مقتطف من سيرة عادية. سر الكتاب المجهول

أريفينو : 30 مايو 2020.
*ميمون حرطيت.

لم يكن في الصندوق الخشبي الذي عملت بنفسي على ترميمه، سوى بضعة دفاتر تتضمن ملخصات دروس و كتابين رسميين للمطالعة، بالإضافة إلى كتاب بدون دفتين ولا عنوان ولا اسم المؤلف.
لقد قررت في صيف ذلك العام الذي حصلت فيه على الشهادة الابتدائية؛ أن أهيئ نفسي للسنة الموالية؛ سنة الملاحظة، فسطرت لنفسي برنامجا لإعادة قراءة نصوص الكتابين الرسميين للسنتين السابقتين، وملخصات ما تضمنته تلك الدفاتر؛ حتى أنني حفظت بعضا منها عن ظهر قلب، طبعا؛ لقد كان علي أن أتهيأ في كتب السنة الموالية؛ لكن العين بصيرة واليد قصيرة.
ذات مرة مددت يدي إلى ذلك الكتاب المجهول؛ قلبته بين يدي، ثم رحت أتصفحه، فإذا هو مختلف عما ألفت قراءته شكلا ومضمونا، مع جمل استعصى عليّ فهم بعض عناصرها؛ فاستشعرت ضرورة الاستعانة بمنجد؛ إلا أنني فكرت في حالة العوز الذي تعيشه أسرتي، خصوصا وأننا ثمانية أفواه، تضاف إليها مصاريف الدخول المدرسي المقبل، لذلك نفضت عن ذهني فكرة المنجد، آملا بالمقابل أن يدرجه أستاذ العربية ضمن لائحة اللوازم المدرسية، حتى لا أحرج أبي.
كم كان يستهويني في العشيات أن استظل بشجرة التين النابتة في حوش الدار، و أفتح كتابي المجهول على الصفحة الموالية؛ كان الأمر يأخذ مني الكثير من الجهد لفهم أغلب التعابير الواردة فيه، وكم من مرة عدت إلى الصفحات السابقة لربط الأحداث؛ وعلاقات الشخصيات فيما بينها؛ كما كنت أستنجد بركن الشروح في كتابيّ الرسميين، لعلي أحصل على مرادف لكلمة عصية؛ وبما أنني كنت أسمع أبي أكثر من مرة يتلو أثناء صلواته سورا لم أحفظها؛ قلت في نفسي: هو أعلم مني، لذلك كنت من حين لآخر أعرض عليه كلمات ليشرحها، ويفك لي طلاسيمها؛ غير أن ذلك لم يشف غليلي أبدا.
* * *
في إحدى المناسبات العائلية؛ تداول الضيوف في فترات ما بين تلاوة الفقيه لآيات من الذكر الحكيم؛ مواضيع متفرقة ؛ انصب أغلبها حول الظروف المعيشية الصعبة بعد أزيد من عقد من الزمن على الاستقلال. قال صاحب المناسبة: إن أخبار المغرب تصل إلينا في الخارج قبل أن تسمعوا عنها هنا؛ في الداخل؛ لقد مرت عدة شهور على أحداث الدار البيضاء؛ فمن منكم لديه أخبار عنها؟ في تلك اللحظة كسر الفقيه الحديث بترتيل الآيات”…ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم…” فبكم الجميع.
وبينما كان الفقيه لا يزال يرتل؛ كنت أهيئ نفسي لأمر أستقر في ذهني، في البدء انتابني تردد؛ غير أن مغادرة أبي للغرفة لإخماد بلية التدخين بمزيد من إحراق الرئتين؛ حرك في نفسي جذوة الحماس؛ فبادرت الفقيه بسؤال: هل تسمح لي سيدي الفقيه؟ وبينما كان الأخير ينطق بكلمة تفضل؛ نهرني الذي كان متقرفصا بيننا:”أششت؛ أإبليس! حين يتحدث الكبار ينصت الصغار”. حدجته بنظرة حانقة؛ وقد استرعى انتباهي أذناه الحادتان؛ وكدت ارد عليه: إبليس هو انت؛ لكنني حجمت عن ذلك، واكتفيت بغمغمة: “معك سلة حظ؛ كون أبي لم يسمعك.”
قال لي الفقيه:قل ما عندك!
-وجدت صعوبة في فهم كلمات وردت في كتاب، وأرجو أن تساعدني على فهمها.
-وما هي هذه الكلمات؟
أحسست بأن العيون كلها مصوبة نحوي. سحبت ورقة من جيبي ، ومددتها للفقيه الذي راح يمعن فيها النظر ، وهو يهز رأسه المدفون في قب جلبابه الناصع.
– ما اسم هذا الكتاب؟قال لي وهو يرفع رأسه، ليركز بصره عليّ
-ليس له عنوان ولا كاتب ولا دفتان: أجبته في تعبير مسترسل؛ تجنبا لمزيد من الأسئلة.
– هل تحفظ سورا من القرآن الكريم؟
-نعم ؛البعض منها
-إذن أنصحك بحفظ المزيد من ذكر الله:قال لي؛ و هو يعيد لي الورقة.
-نعم سأفعل، ولكن بعد الانتهاء من قراءة كتابي.
– هذا الكتاب لن ينفعك؛ فالكلمات التي أريتنيها تثبت ما أقول:؛ ولا داعي لذكرها، أنا أنصحك لوجه الله.
* * *
كنت قد تجاوزت، ونحن عائدون من الحفل العائلي؛ باقي أفراد أسرتي رغبة مني في التخلص من وشوشاتهم المعبرة عن فرحهم بالهدايا التي تحصلوا عليها من قبل قريبنا؛ صاحب المأدبة، بمناسبة عودته الموسمية من ديار المهجر.
لقد كانت الليلة قمراء ساكنة، والطريق المؤثث بنبات الصبار المثمر خالية إلا منا، محفزة على المشي ، وإطلاق العنان للخيال. لقد كان همي أن أجد أجوبة لبعض ما ازدحم به ذهني من تساؤلات: ما نوع الهدية الاستثنائية التي وعدني بها قريبي؟ ما شكلها؟ ومتى سيكون ذلك؟ ثم ما سبب ردة فعل الفقيه السلبية حيال الكلمات التي طلبت منه مساعدتي في شرحها؟ فأنا متأكد من خلوها مما يخدش الحياء لصدورها عن أم تجاه ولدها وأصدقائه.
وأنا أستعرض هذا الشريط من التساؤلات، حضرتني إرشادات معلم قسم الشهادة:”اشرحوا المفردات المستعصي عليكم فهمها ضمن سياقاتها؛ فالكلمات منفردة تحتمل أكثر من معنى؛ وهذا يضيع عليكم المعنى المطلوب.
أستقر الرأي عندي بعد هذا ، أن أبدأ في نقل بعض مفردات الكتاب، تماما كما نصحنا المعلم بذلك. ومن باب: الشيء بالشيء يذكر، تذكرت صديقي المجتهد(محمود) ، وتذكرت أيضا بأن أباه معلم؛ فإذا ما أقنعته بالتوسط لديه؛ فإنه بلا شك سيسعفني.
في صباح اليوم الموالي كنت أقطع مسافة الثلاثة كيلومترات الفاصلة بين مدشرنا”عريض” وحي “باصو”.بصدر رحب استقبلني أبو محمود في جلسة كانت جد مفيدة بالنسبة لي؛ لم تعكرها سوى تلك الكذبة التي انفلتت مني، حين سألني: لمَ لم تحضر الكتاب؟ فأجبته بأنني نسيت؛ والحقيقة أنني تعمدت عدم أخذه معي لكونه مجهولا، وقد تغافلت عن النفع الذي سأجنيه لو أنني أحضرته معي، لكان من الممكن أن يجد لي حلا لمعضلة العنوان وصاحب الكتاب. ولقد أستعرض على مسمعي عدة عناوين ، وأسماء أدباء لم أسمع عنهم من قبل أبدا. فكنت أجيب: لا ليس هذا، ليس هذا..
قال لي أبو محمود: عليك بالتخلص من عادة النسيان هذه ؛ فبقدر ما أعجبت بكدك ورغبتك في التحصيل؛ لم يعجبني أن تكون نسّاء بهذا الشكل.
ما إن عدت إلى المنزل حتى شرعت في إعادة قراءة الكتاب على ضوء ما توفر عندي من مفاتيح جديدة؛ وحين أتممت القراءة الأخيرة فكرت أن أضع للكتاب عنوانا، تبادرت إلى ذهني عدة عناوين؛ لكنني استبعدتها، ولم أحتفظ سوي بثلاثة منها دونتها في أعلى الصفحة الأولى المتوفرة.
* * *
لم تمض إلا أيام قليلة حتى اتصل بي قريبي لأرافقه إلى المدينة، وما إن ترجلنا من الحافلة، حتى سحبني من يدي لبضع خطوات ليدلف بي إلى إحدى المكتبات المتواجدة في محيط المحطة؛ نبض قلبي بشدة، ولسان حالي يقول: كم أنت قريب من المنجد!؟
أيقظني قريبي من دهشتي قائلا: لقد جرى في يوم المأدبة حوار بيني وبين أبيك؛ فعلمت من خلال تنويهه بك، أنك مجد؛ لذا فكرت أن تكون هديتي لك ، شيئا ينفعك في دراستك، فاختر لك كتابين!
رددت بصوت أشبه بالهمس: ما شئت يا خالي!
-ليس أنا من سيقرأ هذه الكتب، بل أنت.
وعندما لم أرد عليه،قال: اختر واحدا وأنا سأختار لك آخر.
-منجد الطلاب: قلت للكتبي.
مد الأخير يده إلى رف علوي، فسحب منه كتابا أحمر سميكا ؛ ثم وضعه على المنضد بعد أن مرر عليه قطعة قماش أسود.
أجال قريبي بصره في الكتب المصفوفة في الرفوف، ثم أشار إلى أحدها: هات ذاك الكتاب فوقك، أوما الكتبي إلى واحد؛ فوافقه قريبي: هو ذاك. بالضبط.
لم يبد من الكتاب سوى وجه أمرأة أربعينية ملتحفة الرأس بوشاح.. لف الكتبي الكتابين بعناية في ورق مزركش؛ دفع قريبي الثمن، وغادرنا إلى مقهى لنحتسي مشروبا غازيا..
في طريق العودة غربلت أكثر من عبارة أشكر بها قريبي؛غير أني لم أجد في الأخير سوى أبسطها: شكرا خالي!
ما إن وصلت إلى البيت حتى انزويت في ركن قرب الصندوق الخشبي، وبكثير من الحذر حررت الكتابين من الورق اللاّفّ لأستغله في تغليف كتابيّ الجديدين.
تصفحت بضع صفحات من المنجد؛ فقلت مع نفسي: اسم على مسمى، ثم فكرت بأن الكتاب الذي اختاره لي قريبي سيكون بلا شك فرصة للعودة مطولا إلى هذا المنجد الموسوعة.
تناولت الكتاب من باب إشباع الفضول الأولي؛ والاطلاع على فحواه؛ و من أول صفحة أحسست بالألفة تجاهه، ثم قلبت عدة صفحات؛ وإذا بي أصرخ: يال المفاجأة؛ إنه الكتاب المجهول نفسه!!!
بقلب مفعم بالفرح اطلعت على العنوان؛ غير أنه لم يشبه أي واحد من العناوين الثلاثة التي كنت قد اخترتها.

*أستاذمتقاعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *