تدبير التنمية بالجماعات الترابية وإكراهات الثقل الرقابي في أفق النموذج التنموي الجديد؟

اريفينو: د عماد ابركان

ليس من المبالغة إذا تم القول أنه بالرغم من تطور الجماعات الترابية في المغرب وبالرغم من المبادرات المتخذة والجهود المبذولة في هذا المجال، فإنها ما تزال رهينة الخضوع والتبعية الشبه المطلقة للمركز ولممثلي السلطة المركزية على المستوى المحلي. وذلك بفعل تلك الرقابة الإدارية الصارمة والمشددة التي تم تكريسها قانونيا، وترسيخها بصفة خاصة على مستوى الممارسة. فالمجالس المنتخبة تعوزها الضمانات القانونية والممارستية الكافية، إلى جانب نقص الإمكانات المالية والبشرية، حيث يعتبر مجال اختصاصها جد مقيد، وهامش مبادرتها ضيق جدا، بسبب ثقل الوصاية وشدتها. وعليه إذا كانت انعكاسات الثقل الرقابي على استقلالية الجماعات الترابية كثيرة ومتعددة ومترابطة، فإنها تتجلى وتبرز بالخصوص على مستوى التخطيط والتدبير. أو بعبارة أخرى في مبدأ المبادرة الذي يتأرجح من جهة بين التخطيط التنموي بالجماعات الترابية وإكراهات الثقل الرقابي، ومن جهة أخرى بين تدبير العمل التنموي بالجماعات الترابية والمعوقات الرقابية.
لقد أضحى التخطيط التنموي بالجماعات الترابية أحد الركائز الأولية والأساسية للتدبير الترابي الجيد والمعقلن، والتجلي الأساسي للاستقلال الإداري والمالي والشخصية المعنوية الاعتبارية للوحدات المحلية المنتخبة، خاصة في أفق البحث عن نموذج تنموي جديد. إذ أن تكريس مبدأ المبادرة وإنجاز وتحقيق التنمية المحلية المستدامة، يستوجب أولا وضع تخطيط مسبق ومحكم بتسطير كيفية الوصول إلى الأهداف والغايات التنموية مع حصر مدة الإنجاز بأكبر دقة ممـــكنة. ثم ينبغي العمل بعد ذلك -في الأصل- وفق ما تم تحديده في المخطط التنموي، من خطط وبرامج ومشاريع.
وعلى هذا الأساس، يعد التخـــطيط الذي هو عبارة عن مجموعة من القرارات والتدابير التي تتخذها المجالس الجماعاتية لتحديد وبلوغ أهداف تنموية في مدة زمنية محددة، أبرز مظهر من مظاهر وتجليات مبدأ المبادرة. وهو لذلك يعتبر أهم وسيلة وأنجعها في تحقيق تنمية محلية شمولية مستدامة، تهم كافة المستويات والأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها. بل يمكن القول وبنوع من التأكيد أن المخططات المحلية التي يفترض أن تضعها الجماعات الترابية في تكاملها مع المخطط العام للدولة، تمثل منطلق التنمية الشاملة على الصعيد الوطني، والركن الأساسي في النموذج التنموي الجديد الذي نحن عليه مقبلون. حيث بمقتضاها -لولا التحديات والمشاكل المعترضة- ينبغي أن يتم رسم خريطة جميع المشاريع والأوراش التنموية المراد إنجازها على مستوى عموم التراب الوطني، في المدة الزمنية المحددة، وبالوسائل المتاحة.
إلا أن هذا الأمر على المستوى النظري فقط، أما على المستوى الواقعي فرغم تلك الأهمية التي تمثلها مسألة التخطيط التنموي بالجماعات الترابية، فإنها تعاني إلى جانب مشاكل متعددة من إكراهات الثقل الرقابي. حيث التشدد الوصائي والمبالغة في الرقابة الإدارية تعتبر من أولى العقبات التي تحد من حرية الجماعات الترابية في التخطيط. فالرقابة الإدارية (الوصاية) والمراقبة المالية التي تثقل كاهل الجماعات الترابية والتي كشفتها الدولة نفسها من خلال المناظرات الوطنية للجماعات المحلية المتعاقبة، لم تعرف تطورا ايجابيا في اتجاه تخفيفها، بل بقيت تلك الآثار الرقابية نفسها كقوة مكبلة ومعرقلة منذ ستينيات القرن الماضي. وذلك على الرغم من بعض الإصلاحات الشكلية في الرقابة، التي كانت تتم هنا وهناك مع كل تعديل قانوني.
وهكذا بقيت وفي نفس الصدد توصيات تلك المناظرات بخصوص تخفيف الرقابة الوصائية دائما حبرا على ورق ولم تجد طريقها للتنفيذ، وذلك رغم كل النداءات والمطالبات المتواترة بالتفعيل. ومن هنا وفي ظل سيف الوصاية المسلط على رقاب المجالس الجماعاتية، يصعب الحديث عن حرية المبادرة أو استقلال تلك المؤسسات التمثيلية، وبالأحرى قدرتها على وضع المخططات التنموية وتنفيذها لتتمكن من تحقيق تنميتها المستدامة والمنشودة.
إن الحديث عن التخطيط التنموي بالجماعات الترابية وإكراهات الثقل الرقابي، أو مناقشة مدى قدرة الجماعات المحلية على التخطيط التنموي المحلي، لا يمكن أن تتم إلا باستحضار مختلف المعطيات والمكونات أو العناصر المتصلة بنيويا أو وظيفيا، بالنشاط الإداري والمالي المحلي. ومن ثم بدرجة الاستقلال المالي والإداري الترابي، وكذا بالقدرة التوقعية والتدبيرية للمجالس المحلية وبمجالات تدخلها وممارستها لاختصاصاتها التنموية.
وعلى هذا الأساس، وباعتبار الأهمية التي تكتسيها المخططات التنموية في سياق التدبير الترابي وتكريس مبدأ المبادرة، فهي وبصرف النظر عن الإشكال القانوني تطرح من جهة إشكال محدودية دور أو مهام المنتخبين والمجالس التداولية في إطار إعداد وتنفيذ المخططات التنموية (برامج التنمية المحلية)، ومن جهة ثانية، إشكالا في مسألة إعداد وتنفيذ الميزانيات المحلية وعلاقتها بالتخطيط، حيث يرتبط ذلك منهجيا بالنظام الرقابي ككل وبتمظهراته المختلفة، وبمجالات التدخل المركزي في هذا المجال.
وإذا كان من الناحية المبدئية قد يبدو أن المشرع المغربي عندما فكر في إحداث الجماعات الترابية بمستوياتها الثلاث (الجماعات، العمالات والأقاليم، والجهات)، وقام بمنحها صلاحيات واختصاصات تجعل منها مؤسسات دستورية وهياكل إدارية فاعلة ومتدخلة في كل الأمور المتعلقة بالشأن العام المحلي -في إطار اللامركزية الترابية- قد جعلها إحدى أدوات التنمية وفاعلا اقتصاديا إلى جانب الفاعلين الوطنيين الآخرين، فإنه في الواقع ونتيجة التردد والهواجس التي تعتري بعض المستفيدين من الوضع، من الديمقراطية المحلية وتوسيع مجال الحريات، ومن الديمقراطية بصفة عامة لم يفعل ذلك حقيقة. بل كرس من الناحية التشريعية والممارساتية رقابة إدارية صارمة شديدة ومبالغ فيها، ليس لها ما يبررها واقعيا سوى الرغبة في السيطرة وضمان استمرار امتيازات المستفيدين من الوضع، حيث الهيمنة والتحكم التام في العمل المحلي.
إن الاختصاص الممنوح للجماعات المحلية في مجال إعداد المخططات أو ما أصبح يسمة ببرنامج الجماعة، يعتبر مبدئيا جد مهم، من حيث ترسيخ الديمقراطية المحلية خاصة بالنسبة للجماعات الحضرية والقروية سابقا. إذ كان من شأنه أن يمكن مجالسها من إمكانية التداول والنقاش وتبادل الآراء واستشارة الخبراء في هذا المجال، وذلك قصد إعداد تخطيط نموذجي متكامل وهادف إلى تحقيق التنمية المحلية. لكن ذلك غير موجود على المستوى الواقعي والممارساتي، حيث ضعف الجماعات الترابية من جهة، وتجبر سلطات الوصاية من جهة أخرى.
ولا غرو هنا، أن التخطيط لا يعتبر من متطلبات الاستقلال المالي والإداري للجماعات الترابية فقط، بل هو من مستلزمات الحكامة الترابية وهو الجوهر والأساس في التنظيم اللامركزي الترابي من خلال انبثاقه عن مبدأ المبادرة. فالتفعيل الحقيقي لسياسة اللامركزية الترابية وإدارة القرب وتكريس الحكامة المحلية، لا قيمة له دون وجود قدرة وحرية في التخطيط والتدبير التوقعي للشأن العام المحلي. ذلك من جهة ومن جهة أخرى فإن الدولة ومهما بلغت قوتها ومركزيتها، لا ولن تستطيع أن تنجز تنمية شمولية ومستدامة وتحقق ديمقراطية وحكامة ترابية، ما لم تشرك المجالس المحلية المنتخبة في ذلك تخطيطا وإعدادا وتدبيرا. حيث تعتبر هذه الأخيرة -من الناحية المبدئية- الأجدر والأولى بالتخطيط التنموي المحلي نظرا للإلمام بمشاكل السكان وطموحاتهم.
وارتباطا بما سبق، نجد أنه إذا كان الهدف من التخطيط بالجماعات المحلية لا يمكن أن يكون بمعزل عن الأهداف والغايات التي تطمح إليها الدولة بكل مكوناتها، وكان الهدف الأسمى للجميع هو تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة والمستدامة، فإن وحدة الهدف والمقصد في المقابل لا يستلزم ولا يعني بالضرورة توحيد الرؤى والوسائل ومناهج العمل، بل ينبغي ويجب أن يكون هناك هامش من الحرية والمبادرة لكل طرف على حدة. فالجماعات الترابية كأشخاص معنوية عامة أحدثت بمقتضى اللامركزية الإدارية الترابية لتكون تحت سيادة الدولة ولكن شريكا لها في التدبير العمومي وفي التنمية المحلية. وهكذا يمكن القول أن فرض السلطات المركزية لتصورها واختياراتها في سياق البحث عن نموذج تنموي جديد عن طريق تشديد الرقابة الوصائية بالخصوص، يعتبر أمرا معيبا وسلبيا ولا يخدم الأهداف التنموية من قريب ولا من بعيد. حيث يتنافى مع مبادئ اللامركزية الترابية ومع مقتضيات الديمقراطية المحلية، بل يتنافى في المغرب حتى مع ما يعلن عنه الخطاب الرسمي، وما يسمى بالخيار الديمقراطي الذي يدعي المغرب اختياره منذ مدة طويلة. فوضع المخططات التنموية المحلية مسألة مهمة وأساسية وتحتاج إلى حرية مالية واستقلالية إدارية كبيرة، ومبادرة أكبر للجماعات الترابية المنتخبة، إن على مستوى إعداد وتنفيذ التخطيط الجماعاتي، أو على مستوى تقدير وتدبير الميزانيات المحلية، حيث تنزيل وبرمجة بنود تلك المخططات في وثائق الميزانيات السنوية.
وبالرجوع إلى الواقع مرة أخرى، نجد أن مسألة الحرية في الاختيارات التنموية للوحدات المحلية المنتخبة، غير موجودة على مستوى الممارسة التي تم تكريسها لحد الآن، والسبب في ذلك هي تداعيات اختلال منظومة الرقابة على الجماعات الترابية. فالمجالس المحلية المنتخبة، ظلت على الدوام وباستمرار مقيدة باحترام أولوية برامج المخططات الوطنية للتنمية. بل الأكثر من ذلك فإنه -بفعل ما يسمى بالوصاية الموجهة لمشاريع ميزانيات الجماعات الترابية- وقبل إدراج أي برامج محلية في مشروع الميزانية، يجب مراعاة توجيهات وأوامر السلطة المركزية في مجال إدارة التنمية المحلية، عكس ما يفترض فيها. وهي أن التخطيط التنموي يعتبر من صلاحيات المجالس المنتخبة وحدها، طبقا لما يقتضيه مبدأ المبادرة الذي هو قلب وجوهر اللامركزية الترابية. وفي هذا الإطار أيضا وتكريسا للتحكم والهيمنة تحتكر سلطات الوصاية -وذلك هو الأدهى والأكثر خطورة – حتى المعلومات والمعطيات الأساسية المطلوبة لإنجاز الميزانيات المحلية، حيث تتحكم فيها بسلاسة وتحتكرها لأسباب مجهولة قانونيا. وهي معروفة واقعيا وممارساتيا بحيث لا تخرج عن إطار أمرين أساسيين، وهما مخاوف بعض والمسؤولين المركزيين من تعميق الممارسة الديمقراطية المحلية، ثم مأرب ومصالح أولئك المسؤولين والموظفين المركزيين التي تتعارض مع منح استقلالية وحرية أكبر للوحدات المحلية المنتخبة.
إن التخطيط التنموي المحلي يفترض أن يشكل الأساس المنهجي والموضوعي لعمل ونشاط الوحدات اللامركزية، فالمخططات المحلية تخول إلماما شموليا بوضعية الجماعة الترابية المعنية ومستلزمات تنميتها، والوسائل المتاحة والإمكانيات المتوفرة لذلك. وهو ما من شأنه أن يجعل تدخل تلك الهيئات مبنيا على معطيات علمية موضوعية تؤطر النشاط المالي والتدبير الإداري في نفس الوقت. كما قد يمكن التخطيط كل الجهات المعنية من متابعة فنية وتقنية تبدأ من وضع أسس التدخل المنهجي ولا تنتهي بالضرورة عند تنزيل تلك المخططات التنموية وتنفيذها والشروع في إنجاز البرامج، بل لابد من تتبع وتقييم المشاريع والبرامج الموجود في المخططات إلى غاية تحققها في الممارسة وعلى أرض الواقع.
وهكذا تعتبر المخططات الجماعية ذات أهمية بالغة لا جدال فيها من الناحية المبدئية، لكن بالرجوع إلى واقع الممارسة خاصة بالجماعات التي عرفت نوعا ما سياسة التخطيط منذ مدة، سنجد أن هناك مجموعة من التحديات والإكراهات التي تحول دون فعالية ونجاعة المخططات في تحقيق الأهداف التنموية، إلى جانب الإكراه الرقابي. لكنها في معظمها تعتبر من المخلفات والتداعيات الرقابية وخاصة ثقل الوصاية على الجماعات الترابية وتعدد تجلياتها. فخضوع الميزانيات الجماعية للرقابة المسبقة لسلطات الوصاية يؤدي بشكل ضمني إلى خضوع المخططات الجماعية للتنمية للمراقبة القبلية، حيث أن المخططات لابد لها من برمجة مالية لتنفيذها، والمجال المالي كما هو معلوم يعتبر مرتعا ومعقلا للتشدد الرقابي والوصائي. ومن هنا تتهاون الجماعات الترابية في التخطيط، ويتهاون المسؤولون المكلفون بإعداد المخططات إن وجدوا في بعض الجماعات، مادام أن سلطات الوصاية باستطاعتها أن تغير كل شيء سواء بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة عن طريق التأثير المالي. وعلى هذا الأساس، يمكن التأكيد على أن المخططات الجماعية للتنمية تنجزها في الحقيقة سلطات الوصاية، ممثلة في وزارة المالية إلى حد ما وبصفة خاصة في وزارة الداخلية.
وعلى صعيد آخر، ومما يزيد الأمر تعقيدا، ويزيد من تداعيات الرقابة على التخطيط التنموي بالجماعات الترابية تفاقما وتكريسا واقعيا، هو تدني المستوى الثقافي والقانوني لرؤساء الجماعات. فإعداد مخطط التنمية الجماعية يحتاج إلى كفاءات ومؤهلات وإلى خبرة في ميدان التسيير الجماعي والشأن العام المحلي، وهو ما لا يوجد في معظم الجماعات خاصة القروية منها. وهنا لابد من تدخل رجال السلطة، حيث تجد سلطات الوصاية مرة أخرى ضالتها ومبتغاها للتحكم في سياسة التخطيط المحلي، وتكيفها مع أهدافها ورغباتها واعتباراتها الخاصة. ومن ثم هي التي تقوم بإنجاز تلك المخططات بشكل مباشر، تحت مبرر العجز أو عدم الكفاءة في إدارة وتسيير شؤون الجماعة الترابية المعنية.
هذا وتعاني النخبة السياسية المحلية بالمغرب من اعتلالات وتشوهات عديدة تتسبب في الثقل الرقابي، ولا شك أنها ستحول دون المساهمة الفعالة في النموذج التنموي الجديد، ويمكن إجمال أهم مظاهرها فيما يلي:
• ضعف القدرات والمؤهلات : يُعد غياب أو تواضع القدرات والمؤهلات الفكرية والإدارية والتنظيمية من أبرز سمات النخبة السياسية المحلية بالمغرب، فهي نخبة تجيد رفع الشعارات في الحملات الانتخابية، والحديث عن إنجازات وهمية، والانشغال بقضايا وصراعات صغيرة، لكنها بالمقابل هي نخبة متعثرة وفاشلة وعاجزة مهترئة بمعايير المهنية والكفاءة سواء على مستوى المبادرة أو الممارسة. فتدنى مستوى أداء النخبة الحاكمة خلال العقود الخمسة الماضية كان العامل الرئيس في تفاقم حدة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، واستشراء الفساد، وانتشار الفقر والبطالة والهشاشة.
• الفجوة بين الخطاب والممارسة أو ما يسمى بمعضلة انعدام أو ضعف المصداقية : تعانى النخبة السياسية المحلية من غياب أو ضعف المصداقية، حيث تمثل الفجوة بين القول والفعل ملمحاً جوهرياً في أداء هذه النخبة. فالخطاب السياسي يؤكد ليل نهار على أن المغرب يعيش أزهى عصور التنمية والحكامة الترابية والديمقراطية خاصة المحلية، وأن معدلات النمو الاقتصادي العالية دليل على سلامة التدبير العمومي، وأن المغرب نموذج تنموي صاعد يقتدى به من طرف الدول الأخرى. ولكن على صعيد الواقع كانت تجرى عمليات ترسيخ التسلطية من خلال وسائل ديمقراطية شكلية، وكانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لقطاعات واسعة –خاصة على المستوى المحلي- تتجه من سيئ إلى أسوأ، ناهيك عن استشراء الفساد وتحوله إلى مؤسسة ضخمة وقوية، بل والأخطر تحوله إلى ثقافة والتطبيع معه. كما أن روابطه على المستوى المحلي كانت ولا تزال تزداد عمقاً ورسوخاً.
إن أزمة النخبة السياسية المحلية بالمغرب ليست وليدة عوامل ظرفية مؤقتة، ولكنها نتاج لمجموعة من العوامل والممارسات السياسية والثقافية والاجتماعية السيئة التي تراكمت على مدى عقود، ويمكن إجمال أبرزها فيما يلى:
– رسوخ التسلطية والاستبداد على المستويين الثقافي والسياسي؛
– اعتماد الثقة والنفعية الضيقة وليس الكفاءة كمعيار للتنخيب السياسي؛
– هشاشة التنظيمات الحزبية والمدنية (ظاهرة الدكاكين الحزبية)؛
– تعدد مسالك الفساد والإفساد (الزواج غير الشرعي بين السلطة والمال).
أما بخصوص آثار وتداعيات ما تعانيه النخبة السياسية على التدبير العمومي فمهما قيل من قبل ومهما ما قد يقال في هذا المقام، فإنه يبقى غيضا من فيض. فظاهرة الفساد الإداري بالوحدات المحلية المنتخبة تعتبر من الظواهر التي تنخر في جسم مكوناتها وبدأت بالتدبير الإداري، وما تبعه من شلل في عملية البناء والتنمية الاقتصادية والقدرة الحكماتية. وبالتالي عجز تلك الجماعات الترابية على أداء وظائفها الإدارية والتأطيرية والتدبيرية، وبالأحرى عن مواجهة تحديات التنمية البشرية المستدامة في كل تجلياتها وبمفهومها الشمولي ومقوماتها المختلفة. أو بعبارة أخرى فقد تم بفعل اعتلالات النخب السياسية تكريس انتشار ظاهرة الفساد الإداري التي أصبحت هي الأصل أو القاعدة، في حين أصبح التدبير الترابي المناسب والمطلوب استثناءات في تجربة المقاربة الترابية المغربية. ولا مظنة أن ظواهر أو مظاهر الفساد هي التي أضحت تعرقل التنمية بجميع الجماعات الترابية، وإن كان ذلك بنسب متفاوتة بينها، حسب الظروف والأحوال والمحيط، ومختلف الأوضاع والعوامل المتحكمة في كل جماعة ترابية على حدة.
ويمثل الفساد الإداري هنا -الذي هو الانحراف والجنوح السلبي والوظيفي داخل الجماعات الترابية- سلوكا مخالفا ليس للقانون فقط، بل للأعراف الاجتماعية والقيم الدينية والأخلاقية، ويقصد منه تحقيق منافع ومآرب شخصية وامتيازات ذاتية غير مستحقة. وتعتبر كل السلوكيات التي تنطوي عليها منظومة الفساد الإداري متفشية ومنتشرة بالجماعات الترابية نتيجة اعتلالات النخبة السياسية المحلية، وهي مظاهر لا شك أنها مؤثرة في نجاعة التدبير العمومي ككل، وفي التنمية البشرية الوطنية نظرا للعلاقة الجدلية الموجودة بينهما.
وإذا كانت تلك المظاهر كثيرة ومتعددة ولا يمكن حصرها بأي حال من الأحوال، فإننا نجد منها على سبيل الذكر لا الحصر، التباطؤ في أنجاز المعاملات وخاصة المهمة والمستعجلة منها، وسوء التدبير والتماطل في تنفيذ المشاريع التنموية. واتساع دائرة الشطط والتعسف في استعمال السلطة، وانغلاق التدبير المحلي وثقل البيروقراطية. وكذا تعقيد المساطر الإدارية وضعف التواصل، وغياب المساهمة الفعالة في إعداد وتنفيذ مخططات ومشاريع التنمية المحلية. هذا ناهيك عن تفشي الظواهر أو مظاهر الفساد التقليدية المعروفة، والتي غالبا ما يكون لها طابع بنيوي عميق يضرب في جذور المجتمع المحلي. حيث انتشار وتفشي مظاهر الرشوة والمحسوبية والمنسوبية والمحاباة والوساطة، والابتزاز والتزوير وغيرها من الظواهر التي تنتشر نتيجة عدم الالتزام بسيادة القانون. أو نتيجة لعدم تحكيم القيم والمبادئ الأخلاقية في التعامل الإداري والتساهل في المتابعات وشيوع حالات اللاعقاب والتواطؤ أو التكالب من أجل تحقيق المآرب الضيقة.
وإذا كان لاعتلالات النخب السياسية المحلية تبعات سلبية، كثيرة ومتعددة على التدبير الإداري بالجماعات الترابية، فإن تأثيرات وتداعيات ومخلفات ذلك على التدبير المالي بتلك الجماعات أدهى وأمر، وأكثر وقعا وهولا على التنمية المحلية وعلى الحكامة الترابية عموما. حيث أن بعض الجماعات الترابية لا تعرف أخطاء واختلالات مالية وانحرافات في الميزانيات من المستوى الاعتيادي المألوف، بل يحدث فيها أحيانا من السلوكيات والأفعال والتصرفات ما يمكن تصنيفه ضمن الجرائم المالية الكبرى.
هذا فضلا عن كون الممارسة والتجربة الواقعية قد أثبتت أن الأصل في التدبير المالي للجماعات الترابية -وبدون مبالغة- هو الاختلالات والعلل والنواقص المتعددة، إذ ناذرا إن لم يكن معدما ما تكون السنة المالية بإحدى الوحدات المنتخبة، سليمة من الانحرافات والاختلالات المالية الكبرى. وذلك بصرف النظر عن الأخطاء الصغرى المعتادة، وبصرف النظر عن الاختلالات المصرفية أو المحاسبية أو التدبيرية أو غيرها من المظاهر المالية المشينة، التي تعتري النفقات والموارد المعتادة والمألوفة بالجماعات الترابية.
ومن هنا ولكل تلك الاعتبارات، يمكن القول بصدد تأثير اعتلالات النخبة السياسية على التدبير المالي بالجماعات الترابية، أنها ظاهرة أخطر وأسوء من الفساد الإداري. وقد أفرزت تلك الاختلالات واقعا محليا سيئا، عليلا ومختلا، يسوده الفساد المالي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ومن ثم لا يصلح للتنمية أو للحكامة الترابية، أو حتى لتأطير المواطن إداريا من خلال التدبير والتسيير الروتيني أو تصريف أعماله اليومية.
ولعله من كثرة مظاهر وتجليات الاختلال المالي بالجماعات الترابية وتمظهراته بات يصعب كثيرا أو يكاد يكون مستحيلا، حصر مختلف مظاهر وتجليات تأثير اعتلالات النخبة السياسية على التدبير المالي المحلي. أو بعبارة أخرى أكثر وضوحا، استعصاء الإحاطة بجميع تجليات وتمظهرات الفساد المالي بالجماعات الترابية، والناتجة عن اعتلالات النخب السياسية. ولعل ما ترصده المجالس الجهوية للحسابات في هذا الإطار وتتضمنه تقارير المجلس الأعلى للحسابات سنويا، لخير دليل على ذلك. هذا ناهيك عن ما ترصده وتتحدث عنه بشكل دائم وسائل الإعلام المختلفة، ومؤسسات المجتمع المدني ومختلف مكونات الرأي العام الوطني والمحلي وغيرها.
هذا، وتجدر الإشارة قبل الختم أن القوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية، إذا كانت قد نصت بصريح العبارة على أن تضع الجماعة الترابية تحت إشراف رئيس مجلسها برنامج عملها (مخطط التنمية سابقا) وتعمل على تتبعه وتحيينه وتقييمه، فإن المحدد هنا من خلال مدى تأثير الرقابة في البرامج التنموية التي سيتم إنجازها سيعود للممارسة وما سيكشفه التطبيق على أرض الواقع. وعموما يمكن القول أن تداعيات الاختلال الرقابي، (التشدد الوصائي بالخصوص) وتأثيراته السلبية على التخطيط التنموي بالجماعات الترابية كبيرة وبادية للعيان ولا شك فيها، حيث التأثير السلبي المباشر على الاستقلال الإداري والمالي لتلك الوحدات المنتخبة، وعلى مبدأ المبادرة بالخصوص تخطيطا وتدبيرا. لتصبح بذلك الاختصاصات المخولة للجماعات الترابية بمقتضى القانون ولحد الآن ضعيفة ومحدودة، ليس لها من المبادرة ومن أسلوب اللامركزية الترابية ومبدأ الديمقراطية المحلية إلا النزر اليسير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *