عن معاناة هؤلاء الاطفال المهمشين في الزخانين ضواحي الناظور

في قرية الزخانين..على قارعة الطريق المؤدية إلى الدواوير. جلس صبية في ظل شجرة خروب،كان الفصل صيفا والحرارة بدرجتها الميالة إلى الارتفاع،توحي بأن الصيف سوف يكون حارا..في الزخانين حين لا يذهب الأطفال إلى المدرسة،فإنهم يساعدون في أشغال الفلاحة،وسقي الماء عن دوابهم المتهالكة،وينتشرون في الحقول لجمع “الببوش”،وأحيانا يذهبون إلى أعلى القرية في الصباح الباكر يقطعون كيلومترات لاقتلاع الدوم،ثم يتم بيعها..ودون ذلك هو الفراغ الذي يجعل الأيام طويلة وعقارب الساعة أبطئ.
الأطفال الذين جلسو في ظل الشجرة ستة أطفال. أعمارهم بين الثامنة والعاشرة،كانوا ينتظرون عودة أب أحدهم من السوق يومها زيادة على الحلوى التي يأتي بها الأباء من السوق، كان الصبية ينتظرون الكرة التي جمعوا ثمنها من مصاريف جيوبهم على مدى مدة أسابيع.وسلمو المبلغ إلى “العم عبد القادر” ليشتريها لهم. وفي لحظة اﻹنتظار تلك كانو يتحدثون عن الوعد الذي تلقوه من عند ممثل قريتهم..وألبسوه تلك الصفة المقدسة كونهم تلقوه في مكان مقدس!!(مسجد الدير).ورأوا فيه الخلاص الحتمي والحلم الأزلي لتحقيق مطلبهم البسيط، الذي أخذ يكبر ويكبر في عيونهم البريئة حتى صار أعظم أمانيهم التي يذكرونها بالفطرةإذا ما أحدهم سألهم عن حلمهم. وبين مد النقاش وجزره وصخبه وهدوء،ينفلت من حين إلى آخر أحد الأطفال بكلمات بدت أمام مخيلته فكرة ليطرحهاعلى رفاقه، وفي خذضم هذا الأخذ والرد قام بلال ولد الحاج وهو ينفظ ما علق من تراب وغبار على سرواله المهترئ..
وقال بصوت يعتريه الحقد والأسف:أتذكرون ذاك الوعد؟…وقبل أن يتم كلامه قاطعه “نور الدين ولد جمعة” بنبرة حادة :نعم نعم ..مرشحنا وعدنا بملعب وأقمصة وأحذية رياضية. يضيف “يوسف ولد المهداوي”:لقد كذب علينا وقال أن ذالك سيتحقق في غضون أيام قليلة.. لماذا يكذب علينا بهذه الطريقة ويتركنا نعيش أحلاما زائفة؟!.. أليس له ضمير!..عندما أكبر سوف أنتقم منه. يقترب منه “صطوف ولد المسكيني”..ويداعبه بلمسات على بطنه..أنظر.عندما تكبر سوف ننتخبك ممثلا وحقق لنا ما نريده. يجيبه “يوسف”..دعني من تلك المناصب الوسخة..كل ما نريده الآن هو ملعب كرة. ينضم “هشام ابن لعناطري”:إلى النقاش المحتذم وبصوته القوي أخذ يصيح .. اصمتوا اصمتوا.ولما عم الصمت المكان أخذ يسترسل…لقد كذب علينا مرارا،وفي كل مرة نسأله عن الملعب الذي وعدنا به،إلا ويخترع أكذوبة جديدة.لدي فكرة،سوف نعترض طريقه ونبرحه ضربا بالحجارة.
قاطعه “رضوان ولد عبد القادر”:لا لا لدي فكرة أفضل..تعالوا أرفعوا أكفكم إلى السماء ورددوا معي.. الله ياخذ فيه الحق الله ياخذ فيه الحق.. دام انتظارهم عدة ساعات،ثم مع اقتراب العصر جاءت سيارة النقل السري متهالكة ووقفت غير بعيد عن تلك الشجرة التي استظلوا بها.أسرع الصبية إليها ،نزل “العم عبد القادر” تقدم إليه ولده رضوان وقبل يده،ثم جاء أصدقائه وقبلو يده. مر ذلك سريعا، سائق سيارة النقل السري يطل من نافذته، ويستعجل “عبد القادر” إنزال أشيائه من صندوق الأمتعة،فتحه وأنزل كيسين وقفة.كان الصبية متحلقين حوله يريدون الكرة.أغلق العم عبد القادر صندوق الأمتعة وانتطلقت سيارة النقل السري حاملة من تبقى من الركاب،حمل “العم عبد القادر الكيسين” على كتفيه بينما حمل ولده وصبي آخر القفة،عبر الجمع الطريق وقد أيقن الصغار أن “العم عبد القادر” لن يحدثهم عن الكرة حتى يبلغ منزله. هي مساحة انتظار أخرى،ابتعد عنهم وجاء الصبية يتناوبون عن القفة، وقد تملكهم الشك في أن يكون الرجل أبو “رضوان” قد اشترى الكرة.بعد أن أخذ الرجل قسطا من الراحة وقف بباب منزله..كان الأطفال الستة هناك ينتظرون، رأوه يبتسم فبعث فيهم أملا جديدا، تريدون الكرة؟أليس كذالك؟.سؤاله ذاك أنعش حلمهم، ثم أضاف هل تظنونني اشتريتها؟.
دخل الرجل البيت وجاء بجلدة.هاهي،ينبغي الآن نفخها،دلف رضوان دونما انتظار إلى الداخل وجاء بآلة نفخ عجلات الدراجات ثم بدأ عملية النفخ،وبعد دقائق اتخذت الكرة الجلدية الشكل الذي حلم به الصبية،ودونما انتظار انطلقوا إلى مساحة ليست بها زراعة في الجزء الأعلى من القرية قرب مسجد الدير.تبعهم أطفال آخرون وشكلوا حلقة حول “رضوان” الذي كان ممسكا بالكرة..ارتفعت الأصوات وصار المكان يشبه ساحة مدرسة ابتدائية.من المنازل المجاورة من الجهة الغربية فوق تل،أطل نسوة بعضهن يحملن صغارهن على ظهورهن.تناوب على حمل الكرة الأطفال الستة الذين اشتركوا في ثمنها،كانت تبدوا كتلك الكرات التي تجري بها المباريات المنقولة على التلفزيون،اندفع باقي الأطفال إلى جوانب ما سيتخذونه ملعبا، فصاروا يتناوبون على ركلها، بقعها البيضاء والسوداء وهي تتكور على الأرض تمنح المكان بهجة.. اتفق الصغار على أن يجمعوا أحجارا ويضعون حدا بين المساحة الصغيرة وزيتون “عمي البوريمي” ويضعون حدا من الجهة السفلى من الملعب لكي لا تتدحرج الكرة إلى الواد الذي يقسم القرية إلى قسمين،وأن يأتي كل واحد منهم بقميص أبيض قصير الأكمام في الغد لوضع الأرقام على ظهره.
أمسوا يومها وقد علم كل أطفال القرية أن “رضوان ولد عبد القادر” وأصدقائه صطوف ولد المسكيني و”يوسف ولد المهداوي” و”بلال ولد الحاج” و”نور الدين ولد جمعة” و”هشام ابن لعناطري” شكلو فرقة لكرة القدم… في الغد،إلتقوا قرب باب “العم عبد القادر”..الكرة المشتركة أمضت ليلتها هناك. خرج “رضوان” يحمل في يده قميصا قطنيا أبيضا مال بياضه إلى اصفرار لفرط مااستعمل سائل الجافيل في تنظيفه،لن يقول لأصحابه إن أمه رفضت أن تعطيه قميصا أحسن منه.. القمصان التي جاء بها الباقون، كانت هي الأخرى بالية،بل إن “ابن لعناطري” جاء بقميص تم قص أكمامه الطويلة بشكل غير متساوي ..أحضر “بلال ولد الحاج” من منزله علبة طلاء أسود كانت به بقية وفرشاة استعملت منذ زمن وصارت غير صالحة للاستعمال. قال “رضوان” إنه سيحمل رقم عشرة ولم يجادله الباقون الذين علم كل واحد منهم رقمه.
كانت الأرقام تتسلسل من واحد إلى خمسة،ثم بدأت عملية كتابة الأرقام،استغرق الأمر مدة ساعات.بجوار منزل “رضوان” شجرة لم يكن بها أوراق،ثبت الصغار القمصان على أوراق الشجرة حتى صارة تبدو من بعيد وكأن سربا من طائر البقر اكتسحها. عليهم الآن أن ينتظروا حتى تجف الصباغة..قال “صطوف ولد المسكيني” إذ على المجموعة أن تقوم برسم الخطوط التي تحدد الملعب.الأمر يتجاوزهم ويتطلب إمكانيات لا يملكونها،صمتوا ولم يعقبوا على من عدد المصاعب.
تكلم “نورالدين ولد جمعة” وقال أن الأخشاب متوفرة لبناء المرميين،تلك مهمة قامو بها عصر ذلك اليوم.كان المرمى بارتفاع يزيد عن المتر وبعرض متر ونصف اضطروا أن يربطو العيدان بعضها ببغض ليكملوا كل واحد من المرميين. الذين لا ينتمون إلى فرقتهم تلك، كانو يتابعون من بعيد ولكن باهتمام واضح،تلك العيدان ملامح يتيمة ما يعده الصبيان ملعبا لكرة القدم،وقد أرادوا تجربته في اليوم نفسع. انقسمت المجموعة إلى فرقتين من ثلاثة لاعبين في كل فرقة، ذهب الطفل وإسمه “حمزة” إلى منزل عائلته، وجاء بصفارة كان يحتفظ بها ثم انطلقت المقابلة..تدحرجت الكرة المرققة في اتجاهات شتى على واقع ركلات الأرجل الصغيرة التي انتعلت أحذية متهالكة تبدوا يتيمة وسراويل مختلفة الأشكال والألوان،وسمعت الصيحات وصفارة الحكم،مر بهم بعض الشبان استوقفهم الحماس وحرارة المقابلة،صفقوا وهم يضحكون ثم انصرفوا،انهت المقابلقة لما مالت الشمس إلى المغيب..في الصباح نهض الستة باكرا وتسللوا من منازلهم،يريدون تفقد الملعب،كل شيئ كان مكانه.. كان منعم من أطفال أعلى القرية وكانو ينادونه ب(أجريحة)، وكان تلميذا في العاشرة من عمره ولكن قامته توحي بأن عمره يزيد على العاشرة..جاء ذلك اليوم يبحث عن رضوان الذي نصب نفسه عميدا لكرة القدم لفرقته. وعرض عليه إجراء المقابلة في اليوم نفسه،كان الأطفال يخشون أجريحة الذي لم يكن يتردد في ضرب البعض منهم بسبب أو بغير سبب، عدوانيته تلك كانت تخيف الصغار..ولذالك وافق “رضوان”.
اتفقوا على أن يتولى التحكيم ذلك الطفل نفسه الذي اسمه “حمزة”، قد صار الحكم الدائم لكل المقابلات التي ستجريها فرقة “رضوان”..جاء أجريحة وأعضائه في الموعد.وعلى جنبات الملعب حيث يبدأ المجال المعشوشب احتشد الأطفال وهم يهتفون، كل يشجع فريقه بعباراته الخاصة،
وكان الكثير منها منقولا عما تتناها إلى أسمائهم من تلك الهتافات التي يرددها الجماهير في مباريات الكبار . كانو ينطقونها نطقا تقريبيا، وهم يضنون أن الأهم أن ترفع الأصوات وفق إيقاعات معينة ، توسط الملعب حمزة وهو يضع صفارته بين شفتيه ، في يده قطعة نقدية من فئة درهم واحد. اختار كل واحد من عميد الفريقين وجها من وجه القطعة النقدية .
رفع “حمزة” القطعة في الهواءلما سقطت على الارض ، منحت فرقة أجريحة المبادرة باللعب ، تم تسليمه الكرة و ما لبث أن نفخ “رضوان” في صفارته فتحركت الاقدام و بدأ اللعب ، من جنبات الملعب تأتي أصوات تردد أسماء لاعبين اشتهروا وطنيا و دوليا ، الذين يركضون وراء الكرة يحسبون انفسهم مثل أولائك اللاعبين الذين سطعت نجومهم ، كان لاعبي “كريم” بقمصانهم التي حطت عليها تلك الارقام تبدوا في نظر صغار أمثالهم كلاعبين محترفين ، الآخرون ليست لديهم قمصان بلون موحد ولا يحملون على ظهورهم أرقاما ، تقدم أجريحة مسرعا ثم قذف الكرة بقوة اتجاه المرمى كاد الحارس يمسك بها ، سمعت صفارة رضوان تعلن الهدف الاول في المباراة ، مر من هناك ثلاثة رجال يعتمرون قبعات صنعت من نبات الدوم . توقفوا قليلا ثم انصرفوا الى حال سبيلهم ، بعد ذلك الهدف ارتفع إيقاع المقابلة ، تقدم “يوسف ولد المسكيني” حول شباك فريق الخصم وبلغه سريعا ثم سدد نحوه ، ارتطمت الكرة بالقائم ثم دخلت المرمى ،انطلقت صفارة الحكم” رضوان” معلنة تسجيل الهدف ،كان بجواره تلك الأثناء أجريحة دفعه وأسقطه أرضا ، وهو يقول إن الكرة مرت بجانب المرمى ، جاء “كريم” ومعه لاعبان من فرقته يحتجون ، إذ أمسك أجريحة بالكرة نهض الحكم وقد أجهش بالبكاء .
ما أبكاه أن هيبته التي كان يستشعرها مرغت بالتراب ،صاح كريم في وجه أعطني الكرة ، نحن لن نكمل معكم المقابلة ، مضى بعينيه في جولة حول المكان وقد ازداد تمسكه بالكرة ، ثم فجأة انطلق هاربا ، فوجئ كل الذين كانوا هناك ، ثم انطلقوا في أثره . كان أسرع منهم .. رأوه يمضي في اتجاه الطريق ، لما بلغها توقف إذ رأى شاحنة تحمل شتائل نبات الصفصاف و الصنوبر مقبلة ، ظن أن الصبية الذين يلاحقونه أنهم قد أدركوه ، لما كادوا يمسكون به كانت الشاحنة قريبة ، دحرج الكرة نحو عجلاتها … تمزقت محدثة صوتا يشبه صوت طلقات بنادق الصيادين ، لم تتوقف الشاحنة، هرب اتجاه زاوية تسمى لمقام في أعلى القرية و أخذ يراقب الاطفال من بعيد إلى حين أن يأتي الظلام فيتسلل، و تقدم أحد الاطفال الى الطريق و ما لبث أن جاء بأشلاء الكرة، كان “رضوان” يبكي بينما تظاهر آخرون أنهم كالرجال لا يبكون .. إنتهى كل شيء ، أبلغ “رضوان” والده بالذي حدث كان يأمل أن يشكو إلى عائلته و أن يجبرها على دفع تعويض أو شراء كرة مثل التي مزقتها شاحنة نبات الصفصاف، انظر و انتظر معه أصدقاءه عدة أيام و لكنهم لم يحصلوا على شيء ثم انتهت العطلة و عادت مواعيد مدرسة المرس لتمنح حياة الصغار إيقاعها، ولم يعد “رضوان” يحلم كما حلم من قبل بملعب كرة القدم و فرق من الزخانين تتبارى .. صار الموضوع عنده في حكم المؤجل .