فوضى قطاع سيارات الأجرة.. هكذا يعرقل “لوبي الكريمات” التقنين

– محمد الراجي
عاد موضوع فوضى قطاع سيارات الأجرة ليطفو على السطح مجددا عقب كشف مستشار برلماني عن توفر شخص على 200 مأذونية نقل، استفاد على إثرها من 32 مليون سنتيم من الدعم المخصص من طرف الحكومة لمهنيي القطاع لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات.
وعلى الرغم من أن وزارة النقل واللوجستيك نفت ذلك وقالت إن الأمر يتعلق بـ20 مأذونية، وليس 200، إلا أن المهنيين يؤكدون وجود مواطنين يتوفرون على عشرات “الكريمات”، وأغلب المستفيدين من هذا “الريع”، كما يسميه منتقدوه، ليسوا مهنيين.
“لوبي الكريمات” يعارض التقنين
بعد الحَراك الشعبي الذي شهده المغرب عام 2011، أُعيد فتح ملف “الكريمات” من طرف الحكومة التي قادها حزب العدالة والتنمية، حيث جرى الكشف عن جزء من المستفيدين منها، منهم رياضيون وفنانون معروفون، غير أن الملف سرعات ما طوي دون أن تعقبه أي إجراءات.
ويقول مهنيون إن ملف “المأذونيات” يُعدّ بمثابة “عش الدبابير” تتطلب معالجته جرأة سياسية كبيرة، نظرا لوجود “لوبيات” تدافع بشراسة عن إبقاء قطاع النقل على ما هو عليه، وعدم فتح أبوابه في وجه الشركات كما يطالب بذلك الذين يؤيدون تقنينه.
وأكد أحمد صابر، الكاتب الوطني للنقابة الوطنية لمهنيي سيارات الأجرة بالمغرب، أن هذا القطاع “يحتاج إلى تقنين”، مشيرا إلى أن المأذونيات كانت تسلم في السابق بشكل كبير، وهو ما ساهم في الفوضى التي يعاني منها قطاع سيارات الأجرة حاليا.
المثير للانتباه هو أن نحو 96 في المئة من ملاك مأذونيات سيارات الأجرة لا علاقة لهم بالمهنة، بحسب تقديرات الفاعلين النقابيين، ما يعني أن 4 في المئة فقط مهنيون. واعتبر أحمد صابر أن “اللوبي” المستفيد من هذا الوضع، هو الذي يضع العراقيل للحيلولة دون تقنين القطاع.
وقال المتحدث ذاته: “هناك لوبي قوي ليس من مصلحته تقنين قطاع سيارات الأجرة”، لافتا إلى أن المهنيين يتداولون وجود أشخاص يملكون عشرات المأذونيات، كما هو الحال في مدينة مراكش حيث يروج أن شخصا يتوفر على 170 مأذونية.
وفي الوقت الذي خلفت فيه تصريحات المستشار البرلماني عن نقابة الاتحاد المغربي للشغل عز الدين زكري، الذي تحدث عن امتلاك مواطن 200 مأذونية، جدلا كبيرا، قال أحمد صابر إن هناك عددا من المواطنين يتوفرون على أربعين وخمسين وستين مأذونية، خاصة في مدن الشمال.
وبينما يبدي “لوبي المأذونيات” معارضته لتقنين قطاع سيارات الأجرة، شدد الكاتب الوطني للنقابة الوطنية لمهنيي سيارات الأجرة بالمغرب على أن “التقنين لا مفر منه إذا أردنا أن تتقدم بلادنا، لأن هذا القطاع أصبح يشغّل عشرات الآلاف من المواطنين، وتقنينه سيدرّ مداخيل مالية على خزينة الدولة”.
ويُقدّر عدد سيارات الأجرة في المغرب بنحو 90 ألفا، ويشغّل هذا القطاع زهاء 200 ألف سائق مهني، لكن عدم تقنينه يجعل أصحاب المأذونيات، أو “مّالين الشكارة” كما يُعرفون في أوساط المهنيين، هم المستفيد الأكبر، بينما السائقون المهنيون الممارسون هم الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة.
وما يفاقم الوضعية الهشة للسائق المهني الممارس هو أنه لا يربطه أي عقد مع “مول الشكارة”؛ إذ يمكن أن يلتقيا فقط في محطة سيارات الأجرة أو في مقهى ويتفقان على العائد المالي “الروسيطة” وعدد ساعات العمل، وإذا أراد صاحب المأذونية التخلص من السائق فلا يحتاج سوى أن ينطق عبارة “آرا دوك السوارت”، يقول أحمد صابر.
وشدد المتحدث ذاته على أن مفتاح تقنين قطاع سيارات الأجرة يوجد بيد وزارة الداخلية، باعتبارها الجهة الوصية، مبرزا أن النقابات حاولت وضع عدد من مقترحات القوانين لدى البرلمان، عن طريق الفرق البرلمانية، لكنها تُرفض، “ولا نعرف سبب رفض الحكومة إصلاح هذا القطاع”، على حد تعبيره.
العشوائية التي يتخبط فيها قطاع سيارات الأجرة، بصنْفيها الكبير والصغير، حوّلته إلى مرتع للمتاجرة على مختلف الأصعدة، حيث يرفض أصحاب المأذونيات تجديد العقود مع السائقين المهنيين، ويفضلون تفويتها إلى أشخاص آخرين مقابل مبلغ مالي يسمى “الحلاوة”، يتجاوز في بعض المدن أربعين مليون سنتيم، إضافة إلى واجب الإكراء اليومي “الروسيطة”.
ويمتد جشع “لوبي الكريمات” إلى الاستفادة من الدعم الحكومي المخصص لهذا القطاع، حيث أوضح أحمد صابر أن جزءا من الدعم المخصص لتجديد أسطول سيارات الأجرة يذهب إلى جيب أصحاب المأذونيات، بسبب الشروط الصعبة التي تتطلبها عملية الاستفادة من هذا الدعم.
وأوضح قائلا: “الدولة تدعم تجديد أسطول سيارات الأجرة، ولكن هذا الدعم لا يذهب في الاتجاه الصحيح، فحين يذهب المستغل إلى الولاية أو العمالة، يطلبون منه العقد النموذجي وتفويض صاحب المأذونية وشهادة حياته، وشروطا أخرى، وعندما يتوجه إلى صاحب المأذونية لمدّه بهذه الوثائق، يطالب الأخير بنصيبه من الدعم المخصص لتجديد السيارة”.
ولا تتوقف الاختلالات الكبيرة التي يعاني منها قطاع سيارات الأجرة عند هذا الحد، بل إن عددا من أصحاب المأذونيات يعمدون إلى بيعها، رغم أن ذلك ممنوع من الناحية القانونية، وتنتشر هذه المعاملة أكثر في مناطق الشمال، وفق إفادة أحمد صابر موردا أن “هذا هو اقتصاد الريع دْ بْصَّحْ”.
ويمتد العقد الذي يجمع بين بائع المأذونية ومشتريها إلى عقود من الزمن قد تصل إلى 99 سنة، ويستغرب صابر كيف أن هذه العقود تتم المصادقة عليها من السلطات المعنية، مشيرا إلى أن أطراف عملية البيع يحصلون حتى على عقود عدلية مصادق عليها في مصالح الالتزامات والعقود بالجماعات.
ضرورة إنهاء ريع المأذونيات
إذا كان “لوبي الكريمات” مستفيدا من الوضع الحالي لقطاع سيارات الأجرة، فإن المهنيين يجمعون على ضرورة تقنين القطاع؛ فقد أكد محمد بامنصور، الكاتب العام للفدرالية الوطنية للنقل السياحي بالمغرب، بدوره، أن “ضحية الوضعية الحالية هم السائقون المهنيون”.
وقال بامنصور، في تصريح إن مهنيي قطاع النقل السياحي عندما يصادفون مشاكل مع سيارات الأجرة في المطارات وأمام المؤسسات السياحية، وحين يتوجهون لتقديم شكاية لدى الجهات المهنية، “يجدون أنفسهم أمام السائقين، في حين إن صاحب السيارة الحقيقي يظل مجهولا”.
وأضاف أن الوضعية الحالية التي يوجد عليها قطاع سيارات الأجرة بالمغرب، الذي يتحكم فيه أصحاب المأذونيات، تجعل الهم الأكبر بالنسبة للسائق المهني هو تحصيل “الروسيطة” التي يمنحها لصاحب المأذونية، ثم البحث عن هامش الربح بعد ذلك بطرق قد تشكل خطرا عليه وعلى الزبائن، جراء السير بسرعة، أو اللجوء إلى “الاحتيال” عن طريق الزيادة في العداد، معتبرا أن “أكبر خاسر هو السائق المهني”.
وتابع المتحدث ذاته بأن قطاع سيارات الأجرة “يجب أن يخرج من إطار الريع”، منبها إلى أن بقاء الوضع الحالي لا يُضرّ فقط بالسائقين المهنيين، بل تضيع معه خزينة الدولة في مداخيل مهمة، لأن أصحاب المأذونيات يحصلون على مداخل مالية كبيرة، لكنهم لا يدفعون أي ضريبة للدولة، بخلاف شركات النقل السياحي التي تدفع الضرائب.
وأكد أن فسح المجال للشركات للاستثمار في قطاع سيارات الأجرة، سيمكن من تشجيع التنافسية بما يؤدي إلى تجويد الخدمات المقدمة للزبائن وتوفير مداخيل مهمة لخزينة الدولة، كما أنه سيحسّن صورة المغرب لدى السياح الأجانب.
وسبق للفدرالية الوطنية للنقل السياحي بالمغرب أن قدمت مقترحات إلى وزارة النقل من أجل هيكلة القطاع، حيث اقترحت إحداث “سيارات أجرة بروميوم” (premium)، تتميز بتوفير خدمات النقل للمواطنين.
واعتبر بامنصور أن “لوبي الكريمات” المسيطر على قطاع سيارات الأجرة “لا يريد أن تتم هيكلة القطاع، ولا يريد دخول فاعلين آخرين”، داعيا إلى “القطع مع هذا الريع وتشجيع الشركات على الاستثمار في القطاع”.
