سلسلة حوار : أمنة برواضي في حوار ” مع الناقد ” الحلقة الرابعة مع الدكتور نور الدين الفيلالي

أمنة برواضي في حوار ” مع الناقد “
الحلقة الرابعة مع الدكتور نور الدين الفيلالي.
السلام عليكم دكتور: نور الدين الفيلالي.
أولا، أرحب بكم وأشكركم على تفضلكم بالموافقة على الإجابة عن أسئلتي.
السلام عليكم: الشكر لك أستاذة على هذه المبادرة التي أرجو لها التوفيق والنجاح والاستمرارية.
ـ ليكن أول سؤال:
من هو نور الدين الفيلالي؟
جواب:
نور الدين الفيلالي قاص وناقد من مواليد مدينة وجدة، أستاذ لمادة اللغة العربية، تدرجت في مختلف أسلاك التعليم حتى حصلت على شهادة الدكتوراه سنة 2011، أعشق السرد بمختلف تجلياته الشفوية والمكتوبة، القديمة والجديدة، الغربية والعربية، قدمت العديد من الدراسات والكتب النقدية حول الرواية والقصة، والقصة القصيرة والقصيرة جدا، والحكاية الشعبية…، كما قدمت عملا قصصيا بعنوان “حلبة الرهان الأصعب”، وما زال في جعبتي الكثير من الدراسات والإبداعات، أرجو أن أوفق في نشرها وإيصالها إلى القارئ.
سؤال:
ـ 2 كيف يمكن للناقد أن يزاوج بين النقد والإبداع؟ وهل يكون النقد حاضرا أثناء الإبداع؟
جواب:
النقد والإبداع وجهان لعملة واحدة، يكمّلان بعضها البعض،
فنسبة كبيرة من النقاد العرب، مارسوا الإبداع، لكن يحدث أحيانا أن يضحي أحد بالجانب النقدي لحساب الإبداع، أو يضحي بالإبداع لصالح النقد، نذكر هنا ممن زاوجوا بين الأمرين: أدونيس والمجاطي في الشعر، ومحمد برادة وأحمد المديني وشعيب حليفي في الرواية، وعبد الكريم برشيد في المسرح، بل إن أغلب نقاد المسرح ومنظريه مبدعون في الكتابة المسرحية كذلك، واللائحة طويلة من أسماء النقاد العرب الذين نجحوا كمبدعين كل في مجاله، بل هناك من اتخذ الإبداع مجالا لتطبيق أرائه وتنظيراته النقدية.
لكن في بعض الحالات قد يطغى جانب على آخر، فيغطي النقد على المجال الإبداعي، مثل عبد الرحيم جيران وخالد اقلعي، أو العكس يغطي الجانب الإبداعي على النقد كما في حالة نازك الملائكة وواسيني الأعرج، ومع ذلك هناك نقاد كثر أخلصوا لعملهم النقدي ولم يقربوا أسوار الإبداع.
سؤال:
ـ 3 يقال إن الناقد مبدع فاشل لكن للناقد مجموعة قصصية رائعة كيف أمكنكم الجمع بينهما؟
جواب: لا أتفق مع هذه المقولة، ليس دفاعا عن نفسي، ولكن انسجاما وحقائق وحالات تثبت ذلك، فالكثير من النقاد قدموا أعمالا إبداعية متميزة كما أشرت سابقا.
وفيما يخص تجربتي الإبداعية المتواضعة، قدمت مجموعة قصصية بعنوان “حلبة الرهان الأصعب” التي صدرت بالتزامن مع كتابي النقدي الأول “القصة القصيرة جدا بالمغرب”، وكان ذلك في يناير 2012، طبعا المجموعة حققت ما كان منتظرا منها، وحظيت بدراسات نقدية كثيرة، جمعتها، وأفكر في نشرها بالتزامن مع إصدار الطبعة الثانية لهذه المجموعة القصصية.
وللإشارة فقط، فهذه المجموعة ليست أول عمل إبداعي من حيث الكتابة، حتى وإن كانت الأولى على مستوى النشر، فقد سبقتها أعمال ومسودات روائية ما زالت مخطوطة منذ بداية هذه الألفية، لكن انشغالي بالبحث الأكاديمي للحصول على دبلوم الدراسات العليا ثم الدكتوراه من سنة 2002 إلى 2010، ثم انشغالي بالمداخلات والدراسات والندوات النقدية لاحقا من 2010 إلى الآن، أخر تنقيح ورقن وطباعة هذه الأعمال، فصدرت المجموعة القصصية نظرا لصغر حجمها، ولأني كتبتها مباشرة على الحاسوب، عكس الروايات التي بقيت مخطوطة.
سؤال:
ـ 4 من موقعكم كناقد كيف ترون مستقبل النقد مع كثرة الإصدارات الأدبية؟
جواب:
بداية لابد أن نعترف أن الإبداع يلقى رواجا أكثر من الدراسات النقدية، فالرواية مثلا يمكن لأي قارئ أن يقرأها، لكن الدراسات النقدية ينحصر تداولها بين المختصين من النقاد والدارسين.
ومن الناحية البيبليوغرافية، نجد أن ما يصدر من دراسات نقدية خلال كل سنة قليل جدا أمام حجم الإبداعات، وهذا ما يجعل مسألة المواكبة النقدية للإصدارات الإبداعية أمرا عسيرا، زد على ذلك ما يتطلبه النقد الجاد من وقت وجهد، خاصة في وجود الأعمال الإضافية والموازية للنقد، فالناقد يصحح وينقح ويقدم ويواكب الإبداعات الصادرة، وهذا في حد ذاته عمل شاق، ثم تأتي مرحلة النقد وهي الأصعب في نظري.
مع ذلك يمكن الحكم بوجود توازن نوعي بين الإبداع والنقد، فيمكن لدراسة واحدة أن تدرس متونا إبداعية كثيرة، كما أن نوعية الدراسات والخلفيات المنهجية التي تصدر عنها، تطرح تنظيرات يمكن أن تنسحب على متون أخرى وتطبق عليها، وتبقى المسألة فقط مسألة وقت وتوفر شروط النشر.
سؤال:
ـ 5 دكتور ما هي المواصفات التي يجب توفرها في العمل الإبداعي ليجد صداه عند النقاد؟
جواب:
أهم شيء هو أن يكون العمل الإبداعي نابعا من ذات مبدعة، متشبعة بروح الإبداع، ويحترم الخصائص العامة للجنس الأدبي الذي ينتمي إليه، وقواعد اللغة التي يكتب بها، ويحمل بصمته الخاصة في الوقت نفسه، آنذاك سيجد طريقه إلى القراء عموما والنقاد منهم على وجد التحديد، قد لا يكون هذا الطريق معبدا وقصيرا، وقد يتطلب فترة زمنية طويلة، لكن في الأخير سينال حقه، لأن هذا هو قدر العمل الإبداعي الحقيقي الذي يعمر على المدى البعيد.
هناك مراحل زمنية يسيطر فيها ذوق فني أو نقدي محدد، يؤدي إلى الاحتفاء بأعمال أدبية تستجيب لهذا الذوق، أو تكون هناك جماعة أدبية أو سياسية أو… تعلي من شأن منتسبيها، كما يمكن للعلاقات الزبونية بمختلف دوافعها أن تخلق تلقيا نقديا لأعمال إبداعية محددة، لكن هذا الأمر يستمر على المدى المتوسط فقط، وسرعان ما يفقد العمل الإبداعي بريقه وتنكشف حقيقته.
أما إذا كان المقصود الانطلاق من مواصفات محددة، أو وصفة جاهزة لكتابة عمل إبداعي، كما نرى في بعض الحالات، فهذا النمط من الإبداع يعمر على المدى القصير، كأنه موضة مرحلية تنتهي بسرعة.
سؤال:
ـ 6 كيف ترون مستقبل الحركة الثقافية في المنطقة الشرقية، وبالتحديد في مدينة وجدة؟
جواب:
الحركة الثقافية عموما والجانب الأدبي على الخصوص بالمنطقة ككل بخير، فهناك تطور كمي ونوعي ملموس منذ بداية الألفية الثالثة، سواء على مستوى الإصدارات أو الجهات المحتضنة أو المسابقات أو غيرها من المظاهر الثقافية، والأمر نفسه ينسحب على مدينة وجدة باعتبارها جزءا من الجهة الشرقية ككل، مع تميز لهذه المدينة لأنها مركز الجهة وأكبر المدن فيها، فهي تعرف رواجا ثقافيا أكثر بحكم ما يتوفر فيها من بنيات تحتية، وكثافة سكانية.
سؤال:
ـ 7 أصدرتم عدة كتب في النقد (أنطولوجية القصة القصيرة جدا بشرق المغرب)، (رحلة الحكاية وحكاية الرحلة)، (التعالي النصي في الرواية المغربية)، (مداخل لدراسة المشروع النقدي الحميد لحميداني …)، وفي القصة؛ (القصة القصيرة جدا عند أمنة برواضي)، والمجموعة القصصية (حلبة الرهان الأصعب)
جواب:
في هذه الإصدارات من الوحدة أكثر مما فيها من التنوع، أو لنقل هو تنوع داخل مجال واحد هو مجال السرد كتابة ونقدا وتنظيرا، فكل ما كتبته وأصدرته يرتبط بالسرد، سواء تعلق الأمر بكتابة القصة، ودراسة الرواية والقصة والقصة القصيرة جدا، أو نقد النقد وهو موجه لدراسات نقدية حول السرد.
هناك ثلاثة كتب خصصتها للقصة القصيرة جدا، دراسة وتأريخا وبيبليوغرافية، وهي:
“القصة القصيرة جدا بالمغرب: بحث في مراحل تشكل نوع سردي جديد”
“أنطولوجيا القصة القصيرة جدا بشرق المغرب”
“القصة القصيرة جدا عند أمنة برواضي”
وثلاثة كتب في نقد الرواية”
“رواية العلامة بين التاريخي والتخييلي”
“التعالي النصي في الرواية المغربية”
“رحلة الحكاية وحكاية الرحيل”
وكتاب نظري حول بعض المفاهيم النقدية السردية، وهو:
“التعالي النصي: مفاهيم وتجليات”
وكتاب في نقد النقد حول تجربة الحميداني في نقد السرد:
“مداخل لدراسة المشروع النقدي لحميد لحميدني”
هذا طبعا إلى جانب المجموعة القصصية :”حلبة الرهان الأصعب”
سؤال:
ـ 8 باعتباركم تزاولون مهنة التدريس كيف ترون مستقبل التعليم العمومي بالمغرب؟
جواب:
التعليم العمومي هو من أنجبنا وسيستمر بإنجاب الأساتذة والأطباء والمهندسين و و و، رغم ما يتعرض له من محاولات تهدف إلى تقزيم دوره والنيل منه، وإذا تحدثت عن الشق المتعلق بي وبالمدرس عموما، فالتعليم العمومي أمانة في أعناقنا نحن المدرسين، وعلينا أن ندافع عنه ونطوره لخلق جيل فاعل ومشارك ومبدع.
سؤال:
ـ 9 لو لم تكن أستاذا للغة العربية، ماهي الوظيفة التي كنتم ستختارونها؟
جواب:
صراحة لا أرى نفسي في مهنة أخرى غير مهنة التدريس وتدريس اللغة العربية بالتحديد، فقد كانت حلما منذ كنت أدرس بالمستوى الابتدائي، والدليل على ذلك أنه أتيحت لي فرص أخرى للعمل بالإدارة لكني رفضتها سواء قبل التحاقي بالتدريس أو بعده، كما أنني عملت بإحدى الشركات في مرحلة مبكرة، لكني دائما كنت أنظر إلى نفسي أنني مدرس لغة عربية، والحمد لله تحقق الحلم رغم المتاعب المرتبطة بهذه المهنة.
سؤال:
ـ 10 دكتور يشهد لكم الجميع بغيرتكم على الثقافة واجتهادكم من أجل زرع بذرة الإبداع وممارسة الكتابة لدى التلاميذ بفضل ورشات كتابة القصة ق ج وإشرافكم على نادي الإبداع داخل المؤسسة لسنوات. حدثنا عن الصعوبات وكيف يكون شعوركم وانتم تروا ثمار ما زرعتم؟
جواب:
منذ التحاقي بسلك التدريس، عملت على تأطير تلامذتي ضمن نادي الإبداع بالمؤسسة التي أعمل بها، كما انفتحت على المؤسسات التعليمية الأخرى، فإذا تحدثنا عن تجربتي في الناظور، فقد زرت جل الثانويات التأهيلية والإعدادية بالناظور وبني انصار وسلوان وازغنغان وزايو، وقد حاولت نقل التجربة خارج إقليم الناظور، وذلك بالقيام بورشات بكل من زايو وبركان و وجدة.
وقد أعطت هذه الورشات أكلها، وأثمرت مبدعين ونقاد، بعضهم أصبحت له إصدارات قصصية أو روائية، وبعضهم اتجه صوب النقد والمشاركة في الندوات والتوقيعات، كما فاز العديد من التلاميذ بمسابقات قصصية، خاصة مسابقة دار البر بزايو.
عندما انتقلت إلى مدينة العيون، نقلت هذه التجربة معي، فزرت خلال الموسم الأول جل المؤسسات التأهيلية والإعدادية بالمديرية الإقليمية بتاوريرت، ثم ركزت اهتمامي على المؤسسة التي أشتغل بها خلال الموسم الثاني، والنتيجة التي تحققت خلال موسمين ونصف، تمثلت في الفوز بثلاث مسابقات في القصة القصيرة، ونشر خمس قصص للتلاميذ بجرائد ومجلات داخل المغرب وخارجه، ومن الصدف السعيدة أنني تلقيت اليوم وأنا أجيب على أسئلة هذا الحوار، خبر فوز التلميذة زينب الوالي بالرتبة الأولى في المسابقة الوطنية للقصة القصيرة التي ينظمها الراصد الوطني في دورتها الثالثة، بعد أن حازت زميلتها منال مزات الرتبة الثالثة خلال الدورة الماضية، وهناك مجموعة قصصية للتلاميذ قيد الطبع قد ترى النور خلال شهر مارس أو أبريل.
أما عن شعوري بإنجازات تلامذتي، فالفرح الذي يعتريني وأنا أسمع خبر فوز تلامذتي بمسابقة قصصية، أو أجد قصة منشورة بمجلة أو جريدة لأحد تلامذتي، هذا الفرح يفوق مئات المرات فرحي بإصدار ونشر عمل من أعمالي، ولا أدل على ذلك من تضحيتي بمسوداتي ومخطوطاتي واهتمامي بكتابات تلامذتي ورقنها.
أما الصعوبات فلن أتحدث عنها، رغم كثرتها، لأنني لو التفت إليها وتحدثت عنها لما حققت ما تحقق من إنجازات.
شكرا لكم أستاذي الفاضل، وفقكم الله في مسيرتكم.
حاورته المبدعة أمنة برواضي.
