ليالي رمضان في زمن كورونا.

أريفينو : 6 مايو 2020.
*ميمون حرطيت.

بمدينتي، تمضي ليالي رمضان في هذه السنة يتيمة، وموحشة؛ هي ليست ليال زمهريرية قارسة البرودة ، ولا مفرطة في الحرارة ؛ بل على العكس من ذلك تماما ؛ إذ هي دافئة دفء الحضن الحنون.. توحي بكثير من الرومانسية، ومغازلة الطبيعة، غير أنها مع بالغ الأسف؛ باتت في هذه السنة خالية من الحركة، و من الحياة؛ فقد غابت عنها تلك الحشود المختلطة، من الكبار والصغار والنساء، الرائحة الغادية من وإلى المساجد؛ لأداء الصلاة و التراويح، وتلك النُّزهات على “كورنيش المدينة” أو في محيط “النادي البحري” و حتى في الشوارع الرئيسة، حيث يكثر الصخب ، بين زعيق السيارات، ووشوشات النساء، ومناقشات الكبار ونزق الصغار، فيبدو المكان كمدينة الملاهي نابضا بالحيوية إلى ما بعد منتصف الليل، وفي ليالي السبوت إلى ما قبيل السحور، كل ذلك بات مرغوبا اليوم، و نتحرق شوقا إليه، بعدما كنا ننتقده في بعض من مظاهره النشاز، لما لم يكن علينا ممنوعا.
على عكس الأعوام السابقة إذن؛ يمر بنا رمضان هذه السنة، ونحن في أشد ما نكون من التوجس والحذر، نقبع في منازلنا كالجرذان في جحورها؛ لا نفارقها إلا لسبب وجيه وضروري، شرط تسلحنا بوثيقة التنقل ، وبكمامات الوقاية، مخافة الإصابة بالعدوى، أو التعرض لعقوبة خرق حظر الحجر. وإذا ما صادف وخرج أحد منا لغرض مُلح، فإنه بلا شك سيشعر بوحشة من يوجد وحده في غرفة بلا أثاث. وإذا صادف تواجد شخص ما قادم في الإتجاه المعاكس لسيرنا؛ فإنه سرعان ما ينعطف إلى الطرف الآخر من الطريق، تفاديا لملاقاتنا، ولو لم يفعلْ لفعلنا.
وفي هوامش المدينة، كما في الأحياء، يتواعد بعض الشباب المدمنين على” الحشيش”و غير ذلك من المخدرات، وحتى ممن يرغبون في الدردشة وقتل الوقت وطرد القنط، مستعملين هواتفهم على اللقاء في أماكن معتمة معلومة وبعيدة عن الأنظار؛ وكأنهم على موعد غرامي يخشى عليه من الافتضاح.
هكذا غيّر المشؤوم “كوفيد19” من سلوكنا تجاه أنفسنا وغيرنا، وحتى إزاء الطبيعة، فأصبحنا نأتي بسلوكات لم نكن نتوقعها أو تخطر على بالنا حتى.
*أستاذ متقاعد.
