كورونا …محمد بوتخريط يكتب : موتانا هنا بلا قبور…

هولندا / محمد بوتخريط
– موتانا هنا بلا قبور…
كان مسنًا هولنديًا مغربيًا وكان يعاني من مرض مزمن في القلب منذ فترة. كان عليه أن يذهب بانتظام إلى المستشفى للعلاج من جميع أنواع الأمراض. مات قبل أسبوعين ، فجأة وبسرعة. بعد بضعة أيام دفن في مقبرة “إسلامية” في هولندا ، وهو الذي لم تكن لديه في حياته اية امنية غير أن يدفن في قبر عائلته في المغرب.
قد يعيش هؤلاء هنا طوال حياتهم ، لكن رغبتهم الجامحة في العودة إلى وطنهم تبقى لصيقة بهم لا تفارقهم أبدا وإن عادوا إليها جثثا هامدة يكفيهم فقط أن يدفنو بين ذويهم ويضمهم تراب بلادهم .
إن فكرة هؤلاء خاصة منهم الاجيال الاولى عدم دفنهم في المغرب لم تخطر لهم يوما على بال. لقد داومو لسنوات عديدة على دفع مستحقات للابناك المغربية لتأمين عودة جثامينهم ولو نعوشا طائرة إلى ارض الوطن.
لا يحصدون اليوم سوى السراب … لا يتذكّرون أي شيء سوى مشهد كبير لمعركة طويلة وكثير من الصراخ.
أنظر اليهم لا أتذكر غير رائحة الرذاذ الخانق، والجثث المتراكمة ، ورائحة الدم الدافئ الممزوج برائحة مواد التنظيف من خل و’جافيل’ والرعب الذي يشعرون به في هذه الليالي الحالكة .
لا يستطيعون أن يقاومو المرض ولا الرعب ولا الحاجة إلى الهرب بحثاً عن ملجأ يحتمون فيه و قبرا ياويهم.
أتذكَر أننا بأمانٍ في منازلنا ، وبدأت أسأل نفسي لماذا هم ليسو مثلنا في هذه الليالي المرعبة.
الاماكن هنا فارغة من القهوة ولكن رائحة قهوتهم لا تزال تفوح من كل الأماكن هنا .
في زمن الكورونا ، أصبحت حساباتهم عن المكان الذي سيُدفنون فيه في مراجعة مستمرة، اصبح الامر مرتبطا بتطورات كورونا المتغيرة. بدأت رغبتهم في عيش المزيد من الوقت تشمل الأمل في أنهم قد يعيشوا طويلًا بما يكفي ليموتو في لحظة يمكن أن يتمكنو فيها من أن يُدفنو في موطنهم الأصلي.أو يموتون فيه.
حتى وإن وجدو مكانا للدفن هنا ، قد يعودو وتتخلون عن هذا الاحتمال بسبب عدم وجود ضمانات حول عدم فتح القبر في أجل لاحق لسبب او لآخر،هم يفضلون ألا تنبش قبورهم بعد ردم التراب علي جثامينهم .
سئموا من أحلامهم التي تعثّروا كثيراً للوصول إليها، لطالما عجزوا عن رؤية بصيص أمل وهم طريحي الفراش يحتضرون، لطالما كانو بحاجة لكتف يتكؤون عليه.. فلم يجدو إلا أيادي تُغرقهم في بئر عميق ينفذ منه الأكسجين دون مسعف أو منقذ.
إحساس الحنين إلى الوطن يلاحقهم في كل مكان ، و حلم العودة بقى دفينا لدىهم ، وإن لم يتحقق في حياتهم فأمنيتهم ان يتحقق عند مماتهم.
لكن الظاهر أن عواصف ما تحطم كل شيء…تُغرقها في دوامة من الأحاسيس…تخلط داخلها شعورا بالامل والألم، في مزيج لم يسبق له مثيل.
أراهم يبكون في صمت، لكن هذا البكاء. لن يخمد نار الفؤاد..
لقد تحطمت أحلامهم على حطام وعود أوطانهم…
سلاما حتى مطلع الفجر ، فهل طلع فجرهم ؟!
لا … بل طلع الظلام .
