حين تنكسر الذات على صخرة المحارق

قراءة في رواية ((شظايا حارقة)) للأديبة المغربية أمنة برواضي حين تنكسر الذات على صخرة المحارق
قراءة في رواية ((شظايا حارقة)) للأديبة المغربية أمنة برواضي
1ــ توطئة
كل أديب يحلم بغد أفضل معشوشب الصباحات، رقراق المساءات، له تطلعات بلا حدود وانتظار شاسع ومتمنيات عالقة، غير أن الظروف المعاكسة تقف عائقا في وجه تحقيق أحلامه، فيعيش صراعا لانهائيا مع ما يريد ويبتغي ولا يدركه في ظل غياب الآليات والإمكانات، لذا لا يجد إلا الحرف وسيلة لتخفيف ذاك السيل من الهموم الجاثم على القلب، يَقلَق ينفعل، فيُشهِر قلمه لينازل توتره الحاد على البياض.. ومن هنا ندرك أن المبدع لا يكتب من أجل تكريس الاسم أو التباهي باللقب، أو اعتلاء المنابر مع ثلة من الأدباء في تظاهرة أدبية، وإنما جحافل أشياء كثيرة تقض مضجعه، منها ما هو ذاتي ومجتمعي وسياسي واقتصادي، ناهيك عن بعض التجارب التي عاشها ولم تملأ قلبه بما يسر ويرضيه، دوافع كالسهام تستوطن القلب فتنتفض المشاعر ويتحرك الوجدان وتهتز الذات، فتتسربل الحروف والكلمات فاكّة عِقالها من اللسان لتنزل دفعة واحدة … وأديبتنا أمنة برواضي كغيرها اكْتَوت بالهموم القادمة من المجهول..
2ـــ (شظايا حارقة) نزيف منهمر
هو عنوان الرواية الممتدة على 215 ص من الحجم المتوسط في طبعتها الأولى سنة 2014، فقبل تقليب تربة المحتوى لابد من إلقاء نظرة على العتبة النصية التي شملت الغلاف والتقديم والإهداء، علما منا أن الأديبة أمنة برواضي لم تقتحم عالم الرواية بضربة مقص، بل كانت لها بدايات مع السرد القصصي، الشيء الذي شحذ القلم للركض في عوالم مختلفة من الواقع الإنساني والبيئي والذاتي والوطني والقومي والهموم اليومية على اختلاف مشاربها بالتحليق على أجنحة التخييل، والعصارة التي بين أيدينا (شظايا حارقة) ماهي إلا نزيف منهمر بصيحات وتغاريد وصرخات زلزلت الجبال وانحنت لها الآفاق..
ـــ الغلاف سياج القلعة الروائية
لملمت المحتوى دفتان كإطار أو سياج يجمع ما تدفق بالدم من الروح والوجدان، تتموجان بأربعة ألوان الأسود والأحمر والأصفر والأبيض، لم توضع الألوان بشكل اعتباطي، وإنما وفق هندسة تعكس ما في خلد الأديبة وتفور به قريحتها، فالدفة الأولى/ أو اليمنى باللون الأسود القاتم ينكسر برقصات حمراء تتصاعد من الأسفل إلى الأعلى، وهو تعبير صريح عما تعانيه أديبتنا وما اكتوت به من هموم مقبلة من الواقع /من الأوضاع /من الأمة /من المحيط / من الظروف، تأجج لهيبها في الأعماق وتصاعد صهدها إلى الجوف، ولا لجة تطفئها غير الحرف الهادف والكلمة النبيلة…ووشحت باللون الأصفر صدر الدفة السوداء اسمها والعنوان ونوع الجنس / (رواية).. أما الدفة الثانية أو اليسرى، فباللون الأبيض، تشمل صورة الأديبة على اليسار، تتوسطها عناوين إصداراتها السابقة، ثم فقرة محترمة مقتبسة من تقديم الدكتور والناقد أمحمد أمحور…
ـــ تفرد الأديبة بإهداء رائع
استهل المحتوى بإهداء رائع تفردت به على غيرها من الأدباء، يفتح شهية القارئ، فهي لم تخصصه لأقاربها كما الشأن لدى البعض، وإنما تفضل به لجميع شرائح المجتمع، مَن تقاسم معها حرقة الأيام العجاف، وأحس بما يثقل الكاهل ويدمي القلب، ومن ألهمها نور الكتابة، ومن كان لها سندٌ في إخراج هذا العمل إلى النور ..
3ـــ المحتوى والتنوع التيمي
تدور الرواية حول عائلتين لأخوين شقيقين يحبان بعضهما البعض، كتب الجد الإرث باسم أحدهما دون الآخر، فأصبح هذا ميسورا وليس له أولاد إلا واحد بالتبني اسمه كريم، درس في الخارج وعاد إلى الوطن بشهادة عليا ، بينما أخوه له من أولاد مراد عاطل وزينب تشتغل في شركة عمها، وسلمى ولكن يعيشون في الفقر؛ وتشاء الأقدار أن تجمع زينب وكريم بعلاقة حب متينة.. وتنتهي الرواية بنهاية سارة تتمثل في صحوة الضمير للأخ الميسور وإعادة الحق كاملا لأخيه ، وبصدمة عنيفة عن طريق إخبار الأم ابنها كريم بحقيقة تبنيه… وتتعاقب الأحداث في شلال دافئ تختزل تنوعا تيميا لما هو اجتماعي وسياسي واقتصادي وإنساني…
ـــ سياسة التمويه وركوب الأنانية
فتحت المبدعة أمنة برواضي كوة في الجسر السياسي، والتلاعب بمشاعر المواطنين من خلال البعض الذين يهدفون إلى البحث عن منصب، ليس ليقدموا خدمات للشعب أو المساهمة في بناء الأمة، وإنما لخدمة أنفسهم بالفخر واعتلاء الكراسي، ولما يستثب لهم الأمر ويتمكنون، يمسحون مبادئهم بجرة قلم، تلك التي كانوا يتشدقون بها قبل الحصول على مناصبهم .. قمة الغوص في مستنقع النفاق ((كيف يستطيع الإنسان التخلي عن مبادئه والتنكر لها ))ص 72 ليلهثوا وراء المصالح الشخصية ضاربين عرض الحائط بالأخلاق السياسية، التي بموجبها يتحول الهم الإنساني الجمعي إلى (الأنا) بصيغة نرجسية فضة … فالسياسة إن لم تغير نهجها وبرنامجها ولم تمسك زمام الأمر على الوجه الصحيح لن تزيد الأمة إلا تخلفا ونشر الفساد بأوسع مراميه، الشيء الذي سينعكس على الصحة والتعليم وانتشار البطالة، وظهور تيارات مناوئة للأمة تلحق الضرر أولا وأخيرا بالمواطن .. وكم عاينا وصلات سياسية مغرضة من هذا النوع على الواقع، والسبب هو الركض بلهفة خلف الماديات على حلبة سباق من يكتنز أكثر، ويتجاوز الأمر الحد إلى التطبيل والتزمير وكراء الألسن للثناء والمديح، وشراء الأصوات من بائعي الذمم في سوق النخاسة، فيتخلون عن أداء مهامهم بأساليب قاتلة للضمير ليخصصوا ألسنتهم برياء ملحوظ وعبودية مطلقة في مدح ذويي المال، أو المترشحين للانتخابات، أو من اعتلوا الكراسي، وواقعنا المر يكشف الغطاء عن عبث العمل السياسي، وشراء الأصوات من قبل الفقراء بمبلغ زهيد لا يكفيه ليوم واحد، مستغلين الجهل وعدم الوعي (( كل ما في الأمر أن إغراء المال كان له دوره في تغيير مبادئه )) ص75 وتسود عملية الانتخابات بالتسيب والفوضى وعدم المحاسبة والمراقبة، حيث تنتهي أخيرا بما يشبه لعبة مسرحية بنتائج كئيبة للبعض، ممتعة للآخر، منفرة للغير، ضارة بالشباب الطموح إلى تغيير الأوضاع سعيا إلى أن يعيش الإنسان بكرامة وكافة الحقوق.. وتطنب روائيتنا أمنة بروادي في الوقوف بدقة على ويلات الجانب السياسي ونكبته المستمرة دون رادع، فاضحة الفساد المتمثل في نهب خيرات البلاد، بالإضافة إلى توسيع أركان الجهل بدعم وتشجيع الزوايا والأضرحة، لتبقى عامة الشعب تعيش على الطرق البدائية …
ـــ الطبقية والفوارق الاجتماعية و الإنسان بالجوهر لا بالقشور
لقد وضعت روائيتنا إصبعها على الفارق الاجتماعي والتساوي في العيش الكريم، حيث المجتمع ينقسم إلى طبقتين، طبقة ميسورة لها ذات اليد تنعم بالعيش الرغد، يتعلم أبناؤها في أحدث المدارس، وتُراقَب صحتهم، وتتنوع أطباقهم ويتفاخرون بألبستهم، وأخرى فقيرة تنعدم فيها شروط العيش، تقتات من جلدها تحت مظلة الفقر المدقع(( نحن يا أمي فقراء مقارنة مع هؤلاء وشكلنا يوحي بذلك الفقر الذي تغلغل في الأسْرة، يطمس كل الآمال )) ص18 تطرح الروائية إشكالا حادا بالشرخ الحاصل بين طبقة موسرة لها ذات اليد تقول للعالم كن فيكون، وبين طبقة فقيرة في أمس الحاجة لأبسط شروط العيش، ومع ذلك تحترم كرامتَها بما تملكه من أنفة، لا تسمح لنفسها بالذل تحت رحمة أي كان بمساعدات أو صدقات، وترى في المساحيق والألبسة مجرد قشور، فالإنسان هو الجوهر بثقافته بوعيه/ بسلوكه/ بعلمه وتربيته، وقد أذكت روائيتنا هذه الحقيقة على لسان شخصية سلمى التي كانت ترفض أحيانا دعوة عمها لأنها تتحرج من آفة الفقر، وتلاحظ الفرق الشاسع بين أسرة العم الميسورة وأسرتها الفقيرة، فتجد نفسها في موقف حرج من حيث التزيين واللباس الفاخر، ويفك السارد العقدة على لسان شخصية خديجة التي كانت لا ترى في الفقر عيبا، وتحاول أن تعيد الثقة لابنتها بأن الإنسان مَن معدنُه أصيل وليس مزورا ..غير أنه في أيامنا هذه أصبحت الأهمية لذوي المحافظ الممتلئة والتصفيق للتافهين، والتصدي لكل عمل جدي تَوْعَوي يساهم في تنوير العقول وتعرية الحقيقة .. ويبقى تفاقم الفقر من شر البرية ما يؤدي بالبعض إلى ارتكاب آفات خطيرة كالتخلي عن الأبناء، أو الزج بهم في مؤسسات خيرية أو قتلهم، فكم سمعنا من أحداث مأساوية لا تبتلعها المشاعر مثل رمي أم أبناءَها من أعلى العمارة، أو تعرض أخرى مع بناتها للقطار، أو من تهب أبناءها لأسرة أخرى لتتبناهم، فبقسوة الفقر تقسو القلوب وتنعدم الرحمة، فيفقد البعض القيم الإنسانية والأواصر الرابطة بين الأبوة والبنوة حد الكفر، فروائيتنا تأملت الواقع بعمق وغاصت في لب الأشياء بنظرة ثاقبة، فتوصلت إلى أن التغيير ومناشدة الأفق السامق لا يتم بالمواقف السلبية، وإنما بالتنديد والجهر بالمطالبة والإلحاح، أما الصمت فبه تُستنزَف الحقوقُ وتُختَلس أموال الشعب..
ـــ معاناة المرأة من التسلط الأسري
لقد ركزت روائيتنا على الجانب السياسي والاجتماعي، فهما منارتا المجتمع وبهما يتقدم ويصبح في مصاف الدول المتقدمة، أو يتخلف ويصبح في مؤخرة الركب الحضاري، وعدم العدالة الاجتماعية من قبل أصحاب القرار تنعكس على الأسر، و المرأة بالذات من بين المواطنين التي تتعرض أكثر لأبشع الدونية والتحقير، إما من عجرفة أبيها أو سخط أخيها أو ظلم زوجها، بالتدخل في شؤونها داخل وخارج البيت، إما بمنعها من ممارسة دورها في ما يطورها ويحقق ذاتها، أو بفرض عليها الحجاب (( اليوم يا زينب لن تغادري عتبة البيت قبل أن تضعي شيئا على رأسك ))ص129 ، تبين الروائية أمنة برواضي أن المرأة لم تسترد حريتها كاملة رغم ما تلهج به حقوق الإنسان من قرارات وقوانين، وما تتشدق به بعض المنظمات النسائية.. ومازالت إلى اليوم تُمَس في كينونتها بالعنف الساحق وفرض عليها أشياء دون اقتناع، مما يجعلها تحس بعدم قيمتها وأنها مجرد كائن ضعيف، وهذا لامحالة قد يسقطها في أزمة نفسية قد تتطور إلى حقد وكراهية أو هروب من البيت أو إلى الانتحار..
ـــ عطالة الشباب حملة الشهادات العليا
لقد أثارت الأديبة مشكلة البطالة، حيث يُفني الشاب زهرة عمره في الدراسة، ولما يحصل على شهادة تفضي به إلى عمل محترم يُعيل به نفسه وأسرته، يجد الأبواب مغلقة في وجهه، مما يجعله يعيش انفجارا مقلقا، وأزمة نفسية تتكلس بالفراغ وهدر الوقت دون جدوى، والآباء يتحسرون على مستقبل أبنائهم الآيل إلى التدهور، والمصير المظلم الزاحف إليهم من مجهول، القاتل للأحلام والعاصف بالتطلعات، يحمل في طياته البؤس والألم وضيق النفس.. ((بينما مراد ينسحب بدوره في هدوء يصعد غرفته يحمل معه معاناة البطالة )) ص55 ، كيف يتعب الطالب ويشقى ركضا بين الكتب وشساعة المسافات، واضعا نصب عينيه متمنيات يكد ويجتهد ليحققها وتتحطم جنينيا، إذا كيف يمكن له التزوج وتكوين أسرة في ظل ظروف ساحقة ووضع موبوء، وهذا بالكاد يعود إلى السياسات الفاشلة، والعبث في التخطيط وانعدام الرؤيا الملائمة، التي توازي بين الموارد البشرية والموارد الاقتصادية وتحديد الأهداف والغايات الكبرى، وتهييء الآليات والإمكانيات لإيجاد فرص عمل وفق احتياجات التنمية، بالتطابق بين السياسة التعليمية والسياسة الاقتصادية وسوق الشغل؛ ناهيك عن عدم الاهتمام بالشباب وتخصيص للعاطل مهم منحة ترمم احتياجاته، فهذا التجاهل المقرف قد يدفع بعض شبابنا إلى السخط فيزوغون عن الطريق السوي؛ أو تعصف بهم لجة الفراغ إلى قرارات غير مسبوقة وحمل أفكار تطرفية كبديل للوضع المشؤوم، فتهوي بهم إلى سحيق الضياع..
ـــ الاستحواذ على أملاك الغير وصحوة الضمير
بالإضافة إلى عدم الاهتمام بالشباب، هناك حمى أخرى تسري كالسرطان في دماء بعض المواطنين الذين يحسون دوما بالخصاص رغم أن لهم ذات اليد، فيزحف بهم الطمع إلى غواية الامتلاك ، ويستحوذون على أملاك الغير دون شرارة ندم، (( جدك رحمة الله عليه ارتكب خطأ فادحا يوم كتب جل ثروته باسمي ))ص180 يستعذبون أموال الحرام ويقولون يا رب زدنا، ولا يبالون بجرح المنهوب وحسرته وشقائه في البحث عن لقمة عيش بعدما صودرت أملاكه، فهناك من يُجَنّ أو يتشرد، وغيره يُعتَقل إذا طالب بحقه، والآخر ينتحر أو يعيش أبد الدهر مكتئبا؛ ومبدعتنا طرحت هذه الآفة لتحل ازمتها بصحوة الضمير وإعادة الحق لأصحابه، لتقول بصريح العبارة أن الموت يركض خلفنا، ولا ينفع معنا مال ولا بنون يوم نلقى وجه الله، لذا من ابتلاه الله بالسطو على ملك غيره ظلما وعدوانا، عليه أن يراجع نفسه ويعيد الأمانة إلى أصحابها حتى لا يرحل بثقل جاثم على الصدر …
ـــ الأفكار الظلامية باسم الدين ومناشدة التغيير
وما أثار حافظة المبدعة أمنة برواضي التيارات الدينية المتناسلة، والتي شقت طريقها خارج السرب فانحرفت عن طقوس الدين الحق وتطبيق فرائضه وسننه كما تدعو إليهما تعاليمه، متخذين آيات من القرآن وبعض الأحاديث مطية لتحقيق أغراضهم بنشر أفكار هدامة، يتم بواسطتها استدراج الشباب العاطلين من الطبقات الفقيرة، وإغراقهم في مستنقع الوعود الكاذبة (( يتخذون من كلام الله ذريعة لأعمالهم التخريبية )) ص190 ..وهكذا يحققون مآربهم بتدمير الشباب وتخريب طموحاتهم، وبالفعل فقد ظهرت على سطح الواقع العديدُ من الجماعات والتيارات في المغرب تتعدى سبعين جمعية إسلامية، لكل منها طقوسها الخاصة بإضافات وزيادات مغلوطة، شحنوا بها صدر الدين الحقيقي كما جاءت به الشريعة والذي هو منها براء..
ـــ الشعوذة وزيارة الأضرحة والتّنعّم بالغيبيات
ومن معضلة الدين المحرف تنفذ المبدعة أمينة برواضي في أقطار المجتمع بحيثياته السياسية والاجتماعية، لتُعرِّج على جانب مهم ألهبَ العقول، ومازال ملتصقا بالأذهان التي على مستوى بسيط من الوعي، والمؤمنة بالخرافات وزيارة الأضرحة أملا في الشفاء من مرض أو تحقيق أمنيات، ((كأنهن مسيرات لهذا المهرجان من الطقوس الغارقة في الشعوذة )) ص 108 ولا تنحصر زيارة الأضرحة في حدود الاطلاع فقط، بل ترى في قبره رسولا أو ملاكا سَيُلبي لها المطلوب، ناهيك عما يقوم به سكان المناطق المجاورة من تحويل الأمكنة حول الضريح سوقاً تجارية تُشعل النار في الأسعار دون حسيب أو رقيب، فتصبح العملية مربحة لهم ومستنزفة لجيوب الزوار في ذات الوقت…
ـــ عالم العولمة وكوارثها الطبيعية والإنسانية
فمن الأعطاب الوطنية تسافر بنا المبدعة في عوالم العولمة الزاحفة بكوارثها الاقتصادية والاجتماعية إلى البلدان المتخلفة، فكانت وباء على الشعوب خاصة لما فتَحت الأبواب للتبادل التجاري، حيث الدول المتقدمة تعتمد جودة البضاعة بأثمان في المتناول، يصعب معه على المتخلفة أن تكون في نفس المستوى، مما يتسبب في ارتفاع الأسعار وإلحاق أضرارا بالمواطنين، يبدو انعكاسه بصورة أكثر على الشباب باستلابهم من قبل المؤثرات الأوروبية، حتى ابتُلوا بالهجرات السرية التي أزهقت العديد من الأرواح، وراح ضحيتها شباب في عمر الزهور…ناهيك عن عدوى الهاتف وهيمنته على العقول، مما تسبب في تشتيت التجمع الأسري الفريد بانزواء كل واحد في ركن، ليرحل في عوالم حسب ذوقه واختياره، الشيء الذي حطم حبل التواصل بين الأفراد رغم قرب بعضهم بالبعض، وقتل الحميمية والدفء الأسري، وأعدم مناقشة المواضيع في ما بينهم ومشاركة أطراف الحديث .. من نتائج العولمة أيضا التسابق على التصنيع للرفع من الطلب، مما أحدث طبقة الأوزون، التي لم يفت الأديبة أن تسلط الضوء عليها ككارثة طبيعية حيرت العلماء، ولم يجدوا لها حلا إلا بعد صعوبة كبيرة رغم المحاولات وبذل المجهودات وتعدد الأبحاث؛ كما عرضت بدقة نتائج ما تتسبب فيه طبقة الأوزون من تغيير المناخ الذي سيكون وبالا غير محمود على الإنسان، وما قد يُلحقه من ضرر بالبشرة والأعين، أو سرطان الجلد (( الأمر يتعلق بثقب الأوزون لذلك ارتفعت درجة الحرارة بشكل ملحوظ على الكرة الأرضية وهذا حتما سيؤدي لهلاك ….)) ص54 ونحن نعلم ما لطبقة الأوزون من أهمية في حمايتنا وكائنات كوكبنا بامتصاصها الأشعة فوق البنفسجية من الشمس..
4ـــ الجانب الفني حَوّلَ الرواية تحفة ساحرة
أي جنس أدبي لا يمكن أن نرصف الكلمات بشكل اعتباطي جاف ينفر القارئ، ودون أسلوب إثارة أو تشويق، وتطريز نسيجه بمقومات وعناصر فنية تسمو به، وتجعله تحفة ساحرة تستحضر المشاعر والتفاعل مع الأحداث: واقعية كانت أو خيالية بشكل فني عميق يجلب لب القارئ، ويقبل على قراءة الرواية حتى متمّها، وقد عززت مبدعتنا أمينة برواضي روايتها بجوانب فنية متعددة، أغنت تجربتها وجعلتها تتفجر بالمتعة والجمال ..
ـــ الجانب اللغوي وسلاسة الأسلوب
لقد اعتمدت روائيتنا لغة بسيطة سهلة خالية من الغرابة والتعقيد، انتقت لها معجما بسيطا مألوفا، تضرب فيه عرض المباشر بأسلوب سلس لين ينز بالدفء والهدوء، مطرز بالحكم والأمثال الشعبية ((البعيد عن العين بعيد على القلب )) ص20 كما لم يفت المبدعة أمنة برواضي تطعيم اللغة بآيات من القرآن الكريم، وذلك لعدة اعتبارات منها تكسير الملل بإغناء الأسلوب وإثرائه، ومن وجهة أخرى تمرير القيم الدينية، والهدف من وراء ذلك إفساح المجال للقارئ ليستمتع بعذوبة اللغة والأسلوب، والتهام المحتوى بسهولة ثم مشاركة المبدعة المشاعر والقصد ..لقد سارت في ذلك على نهج الكتاب الكبار ليصبح المنجز في مقدور الاطلاع من جميع الشرائح المجتمعية، الناقد والقارئ العاشق والطالب وحتى التلميذ..
ـــ وصف المشاهد بأدق التفاصيل
لا يمكن أية رواية أن تتخلى عن الوصف الذي يعتبر من أهم العناصر إلى جانب متانة اللغة ورقة الأسلوب، فهو العمود الفقري الذي يشد عضُد الأحداث بعضها إلى بعض، فمبدعتنا أمينة برواضي ترحل بنا في عوالم الأحداث الخيالية والواقعية متأملة، وحين تمسك بمشهد تحلق بخيالها الوارف متأبطة عملية الوصف لأجزائه بأدق التفاصيل، (( كانت تجلس سيدة بحجم الباب تتربع على كرسي خشبي مكسو بقطعة من القماش الأخضر لونها يميل إلى السمرة منه إلى البياض)) ص109 فحين تدقق في البراعة الفنية لهذا الوصف تتراءى لك هذه الشذرات، وكأنها لوحة بريشة رسام محترف..
ـــ الحوار ومسرحة الأحداث ما بين العنف والإقناع
و إلى جانب الوصف يُعد الحوار من أولى الأولويات لاعتماده في الرواية، وقد أدركت روائيتنا أمينة برواضي هذه الخاصية عن ظهر قلب ووظفتها بعذوبة، إيمانا منها أن مسرحة الأحداث عن طريق الحوار هو عصب الرواية بامتياز، الذي يبعث الحركة في العمل الروائي بطريقة شيقة وغير مملة، مما يضفي عليه حسنا وجمالا، بحيث تجري الأحداث في تسلسل حواري شيق بتطور ملفت، وانسجام رائق بين أطراف الحديث، تبين من خلاله أن التحدث بلباقة وأسلوب الإقناع يُكَلل بانسجام ويعطي أكله بالوصول إلى المبتغى، على العكس من فرض الأوامر بعنف ولغة خشنة والزعيق والنعيق الذي لا يؤدي إلا إلى العناد وعدم الامتثال (( كان بإمكانه أن يطلب مني ذلك بأسلوب متحضر )) ص138..حتى ولو في قمة الاختلاف مع إنسان عنيف استحوذ عليه الغضب في لحظة قلق، فحين يختار محدثه أنسب الكلمات بأسلوب لبق وهادئ، لابد وأن يُخيم عليه الهدوء ويستأنف الحوار وينصاع للأوامر ويطبقها عن طواعية وهو سعيد، فأديبتنا أمنة برواضي تنهي إلى قرائها، أنه مهما وقعت من شروخات واختلافات بين الفرد والآخر، ومهما توسعت مسافة التوتر والغضب فباللباقة والأسلوب اللين تَخمُد النعرات الثائرة ويُحَل الإشكال بما يرضي الجميع.. هي رسالة هادفة من الروائية إلى الآخر ليلجم لسانه عن كل لفظة قد تؤذي أو تجرح، ويحاول ما أمكن أن يتعامل بطلف وليونة مع غيره في التحدث لتمرير الأشياء .. وهذه خاصية تُشبِع نهم القارئ وتجعله يتعايش مع الأحداث بمُرّها وحلاوتها، كاشفا أسرارها مشاركا مشاعرها مطلعا على أفكارها، وحتى لا يتكسر استرسال الحوار ويفقد متعته، كان السارد خفيف الظل يومض كالبرق بخفة قصيرة ثم يختفي..
ـــ الفلاش باك تحت عبارة ((العود أحمد ))
حتى لاتقطع الأديبة خيط الملل في الاسترسال السردي وفق سفح أفقي، تعود بنا عبر بعض الشخصيات إلى زمن الطفولة، واستعراض شريط التذكر لمراحل طفولتها بما يسمى بالفلاش باك، لتحكي عما كانت تقوم به من أعمال أثناء زيارة الأضرحة، والغرض هو توجيه رسالة نبيلة إلى من يعتقد أن الاحتماءَ بالأولياء يقي من الأتعاب ويأتي بالشفاء، ورش البخور يُذهِب العين والشياطين والسحر والمرض، مجردُ خرافات وخزعبلات فارغة، والبديل هو زيارة الأطباء والقيام بتحليلات وفحوصات لتشخيص موطن الداء، إن كان يعالج بوصفة دواء أو عملية، وهذه المعضلة المرضية مازالت إلى اليوم ولا أدل على ذلك من (( بوي عمر)) الذي أغلق مؤخرا، و(( بوعبيد الشرقي)) الذي مازالت طقوسه مستمرة سنويا بتقديم قربان عبارة عن ثور، بالإضافة إلى حمل الشموع للسادات والأولياء ورش الحناء على قبورهم مع التوسل والأدعية، ظواهر تستند على الأمية والجهل (( لازلت أذكر أن الفضول كان يدفعني لاقتحام جموع النسوة لمعرفة ما يجري داخل كل حلقة))ص112 …وطريقة الفلاش باك أو (( العود أحمد)) ليس لتحكي لنا حقبة فائتة من الزمن، وإنما لتضع إصبعها على مكامن الخلل، وكيف يهيمن الجهل على النفوس ويرفعهم من الواقع المعيش إلى عالم المثل والغيبيات …
5ــ على سبيل الختم
رواية أمينة برواضي جمعت بين القيم الإنسانية من حيث تيمتها ومواضيعها المطروحة، والقيم الفنية من حيث الحبكة السردية وما شملته من عناصر تعتبر أسسا لأي عمل روائي، فطرحت عدة أفكار تضيق المساحة لعرضها، أغلبها يصب في بوتقة ما هو سياسي وما هو اجتماعي، ناقشت السياسة وحب المناصب من أجل المصالح التي دهست العدالة الاجتماعية مما ألحق الضرر بالمواطن من حيث الصحة والتعليم، وسلطت الضوء على الفقر ومخلفاته من ظلم وتحقير وبطالة وتهميش، وفوارق طبقية، وما تترتب عنه من مصائب ، وحلقت في كهوف وأغوار العلاقات الإنسانية واضعة الإصبع على الخلل.. لذا أترك مسألة الكشف للقارئ …
مالكة عسال
بتاريخ 19/05/2025


حين تنكسر الذات على صخرة المحارق
قراءة في رواية (( شظايا حارقة ))
للأديبة المغربية أمنة برواضي
بقلم: الأستاذة والناقدة مالكة عسال