تاريخ: نهاية وجود اليهود في الريف

ويبرز السياسي المغربي شمعون ليفي في حوار صحفي سابق[1]، أن هناك “رابطة خاصة بين الديانة اليهودية والمغرب، فمنذ ألفي سنة يعيش اليهود في هذا البلد”، وأنه “لم تكن من قبل مدينة مغربية واحدة تخلو من مكون يهودي يشكل على الأقل 10 بالمائة من عدد سكان المدينة”.
منطقة الريف في المغرب لم تكن استثناءً. غير أن ما أنجز من دراسات حول وجود اليهود فيها، شحيح؛ على اعتبار أن المنطقة، إسوة بمناطق أخرى، كانت “مهمشة وغير خاضعة لسلطة المخزن”، وفق ما يورده الباحث والناشط في الحركة الأمازيغية، محمد أسويق، في مقال منشور له بعنوان “اليهود الأمازيغ بالمغرب الأقصى”.
إضافة إلى أن جل الروايات الشعبية اندثر، وقلما وجدت إشارات للوجود اليهودي في الريف، فإن استقصاء هذا الوجود قد أصبح من الصعوبة بمكان لكل الأسباب الواردة أعلاه. ومع ذلك، وفق المتاح من المراجع، سنحاول في هذا الملف رسم صورة لليهود، الذين عاشوا بالريف إلى حدود نهاية خمسينيات القرن الماضي.
ينحدر اليهود الأمازيغ، إجمالا، وفق أسويق، من قبائل أمازيغية صرفة تعرضت للتهويد في زمن انتشار اليهودية في شمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط؛ كما سيحدث حينما تسيدت ديانات أخرى كالمسيحية والإسلام، وفقا للظرفية والسياقات ومجريات الصراع.
ذات الباحث يلفت النظر إلى أن اليهود الذين طردوا من الأندلس عقب سقوط غرناطة، ليسوا سوى حفدة وخلفا لليهود الذين هاجروا من المغرب قبل عشرة قرون.
هكذا تعايش اليهود و”الأكثر تعصبا في العالم”
اليهود في الريف، أو في منطقة مصطاسة بقبيلة بني كميل تحديدا[2]، لم يعيشوا مجتمعين داخل “الملاح” كما هو العهد بهم في المدن المغربية الأخرى، كما يشير إلى ذلك أوغيست مولييراس، في كتابه “المغرب المجهول.. اكتشاف الريف”[3].
مساكن هؤلاء كانت منتشرة في كل مكان ولم تكن تختلف عن مساكن الريفيين في شيء. لكن ذلك كان مشروطا… ليس لليهودي أن يمتلك شبرا من الأرض أو مسكنا في الريف، ولهذا، تظل مساكنهم في ملكية المسلمين.
بعض من تفسير ذلك أن الريفيين كانوا على وعي بعاقبة تملك اليهود للأرض. ومع ذلك، وجد اليهود سبيلا نحو اختراقهم وأيضا نحو الحصول على حمايتهم. يحسب ذلك لليهود لكون الريفيين، كما يصفهم مولييراس، الأكثر تعصبا في العالم.
يعبر الكاتب عن اندهاشه لوجود اليهود في هذه المنطقة النائية من المغرب، بحيث إنهم نجحوا في العيش وسط سكان مسلمين، “قساة بإطلاق، لا يحتملون مجيء أي غريب إلى ديارهم، حتى لو كان مسلما مثلهم”.
كيف ذلك؟ استعمل اليهود طريقة بالغة الذكاء، إذ جعلوا كل يهودي منهم في الريف، يهوديَّ مسلمٍ ما، بمعنى أن يكون اليهودي رهن إشارة المسلم سيدِّه، جسدا وثروة، فاليهود عرفوا بتخزين الأموال وجمع قطع الذهب، لكن دون استفادة منها.
هذه الحالة، كما وصفها مولييراس، تعد وسطى بين العبودية والتبعية، وتعطي الحق للسيد في ضرب تابعه اليهودي، وقتله أحيانا في حالات السرقة والخيانة وشتم الرسول والاغتصاب وإغراء المسلمة وما إلى ذلك، دون عقاب.
يمكن للمسلم في الريف والحال هذه، أن يشغل اليهودي، وأن يرسله في رحلة ما لقضاء أغراضه الخاصة، كما يمكنه أيضا أن يمنعه من الزواج، وإن زوجه يفرض عليه زوجة ما، بل يمكن أن يطمع في ابنته وزوجته حتى.
لكن مقابل ماذا؟ اليهودي نظير تملك المسلم له، يملك الحق في أن يكون محميا من طرف سيده، الذي يجب عليه الدفاع عن ثروة وأسرة وشخص تابعه، ولو على سبيل حياته.
بجانب ذلك، كان اليهود أيضا يقدمون خدمات للريفيين، بخاصة صناعة ما لا يتقنه هؤلاء، فامتهنوا الحدادة والخرازة والدباغة وصناعة المفروشات وغيره. ما يمكن تسجيله في هذا الصدد، أنه لم يوجد بينهم فلاح واحد، وفق مولييراس.
أما في قبيلة قلعية، فلم يكن لليهود أيضا الحق في امتلاك المساكن، وإنما فقط الحق في اكترائها. ومع ذلك، كان عقد الكراء، وفق مولييراس، يتضمن بندا غريبا، فكراء مسكن ليهودي دائم إلى الأبد، وللمالك وحده الحق في طرد المكتري اليهودي الذي لا يمكنه أن يتخلى عن المسكن من تلقاء رغبته أو أن يطالب بإصلاحه على الأقل.
مما يسجله الكتاب، أن اليهود في مصطاسة كانوا يتعرضون للاحتقار من طرف الأطفال الذين كانوا يجدون لذة سادية في رشقهم بالحجارة، وتوجيه أقذع الشتائم وأفظع الإهانات لهم، لكن اليهود لم يكونوا يعيرون لذلك أي اهتمام.
على أن آباء هؤلاء الأطفال كانوا يمنعونهم بشدة ويوبخونهم من هذا اللعب الهمجي، لكن لا يلبثوا أن يعودوا إلى أفعالهم كلما غابوا عنهم.
بالمقابل، يشير أوغيست مولييراس إلى أن يهود قلعية كانوا يتمتعون بحرية كبيرة، حيث إنهم كانوا يسافرون إلى وهران وطنجة وإسبانيا وأي مكان يرغبون في الذهاب إليه، ولم يكونوا يشعرون بأي تعاسة بالرغم من تبعيتهم للمسلمين، فلكل يهودي سيده، طالما يعودون إلى بيوتهم في طمأنينة، بل واعترفوا بأن الريفيين لا يعاملونهم بأي سوء أبدا.
تفسير هذا التعايش، وفق مولييراس، يعود إلى الاتصال القديم بين المسلمين واليهود الذي سمح بتهدئة الأحقاد العرقية من جهة، وأجبر المسلمين من جهة أخرى على قبول هؤلاء الرحل العالميين، الذين تكلموا لغتهم وارتدوا نفس زيهم، ولا يتميزون عنهم إلا بخصلات شعرهم الطويلة، المتموجة فوق صدغهم إلى حدود ذقنهم.
بأي حال، لا يمكن نفي أنه كانت للمسلمين السطوة على اليهود في الريف، فاليهودي مطالب بأن يدعو المسلم “يا سيدي”، كما أنه مرغم على خلع نعليه والمشي منحنيا وبسرعة عندما يمر أمام المسجد.
في الجزء الثاني… ما كان رأي يهود الريف في مظاهر الإسلام المنتشرة حولهم؟ وكيف حدث أن باتوا في أحد الأيام ولم يصبحوا، موقعين بذلك على نهاية مفاجئة لحكاية وجودهم في الريف؟
اكتشفنا في الجزء الأول من هذا الملف، كيف استطاع أن يتعايش اليهود، والريفيون، الذين اعتبرهم الأنثربولوجي الفرنسي، أوغست مولييراس، في كتابه “المغرب المجهول.. اكتشاف الريف”، الأكثر تعصبا في العالم… في هذا الجزء، الثاني والأخير، نخوض في رأي يهود الريف في ما أحاط بهم من مظاهر الإسلام، كما نختم بقصة نهاية وجود اليهود في الريف.
هل كان اليهود في الريف يمقتون مظاهر الإسلام؟
تقوم فكرة كتاب “المغرب المجهول.. اكتشاف الريف[1]“، على درويش اسمه محمد، يزور قبائل الريف ويحكي ما يلاحظه فيها. في قبيلة مسطاصة، حدث أن كان موجودا بالصدفة بجانب بيت يهودي اسمه مشيشو، فتفاجأ بامرأة يهودية تفتح بابه وتصيح باتجاه زوجها: “يوجد يهودي بالباب وأعتقد أنه حاخام”.
الدرويش كان بخصلاته الطويلة يشبه حاخاما في الحقيقة. ثم أتى مشيشو إلى الباب، وقال للدرويش بلباقة: “الشلام عليكم يا أهل الإشلام”. لكن الأخير رد عليه: “السيلام عليكم”، بمعنى، فلتسقط عليك الحجارة؛ وقد نطق بذلك بسرعة ليتيقن أن اليهودي لن يفهمه.
استقبل مشيشو الحاخام المزعوم في بيته، فلاحظ الأخير أنه ليس بأنظف ولا أوسخ من مساكن المسلمين، لكنه مصبوغ من الداخل على نحو غريب، فحيطانه متنوعة الألوان، بين الوردي والقرمزي وألوان أخرى. ثم سيمضي الدرويش مع أسرة مشيشو بضعة أيام وسيجد حلولا لكل المواقف المحرجة التي ستواجهه خصوصا ما تعلق منها بممارسة الطقوس الدينية.
وليستقصي الحاخام المزعوم رأي يهود الريف في المسلمين ودينهم، سيشير إلى صومعة هناك فوق المسجد الكبير، يرفرف عليها علم أخضر، وسيتساءل: “ما شأن هذه الراية؟”.
مشيشيو سيجيبه بأنها تشير إلى يوم الجمعة وهو يوم حداد بالنسبة للمسلمين. وقد كان يكره التلفظ بكلمة “جمعة”، وفق ما لاحظه الدرويش، كما أن منظر العلم والمسجد يثير أعصابه، بخاصة أنه أدار وجهه وتمتم: “إن المسلمين يخالفون أوامر الله. فقد كان عليهم أن يرتاحوا يوم السبت كما أمر بذلك الرب الخالد، غير أنهم اختاروا الجمعة كي لا يشتغلوا…”.
النقاش استمر طويلا، ولم يرد ذكر تفاصيله في الكتاب، غير أن الدرويش استنتج أن اليهودي المغربي يمقت كل ما هو ليس بإسرائيلي، والعهدة هنا على الراوي!
باتوا… ولم يصبحوا!
كل هذه الحكاية، حدثت في القرن التاسع عشر. في عهد المقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي، نجده قد أبعد اليهود عن سواحل الريف ببضع كيلومترات حتى “يأمن جانبهم”، فأسكنهم في قريتي إمداوشن والجنانات، وفق ما يورده الصحفي ادريس اعفارة، في مقال له منشور بعنوان “من وحي قارب بني بوفراح”.
بعد انتهاء المقاومة الريفية، رخص الإسبان لليهود بالعودة إلى طريس (ضاحية الحسيمة)، وكان ذلك سنة 1942؛ فاندمجوا مع بعضهم البعض، وتحسنت أحوال اليهود وتخلوا عن الحديث بالعربية والريفية، وأصبحوا يتحدثون بالإسبانية، كما لبسوا الأزياء الأوروبية حتى صار من الصعب بمكان التمييز بين اليهودي الريفي وبين الأوروبي.
يذكر الصحفي ادريس اعفارة في المقال الذي تناول فيه يهود بني بوفراح (قبيلة ريفية)، أنه “في إحدى ليالي 1958، وقبيل نشوب انتفاضة الريف التي ووجهت من طرف المخزن بالحديد والنار، بات يهود بني بوفراح ولم يصبحوا، وكأن هاتفا هاتفهم محذرا من غضبة المخزن”.
وفق اعفارة، فإن “اليهود حزموا أمتعتهم ورحلوا بحرا إلى سبتة أو تطوان أو طنجة، ومن هناك تفرقوا، بعضهم ذهب إلى إسبانيا، وأمريكا الجنوبية؛ ويقال -وقد يكون صحيحا- إنهم هاجروا بقضهم وقضيضهم إلى إسرائيل”.
إجمالا، بعد قيام “إسرائيل” سنة 1948 واستقلال بلدان المغرب الكبير، هاجرت مجموعات يهودية متكاملة. معظم اليهود اتجه إلى اسرائيل، فيما استقر البعض الآخر بفرنسا واسبانيا وكندا، أو في أماكن أخرى. مع ذوبان هذه المجتمعات التي عمرت ألفي سنة في المغرب، اختفى أسلوب كامل لبنيات قديمة وتقاليد لغوية وثقافية غنية وأصيلة، حسب ما يورده المؤرخ المغربي حاييم الزعفراني في كتاب “ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب”.
هكذا، انتهت حكاية وجود يهودي راسخ بالريف؛ فباتوا في أحد الأيام، وحدث أنهم لم يصبحوا، إلا مما ظل اليوم شاهدا عليهم، كبعض الحرف التي نقلوها إلى الريفيين، أو بعض الأمثلة التي نسجت عنهم: “بحال اليهودي، ما يفلح ما يبني”، “فلان لبس شاشية اليهودي”، “بحال اللي كايعسر اليهودي يسلم”، “اعمل الخير فاليهود، يحفظك الله من العدا والحسود”…
