الناظور: عبداللطيف دريوش يكتب ..التعليم عن بعد في ظل الحجر الصحي:رهان وتحديات

عبداللطيف دريوش : 

لننطلق من مسلمة لاجدال فيها،ان “التعليم عن بعد” ورقمنة الدروس وإنشاء أقسام افتراضية،لايعبر عن تطور طبيعي وارادي في طرائق وأساليب التعليم،بل هو تعليم استثنائي فرضته بشكل طارئ الوقاية من جائحة كوفيد 19(كورونا)، وليس ثمرة تنفيذ مخطط،كما وليس من انتاج مقرر تنظيم السنة الدراسية او نابعا من اختياراته.
تعطيل التعليم الحضوري واستبداله بالتعليم عن بعد في ظل الحجر الصحي،حمل رهانا أساسيا هو ضمان الاستمرارية البيداغوجية،وربط التلميذات والتلاميذ بدراستهم وواجباتهم الدراسية،والالتزام بالتالي بالبقاء في المنازل،وقد ركزت الوصلة التوجيهية عبر وسائل الإعلام على التنبيه الى أن الإجراء لايعني اطلاقا عطلة مدرسية،ما يمكّن المتعلم من الاستثمار الملائم لزمن الحجر(تربويا بالاستمرار في مسار التعليم وصحيا بالوقاية من الوباء) ولا شك في أن التعليم عن بعد هو العوض الوحيد والممكن في المرحلة الطارئة الحالية، وأي متتبع يلاحظ نوعا من الزهو والافتخار تعبر عنه السلطة التربوية المركزية ،التي تشيد بهذا الاجراء في كل مناسبة،معددة الانجازات من وسائل ومواد رقمية متاحة عبر الانترنت لفائدة التلاميذ،والقنوات التلفزية التي خصصت حيزا زمنيا لخدمة التعليم،وحجم التلاميذ المتابعين،وعدد الحصص المرسلة او المبثوثة ..
في المقابل يواجه التعليم عن بعد ببلادنا مجموعة من الملاحظات والانتقادات عبّرت عنها منابر اعلامية ومحللون وأهل التربية والتعليم وجمعيات أمهات وآباء التلاميذ،ركزت جميعها على مسألة غياب تكافؤ الفرص وانتفاء مايمكن تسميته بالعدالة الرقمية، اي غياب امكانيات تحقق المساواة بين الناشئة على مستوى ولوج الخدمات الرقمية، لوجود فوارق بين المدن والبوادي،وداخل المدن،والفئات الاجتماعية.
هذه المقاربة الأفقية للوضع،تضعنا امام وضعية أسر وتلاميذ لايملكون امكانية الاستفادة من التعليم عن بعد ،ويكونون بذلك عمليا في عطلة وعطالة عن الدراسة.
هذه المقاربة اذا أضفنا لها رؤية عمودية،قد تجعلنا نكتشف سلبيات وعوائق وتحديات أخرى،تتعلق أساسا بالفاعلية والنجاعة.
• فهل يكفي ان نفتخر بعدد الحصص الدراسية المسجلة والمبثوثة عبر شاشة التلفزة، ام نتسائل عن مدى الاستفادة منها ؟ ثم إن شاشة التلفاز في عاداتنا الأسرية وجمعنا الثقافي،ليست كتابا للقراءة بل نافذة فرجة،يشترك فيها أفراد الأسرة،وتتداخل موادها وبرامجها ،ويتنازع الأفراد أذواق التفرج والفرجة ،وبذلك فدروس قنوات الرابعة والثامنة والعيون دروس مرسلة محض وليست منجزة،فنحن فعلا في تعليم غير مكتمل،أي تعليم عن بعد ينقصه التعلم عن بعد،والفرق بين المفهومين لايحتاج الى الشرح.
• هل بمقدور التلميذ في غياب وسط مدرسي حقيقي،أي مؤسسة تعليمية ،وحجرة دراسية،وأستاذ منشط ومنبه وموجه،وادارة مراقبة،وتشريعات مؤطرة وملزمة، أن يلزم نفسه بالدرس الافتراضي،والأستاذ الافتراضي،وهل له القدرة على تتبع و فهم واستيعاب كل مراحل وفقرات الدرس او الوحدة الدراسية ، بافتراض التتبع و بذل المجهود وحضور الضمير المدرسي،ومراقبه الأسرة ومواكبتها؟ وكيف التعامل مع الدرس الرقمي وهو الذي ألِفَ أدوات مكونة من محفظة حاملة لكتاب مدرسي مقرر،ودفاتر وكراسات حافظة لدروسه وواجباته.
• ماذا يمكن أن نقول عن هذا التحول المفاجئ في النظرة الى الهاتف المحمول،هذا الجهاز ” اللعين” الذي كان وراء كثير من المشاكل والمخالفات والتوترات نتيجة استعماله بفضاءات المؤسسة التعليمية،ومنها حجرة الدرس وكان وسيلة شغب وتشويش على الدرس والأستاذ،فإذا به يتحول الى أداة ايجابية،مطلوبة و”حلال”!!
• تَخلُّص جهاز الهاتف ..من تهمة السلبية وارتداؤه لباس المنفعة والفائدة،جعله- والوسائل الرقمية الأخرى- مهيمنا على زمن التلميذ،الذي
أصبح منعزلا عن باقي أفراد الأسرة، ما يهدد بالسقوط في الإدمان الرقمي وحالة الإنهاك والإجهاد المعلوماتي،فمرة “يطل” على درس ، ويتركه ليستجيب لأشارة وردت في الميسنجر، ويعود الى الدرس ليدعه لأن مادة ما في الواتساب وأخرى في تويتر وأغنية في اليوتوب ،و انجازشوط ما في لعبة…الخ،وهكذا يضيع الوقت امام عناصر التشويش المختلفة التي لها ميزة الإلهاء والإغراء،والقدرة على”خطف” الطفل والمراهق من درسه المُلْغَز الى عوالم افتراضية رحبة وواسعة.
• لايمكن ان نغفل الطابع الطارئ للتعليم عن بعد،بالنسبة للهيئة التربوية،وصعوبات التكيف مع الوضع الجديد بانتفاء الدرس الحضوري، والتفاعل الحي والمباشر مع التلميذ وغياب تجربة وخبرة في هذا المجال.
• واخيرا،لايمكن ان نغفل الآثار السلبية للوضع النفسي الذي يسود الأسرة والأبناء،فالخبر المهيمن هو جائحة كورونا والإصابات والوفيات والحجر الصحي،والمعاناة الاقتصادية والاجتماعية ، والدور الهدام للإشاعات ، اضافة الى الضغط النفسي الذي يسود بالمنازل،ومشاعر الضيق والملل والضجر، واضطرابات النوم ،أضف الى ذلك مشاعر القلق التي تستبد بالتلميذ لكونه لايستطيع وحده تقييم أعماله وإنجازاته،ولايصل بسبب ذلك الى الشعور بالرضى والقناعة، كما لايستطيع التحكم في الزمن(سابقا وحضوريا 8 ساعات من زمنه مؤطرة الزاميا،وفي زمن الحجرأصبح مسؤولا فجأة عن تدبير 24ساعة) ناهيك عن هواجس كيفية استكمال بقية السنة الدراسية،(الدروس الحضورية المتبقية،مواعيد فروض المراقبة المستمرة،مواعيد الامتحانات..) وموعد العطلة الربيعية،وهي ضرورية بعد هذه المرحلة الطويلة من العزلة المنزلية، والقصف الذهني والنفسي (دروس +أخبار كورونا) للترويح عن النفس،واسترجاع الطاقة الايجابية،لاستئناف الدراسة في ظروف طبيعية وعادية،ومعانقة مقعد الدراسة من جديد..مايضمن تكامل وانسجام عملتي التعليم والتعلم.
وقانا الله شر الوباء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *