حرية جزئية ونشاطات مقيدة… كيف تعيش فرنسا أول أيام تخفيف الحجر الصحي؟

استعاد عشرات الملايين من الفرنسيين حرية جزئية الاثنين مع بدء تخفيف الحجر الصحي ورفع الكثير من القيود التي فرضت لاحتواء تفشي فيروس كورونا. فسمح للسكان بالخروج من منازلهم دون تصاريح، باستثناء التنقلات التي تزيد عن 100 كيلومتر، والتي لا يُسمح بها إلا لأسباب مهنية أو لتشييع الجنازات أو رعاية المرضى. كما عادت عدة محلات وأنشطة تجارية للعمل، على غرار صالونات الشعر، بعد توقف دام 55 يوما.
وتم فرض إجراءات للحد من خطر انتشار الوباء، وتلافي موجة ثانية لتفشي الفيروس في البلاد.
كيف تبدو العاصمة الفرنسية في أول أيام تخفيف الحجر الصحي؟
ففي باريس، أفادت موفدة فرانس24 إلى محطة دانفير-روشورو للمترو بوسط باريس مايسة عواد أن حركة المواصلات داخل المدينة وتحديدا المترو ستكون شبه طبيعية، ولكن مع فرض ارتداء الكمامات على الركاب، وفرض احترام التباعد الاجتماعي.
إذ تم تخفيض عدد ركاب القطار الواحد من نحو 800 إلى ما لا يزيد عن 180، ووضعت إشارات تمنع الجلوس على بعض المقاعد لفرض مسافة آمنة بين الركاب. كذلك سيفرض على ركاب المترو حمل تصاريح عمل خلال ساعات الذروة، وسيتم تكثيف عمليات تنظيف وتعقيم وسائل النقل العمومي. وأكدت موفدة فرانس24 أن الباريسيين متقيدون بالإجراءات وخصوصا ارتداء الكمامات، ولكنهم يشتكون من اشتراط حمل تصاريح العمل خلال ساعات الذروة.
أما جادة الشانزليزيه الشهيرة، فقد بدأت الحركة فيها تعود بشكل تدريجي، وفق ما نقله موفد فرانس24 إلى هناك عبد الله ملكاوي، إذ فتحت عدة محال تجارية أبوابها استعدادا لاستقبال الزبائن، ولكن مع مراعاة إجراءات الوقاية من انتشار المرض.
وقام عدد من المحلات برسم خطوط على الأرض لفرض مسافات آمنة بين الزبائن، وستكون المتاجر مضطرة لاستقبال أعداد أقل من الزبائن الذين سيفرض عليهم ارتداء الكمامات. وأكد موفد فرانس24 أن الحركة في محلات الجادة الشهيرة بدت حذرة، مع أعداد زبائن قليلة.
الأطباء يراقبون تخفيف الحجر الصحي بحذر
وفي حديث لفرانس24 قال الطبيب المختص في أمراض الرئة والتنفس أنطوان أشقر إن الأطباء في فرنسا يراقبون الوضع بحذر مع تخفيف الحجر الصحي في البلاد.
واعتبر أشقر أن الحفاظ على الإجراءات الوقائية أمر أساسي للتقليل من مخاطر موجة تفشٍ ثانية للوباء. وأكد أن العيادات والمراكز الطبية عادت لاستقبال المراجعين وتقديم الاستشارات الطبية مع الأخذ بإجراءات الوقاية.
ويبدو أن العزل الحازم وغير المسبوق الذي فرض على السكان منذ 17 مارس/آذار بدأ يؤتي ثماره، فقد انخفضت الحصيلة اليومية للوفيات في فرنسا مساء الأحد حتى 70 حالة، العدد الأدنى حتى الآن.
لكن مع حصيلة وفيات إجمالية تفوق 26 ألفا وهي من بين الأعلى في العالم، وبعد ظهور ثلاث بؤر عدوى جديدة في غرب البلاد، دعا المسؤولون الفرنسيون إلى الحذر مع استعداد ملايين الفرنسيين إلى الخروج من بيوتهم والعودة إلى أعمالهم من أجل تنشيط الاقتصاد المشلول تقريبا منذ شهرين.
لماذا بدأ تخفيف الحجر في فرنسا بالرغم من استمرار خطر الوباء؟
قبل ساعات من بدء تخفيف الحجر الصحي كتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تغريدة “بفضلكم، الفيروس تراجع. لكنه لا يزال هنا. أنقذوا الأرواح، كونوا حذرين”.
كذلك نصح وزير الصحة أوليفييه فيران بتطبيق “الحجر الذاتي” عبر تحلي المواطنين بالوعي في تصرفاتهم اليومية للوقاية من العدوى، وتلافي موجة ثانية من تفشي الوباء في البلاد.
وفي ظل هذه الظروف والمخاوف من عودة المرض إلى التفشي في فرنسا، اعتبر عمر المرابط نائب عمدة مدينة أتيس مونس بالمنطقة الباريسية أن الدافع الأساسي وراء تخفيف إجراءات الحجر الصحي هو دافع اقتصادي، نابع من الخوف على اقتصاد الدولة الفرنسية من الانهيار.
وأكد المرابط في حديث لفرانس24 أن بلديات فرنسا تستعد بحذر شديد لعودة فتح بعض المدارس أبوابها، مؤكدا أن الحكومة صادقت السبت على قانون يخفف المسؤولية القانونية لرؤساء البلديات من نتائج تخفيف الحجر الصحي على صحة السكان، وبشكل خاص طلبة المدارس، وهو ما يعني برأيه توقع الحكومة لظهور إصابات بين التلاميذ.
كذلك رأى محلل الشؤون الدولية في فرانس24 خالد الغرابلي أن الاقتصاد هو سبب تخفيف إجراءات الحجر في فرنسا، مع تقديرات بأن فرنسا تخسر يوميا ملياري يورو بسبب الحجر الصحي، إلى جانب ارتفاع عدد العاطلين عن العمل.
ورأى الغرابلي أنه في ظل غياب وجود علاج أو لقاح لفيروس كورونا، واستمرار الأزمة التي يفرضها على المدى المنظور، فإن الدولة تسعى للتعايش مع المرض وتخفيف الخسائر. فمعظم الشركات لن تعمل بكامل طاقتها للحفاظ على التباعد الاجتماعي. كذلك فإن قطاعات عدة ستبقى مغلقة، أهمها الطيران والسياحة.
يضاف إلى العامل الاقتصادي الوضع النفسي للفرنسيين، بحسب الغرابلي، إذ إن طول فترة الحجر الصحي يثير مخاوف بشأن احترام المواطنين لإجراءات التباعد الاجتماعي.
من جانبه نقل الصحافي المختص بالاقتصاد في فرانس24 خالد كراوي عن معهد الإحصاءات الفرنسي أن الأنشطة الاقتصادية التي لا تزال مغلقة ولن تعاود العمل مع تخفيف إجراءات الحجر الصحي، وهي المطاعم والمراكز الثقافية والرياضية، قد كلفت الدولة خلال الشهرين الماضيين نحو 120 مليار يورو، وهو ما يعادل 5% من الناتج الإجمالي المحلي.
وأكد كراوي أن نمط استهلاك الفرنسيين بعد تخفيف قيود الحجر الصحي هي التي ستبين الأثر الاقتصادي بعد هذا الإجراء، إذ أشار معهد التوقعات الاقتصادية الفرنسي إلى أن سكان البلاد قد ادخروا أكثر من 55 مليار يورو خلال الشهرين الماضيين. ويرى محللون اقتصاديون أن سياسة الادخار هذه ستستمر بعد تخفيف إجراءات الحجر الصحي بسبب ضعف ثقة الفرنسيين بالسياسات الأوروبية.
