“عاصمة الفوضى”.. كيف حوّل تقاعس السلطات الناظور إلى جنة للمتسولين وحراس السيارات القادمين من كل مكان في المغرب؟

أريفينو.نت/ مقال رأي حسن المرابط
في مفارقة ساخرة، وبينما تسعى مدن المملكة جاهدةً لتلميع صورتها السياحية وتحرير شوارعها من الفوضى، يبدو أن الناظور قد اختارت لنفسها طريقاً معاكساً، لتتحول طوعاً إلى “المدينة النموذجية” في استقطاب جيوش من ممتهني التسول وفرض الإتاوات، والسبب؟ تراخٍ غير مفهوم لسلطات محلية يبدو أنها في إجازة مفتوحة.
“القياد نائمون”.. دعوة مفتوحة لاحتلال الملك العام
يبدو أن الرسالة قد وصلت بوضوح إلى كل من يبحث عن أرض خصبة لممارسة “نشاطه” دون مساءلة: “أهلاً بكم في الناظور!”. ففي الوقت الذي تضيق فيه السلطات في الدار البيضاء، ومراكش، وطنجة الخناق على محتلي الملك العام، تفتح مقاطعات الناظور ذراعيها على مصراعيها، في مشهد يطرح ألف سؤال وسؤال. هل هو غياب للرؤية؟ أم هو انتظار أبدي لتعليمات “فوقية” من وجدة أو الرباط للقيام بمهام هي في صلب اختصاصاتها؟ هذا الفراغ الإداري المريب هو ما جعل المدينة تتحول إلى وجهة مفضلة لهؤلاء، الذين وجدوا في سبات المسؤولين المحليين فرصة ذهبية.
صفعة على وجه السياحة وإهانة لأبناء الجالية
إن تكلفة هذا التقاعس لا تُدفع فقط على شكل فوضى مرورية واحتلال للأرصفة، بل تُدفع من سمعة المدينة وصورتها. كيف يمكن إقناع سائح أو مستثمر بجاذبية الناظور، بينما أول احتكاك له بالمدينة هو معركة لرفض دفع إتاوة غير قانونية لحارس سيارات نصّب نفسه بنفسه؟
أما المعاناة الأكبر، فتتجلى في تجربة أبناء الجالية المغربية. هؤلاء الذين يعودون حاملين شوقاً لتراب الوطن، يجدون أنفسهم في مواجهة يومية مع مضايقات وابتزاز، تصل أحياناً إلى حد الإساءة اللفظية والاعتداء الجسدي. هذه الحوادث المتكررة لا تقتل فرحة العودة فحسب، بل تغرس شعوراً بالمرارة والغربة في وطنهم الأم، وتؤكد أن المدينة قد تخلت عن حمايتهم.
نزيف اقتصادي صامت يهدد مستقبل المدينة
إن تداعيات هذه الفوضى العارمة لا تقتصر على تشويه سمعة المدينة وإزعاج سكانها وزوارها، بل تتجاوز ذلك لتشكل نزيفاً اقتصادياً صامتاً يهدد حاضر الناظور ومستقبله. فمع كل صيف، تخسر المدينة أرقام معاملات ضخمة كان من الممكن أن تضخ الحيوية في شرايين اقتصادها المحلي. هذه الفوضى الممنهجة تعمل كعامل طرد فعال لمغاربة العالم، الذين باتوا يفضلون قضاء عطلتهم وإنفاق أموالهم في مدن أخرى أكثر تنظيماً وأماناً، هرباً من الابتزاز اليومي والتوتر الذي يفسد إجازتهم. كما أن السياحة الداخلية، التي يُعوّل عليها لإنعاش الحركة التجارية، تسجل تراجعاً ملحوظاً، فالزائر المغربي يبحث عن الراحة والاستجمام لا عن الدخول في جدالات لا تنتهي مع حراس السيارات والمتسولين. أما الكارثة الكبرى فتتمثل في هروب رأس المال، حيث أصبح رجال الأعمال والمستثمرون يترددون ألف مرة قبل ضخ أموالهم في مشاريع بالمدينة، خشية من بيئة غير مستقرة وغير مشجعة على الاستثمار. وهكذا، وبسبب تقاعس إداري يمكن معالجته، تفقد الناظور فرص شغل ثمينة ورواجاً تجارياً هي في أمس الحاجة إليه، لتدفع المدينة بأكملها ثمن سبات لا مبرر له.
هل الحل في شكاية إلى وجدة او الرباط؟
أمام هذا الوضع السريالي، لا يملك المواطن الناظوري إلا أن يتساءل بتهكم: هل يتوجب علينا رفع شكاياتنا مباشرة إلى مكتب السيد والي الشرق أو طرق أبواب وزارة الداخلية لنلفت انتباههم إلى أن مدينتنا تغرق في الفوضى؟ إن هذا المنطق المعكوس الذي ينتظر فيه المسؤول المحلي تعليمات للقيام بواجبه، هو ذروة اللامبالاة الإدارية.
إن سكان الناظور يستحقون سلطات محلية تتحرك بمبادرة ومسؤولية، لا مجرد مكاتب إدارية تنتظر الأوامر. فإلى متى ستظل المدينة تدفع ثمن هذا السبات العميق، وتُترك لمصيرها في مواجهة ظواهر طفيلية وجدت في هذا التراخي ملاذها الآمن؟
