فضيحة 8 مليار توجه ضربة قاتلة لصورة المغرب؟

أريفينو.نت/خاص
ألقت قضية الشهادات الجامعية المزورة في أكادير بظلالها مجدداً على الساحة، معيدة إلى الواجهة ملف الفساد الشائك والمقلق. فمكافحة هذه الآفة، التي تنخر جسد المجتمع، تبدو مهمة شاقة ومحفوفة بالعقبات، فيما الإصلاحات التشريعية الجارية لا تضفي على هذا المسار الوضوح أو الدعم المنشود.

لقد أثار النهج المتبع، والذي يرفض تجريم الإثراء غير المشروع بشكل صريح، موجة سخط عارمة، لا سيما من جانب جمعيات المجتمع المدني المعنية بمكافحة الفساد وحماية المال العام. وفوق ذلك، فوجئت هذه الجمعيات بمنعها من حق التقاضي بموجب التعديلات الجديدة على قانون المسطرة الجنائية، حيث أصبح هذا الحق حكراً على المؤسسات الرسمية. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أليست هذه المؤسسات ذاتها عرضة للاختراق بفعل الفساد؟

وهبي يتمسك بموقفه وسط تساؤلات مشروعة

في هذا السياق، قد تبدو دفوعات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الذي يقود هذا الإصلاح، قوية في بعض جوانبها، لكنها تظل مثيرة للجدل وتطرح تساؤلات عميقة في جوانب أخرى. خلال عملية التصويت على النص بمجلس النواب، كانت الجمعيات تأمل في تغيير جذري للموقف، خاصة وأن العديد من الأحزاب السياسية أبدت تعاطفها مع مطالبها الداعية إلى إلغاء هذا الحظر. غير أن هذا الدعم لم يكن كافياً لمواجهة أغلبية برلمانية صوتت لصالح النص بالصيغة التي انتقدتها فعاليات المجتمع المدني.

بل إن الجمعيات كانت تعول على وقع قضية الشهادات المزورة بأكادير لترجيح الكفة لصالحها. ولكن، في تطور مفاجئ، كشف الوزير وهبي أن المتهم الرئيسي في قضية الفساد هذه ليس سوى رئيس إحدى جمعيات مكافحة الفساد، في مفارقة صارخة.

وقد شكل هذا المعطى حجة إضافية للوزير، الذي لم يتردد في الإشارة إلى أن بعض الجمعيات تُستخدم كأدوات “لإعادة تشكيل الخريطة السياسية”، متهماً إياها بإغراق المحاكم بالشكاوى ضد المنتخبين، والتي يكون بعضها “دون أساس من الصحة”، وتغذية المحاكمات الإعلامية حتى قبل أن يتسنى للقضاء التحقيق في الملفات. كما أشار إلى أن عدداً قليلاً جداً من القضايا التي بادرت بها الجمعيات تصل فعلياً إلى مرحلة المحاكمة. ولكن، هل تكفي هذه المبررات لإلغاء هذا الحق بشكل كامل عن جميع الجمعيات؟ وماذا عن تلك التي تقوم بعمل جاد ومنهجي، وتلك التي ساهمت فعلاً في كشف فضائح فساد كبرى؟ ألم يكن من الأجدى تأطير هذا الحق بدلاً من إلغائه، كأن يتم مثلاً فرض شروط تتعلق بالأقدمية، أو إلزامها بالاحترام الصارم لسرية التحقيق تحت طائلة العقوبات؟

كل هذه التساؤلات تضع شرعية، بل ودستورية هذا الإصلاح وحججه، على المحك. ولهذا السبب، كان تدخل الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها منتظراً بفارغ الصبر.

هيئة النزاهة: تحرك “خجول” يثير التكهنات؟

وبالفعل، أعلنت الهيئة في 23 مايو 2025 أنها قامت بإحالة الأمر إلى الوكيل القضائي للمملكة بهدف مباشرة دعوى مدنية باسم الدولة في قضية الشهادات الجامعية المزورة بأكادير. وأوضحت الهيئة، التي تحركت بناءً على “معلومات متطابقة تفيد بوجود وقائع قد تندرج ضمن جرائم الفساد”، أنها فتحت تحقيقاً أولياً. وبعد أن تبين لها أن القضية معروضة بالفعل على القضاء، أعلنت عدم اختصاصها للتدخل في الشق الجنائي، وذلك بموجب المادة 7 من القانون رقم 46.19 المنظم لعملها. وعليه، قامت بتفعيل المادة 36 من نفس القانون، ملتمسةً من الوكيل القضائي تمثيل الدولة كطرف مدني في القضية، وهو الطلب الذي قُبل. وأكدت الهيئة أنها تحتفظ بحقها في استخدام صلاحيات أخرى ينص عليها القانون عند الاقتضاء.

وقد اعتبر بعض المراقبين هذه المبادرة “خجولة”، خاصة وأن الرئيس الجديد للهيئة، محمد بنعليلو، هو وسيط المملكة السابق. فهذا القاضي المخضرم يُنتظر منه تحقيق نتائج ملموسة وفعالية وتأثير أكبر على أرض الواقع.

ماذا يقول القانون المغربي عن جريمة الرشوة؟

تحدد الفصول 248 وما يليها من القانون الجنائي المغربي بوضوح الأفعال التي تشكل جريمة الرشوة والعقوبات المرتبطة بها. ووفقاً لهذه النصوص، يُعتبر مرتكباً لجريمة الرشوة كل شخص يطلب أو يقبل عروضاً أو وعوداً، أو يتلقى هدايا أو عطايا أو أي مزية أخرى، مقابل قيامه بعمل أو امتناعه عن عمل يدخل في نطاق وظائفه. وتتراوح العقوبة المقررة بين السجن من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة مالية من 2000 إلى 50000 درهم.
ومع ذلك، عندما تتجاوز قيمة المبلغ المتحصل عليه أو الموعود به 100000 درهم، يتم تشديد العقوبة لتصبح السجن من خمس إلى عشر سنوات، بالإضافة إلى غرامة تتراوح بين 5000 و100000 درهم.

الخط الأخضر لمكافحة الرشوة: أداة تكافح لتغيير الواقع

كان الخط الهاتفي الأخضر لمكافحة الرشوة، الذي أطلقته رئاسة النيابة العامة في 14 مايو 2018، قد مكن في عام 2021 من توقيف حوالي مائة شخص في حالة تلبس، غالبيتهم من أعوان وموظفي السلطة. وتميزت جهة مراكش آسفي بتصدرها الإحصائيات بـ 34 قضية. وللمقارنة، وبمعزل عن هذا الخط، تم إحصاء حوالي 12000 ملف فساد في عام 2019، مما يعكس حجم الظاهرة المقلق.

وفي عام 2022، كشفت غيثة مزور، التي كانت تشغل آنذاك منصب وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أن الخط الأخضر تلقى 67000 مكالمة منذ إطلاقه، أي بمعدل 100 مكالمة يومياً. وأوضحت أيضاً أن هذا النظام أدى إلى 217 عملية توقيف في حالة تلبس على مدى ثلاث سنوات، أي بمعدل توقيفين أسبوعياً تقريباً، استهدفت موظفين من القطاعين العام والخاص في جميع أنحاء المملكة.

ولكن على الرغم من الترسانة القانونية والإجرائية الموضوعة، لا تزال النتائج المتوخاة تبدو متواضعة بالنظر إلى حجم المشكلة. ويشكل الخط الأخضر تقدماً بلا شك، لكنه لا يمكن أن يعالج بمفرده الاختلالات البنيوية أو العراقيل المؤسسية.

تراجع مقلق في التصنيفات الدولية للشفافية

وفقاً لجمعية “ترانسبرانسي المغرب”، “في عام 2024، حصل المغرب على 37 نقطة، متراجعاً بنقطة واحدة مقارنة بعام 2023، واحتل المرتبة 99، أي بتراجع مرتبتين عن العام السابق. هذا التطور يسلط الضوء بشكل أكبر على التدهور المستمر لوضع الفساد في البلاد منذ عام 2012. وعلى المدى الطويل، يحتفظ الفساد بطابع مستشر، ولم يتم اتخاذ أي إجراء جاد حقيقي لمعالجته”.

ووفقاً لتقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2023، الذي استشهدت به الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، يواصل المغرب تراجعه في مؤشر إدراك الفساد، مسجلاً بذلك عامه السادس على التوالي من التراجع.

تظهر هذه المؤشرات أن النتائج الملموسة تجد صعوبة في مواكبة الخطابات والالتزامات الرسمية. فإدراك الفساد لا يزال مرتفعاً، والشعور بالإفلات من العقاب مستمر، وكلها عقبات تقوض ثقة المواطنين وجاذبية مناخ الأعمال في البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *