنها ، وتدفع بالمقابل بعض اللاعببن للردّ عليها، كل على طريقته. فأبرز المنتخبات الأوروبية تغص اليوم بلاعبين متحدّرين من أصول أجنبية، ولا يخفى على أحد ما يرافق ذلك أحيانا من أصوات احتجاجية مطالبةً بمنع هؤلاء “الغرباء / الأجانب” من تمثيل المنتخبات الوطنية. هذه الأصوات، رغم قلّتها، الا انها تترك آثاراً نفسية كبيرة لدى بعض اللاعبين، تدفع بعضهم للردّ عليها، كل على طريقته.
كذلك ، يجب أن نستوعب جيدا وألا نغفل أن هناك ظروف أخرى كثيرة قد تؤثر في درجة مثل هذه الاختيارات.
حكيم زياش مثلا،
والذي وُلد هو الاخر في هولندا. أتذكر أنه في البداية بدا وكأنَّه كان يفضل اللعب للبلد الذي وُلِدَ ونشأ فيه،أي هولندا.. إذ قال يوما لأحد الصحفيين في مقابلةٍ صحفية أُجريت معه عام 2015 أن” العامل الحاسم بالنسبة لي هو أنَّ هولندا غالباً ما تلعب في بطولاتٍ كبيرة “. غير أنَّ المنتخب الهولندي أخفق وقتذاك في الوصول إلى البطولة الأوروبية لعام 2016، فتغير تفكيره… وتغيرت بالتالي رغبته.
ففي الوقت الذي يتهمون فيه هؤلاء المغاربة أنهم “يأكلون الغلة ويسبون الملة” لاختيارهم قميص منتخب المغرب بدل قميص منتخبات النشأة،، هناك تشكيلة أخرى من لاعبين مغاربة نشئوا بالقارة الأوروبية واختاروا اللعب لمنتخبات أخرى على حساب المغرب..وأداروا ظهرهم لمنتخب ” الجذور”…أكثر من 40 لاعبا محترفا رفضوا تمثيل المغرب خلال آخر عقدين، ليمثلوا البلدان التي تربوا أو نشأوا بها…نذكر أمين لوكومت ، خالد بولحروز، يونس قابول،عادل رامي،عبد الله كونكو، مروان فلايني،ابراهيم أفلاي ، زكرياء البقالي ،آدم ماهر ، ناصر شادلي، منير حدادي،أنور غازي،كريم بلعربي، الخ,,,
كما أنَّ لمسألة “الهوية” كذلك قدر من الأهمية بالنسبة لبعض اللاعبين خاصة بعد ما شهدته أوروبا في السنوات الاخيرة من صعودٍ في الحس القومي، وكذلك الأحزاب السياسية المستاءة من سياسات الهجرة ، بل وحصدت بعض تلك القوى نتائج ومكاسب انتخابية مهمة،كما الامر مثلا لدى حزب الحرية ، الذي استهدف زعيمه خيرت فيلدرز المغاربة بخطابٍ عنصري؛ كما حدث أثناء حملة من حملاته الانتخابية حين وصف المغاربة ب :”حثالة المجتمع”.
فالاسباب اذن أعمق من ما يحاول البعض هنا حصرها في “رغبة الاباء والعائلة ” أو أن هؤلاء اللاعبين لا خيار لهم أو ما شابه هذا وذاك..
موريس كرول، وهو أستاذ بجامعة أمستردام، والذي تناول في بعض أبحاثه أبناء المهاجرين في أوروبا، يرى أن ما نشاهده الآن من إصرار اللاعبين على اختيار المنتخب الذي سينضمون إليه هو جزءٌ من الطابع الذي يتسم به جيل ما بعد أحداث 11 سبتمبر ؛ وهو جيلٌ ” أدرك أنَّ دينه غير مرغوبٍ فيه”.’وهو أمر باعد بالتالي المسافات بين المجتمع الأوروبي وبين المجموعات التي كانت فعلا تعيش على الهامش، لأسبابٍ مختلفة . ويقول كرول: “هذا الشعور بالإقصاء الموجود لدى الجيل الحالي منذ نشأته الأولى يمثل مشكلةً كبيرة”.
خلاصة الحكاية هل سيكون الغد فعلا مفصلا بين خيارين .. إما تطبيق القوانين وإما مخالفتها..؟
لكن وإن حدث..
فهم سيقولون : موقفنا ثابت.. القانون أولاً وأخيراً ولن نحيد ، المسألة خارج إطار المساومة او المزايدة…
وآخرون قديردٍّونو يقولون : لكن ليس على حساب قناعاتنا والمبادئ .
فكيف لهم أن يختارو ليرتاحوا وكل الراحات عذاب، أمام ضغط المحيط و الصحافة والنادي والجمهور… وهم من يعلمون جيدا انه تبعاً لاختياراتهم يُرحب بهم في أرض وتضيق عليهم أخرى، يُفرِحون جمهور بلد تعذّب بالانتظار، وينعته الآخر بالغدر والخيانة…واحيانا ب”الانفصال” .