منبر الرأي: الهجرة العلنية الجماعية كآلية للاحتجاج

بقلم: بلال داوود

ما الذي جعل المغاربة يطورون من آليات احتجاجهم ليصلوا إلى هذا المستوى المتقدم، والذي يوازي الانتحار أو الفداء بالنفس. فكيف يمكن أن نفسر تكاثر أعداد الشباب الراغبين في الهجرة العلنية لأوربا في الآونة الأخيرة والحالمين بالفردوس المفقود، بواسطة أدوات بدائية، إذ نجد أسرا تتكون من الأب والأم والأبناء مجتمعين في قارب واحد، شعارهم نكون أو لا نكون. والجديد هو الانتشار الواسع للفيديوهات الموثقة لهذه العملية على وسائل التواصل الاجتماعي، دون اكتراث من أصحابها بمآلات هذه العملية، والأخطر من ذلك، هو الركوب بمعية أشخاص مجهولين )مقنعين(، بمجرد رسوهم بالقرب من الشاطئ وتحريضهم على الهجرة، تتم الاستجابة فورا دون أي تردد أو تخطيط مسبق، بل وبكل فرح وبهجة.
فهل هو احتجاج من طرف الشباب المغربي جراء الاحتقان الاجتماعي والسياسي الذي يعيشه الوطن؟ أم هو هروب من قانون الخدمة العسكرية للشباب بين الفئة العمرية 19 و 25 سنة، والذي صادق عليه رسميا المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس يوم الاثنين 20 غشت 2018، حيث ينتظر أن يتم تجنيد حوالي 6000 شاب سنويا؟
أم أن الأمر يتعلق بتطور نوعي على مستوى الوعي النضالي للشباب، بعد مرحلة طويلة من الركود السياسي والاجتماعي تمثلت في ارتفاع نسبة البطالة وإقرار الهشاشة و السياسة الارتجالية في تنزيل المشاريع التنموية، مما جعل مجموعة من المدن المغربية تعيش على وقع الحراك الاجتماعي والاحتجاجات وما عرفته من تطورات، إذ اعترف الملك في الخطاب الذي ألقاه يوم الجمعة 13 أكتوبر 2017، بمناسبة ترؤسه لافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة، بفشل النموذج التنموي الذي أطلقه الملك بنفسه قبل 18 سنة منذ اعتلائه العرش، قائلا: النموذج التنموي المغربي لم يعد قادرا على الاستجابة لتطلعات المواطنين. وقوله أيضا: إن النموذج التنموي للمغرب أصبح غير قادر على تلبية احتياجات المواطن المغربي.
إن الأوضاع في المغرب في شتى المجالات لا يتناطح فيها كبشان، فالجميع متفق على تردي وضعف جودة مجمل الخدمات الاجتماعية الأساسية، انطلاقا من أعلى سلطة في البلاد كما ذكرنا، ووصولا إلى المواطن العادي.
وبما أن الأمر كذلك، فهل لظاهرة العولمة دورها في سحق الهوية الوطنية، وبروز الهوية العالمية، وفرض الوصاية الأجنبية على الفرد والمجتمع، إذ تبين الأرقام الجديدة الصادرة في تقرير إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية أن 232 مليون شخص، أو ما يعادل 3.2 في المائة من سكان العالم، يعيشون خارج أوطانهم في أنحاء العالم، مقارنة ب 175 مليون في عام 2000 و 154 مليونا في عام 1990 .
منهم أكثر من 4.5 مليون شخص مغربي مقيم بالخارج وتحويلاتهم بلغت 560 مليار سنتيم، إذ انتقل حجم تحويلاتها المالية من 20 مليار درهم سنة 1990 إلى 56 مليار درهم هذه السنة.
إن المغرب وهو يقر بفشله في تنزيل نموذجه التنموي، نجده يدعم سياسات الهجرة، من خلال مجموعة من البرامج التي يوقعها مع الاتحاد الأوروبي منذ 15 سنة، كان آخرها برنامج الشراكة الذي وقعه يوم 19 دجنبر 2017 بالرباط، هذا البرنامج الذي يضع المهاجرين في صلب عمله والذي خصص له غلاف مالي قدره 390 مليون درهم لمدة أربع سنوات.
يطمح المغرب والاتحاد الأوروبي من خلال هذه الشراكة إلى:
1. المساعدة الاجتماعية والإنسانية للمهاجرين وطالبي اللجوء بالمغرب وحماية الأطفال المهاجرين والقاصرين غير المصحوبين،
2. وضع إطار تنظيمي وقانوني للاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء،
3. التعريف بظاهرة الهجرة
4. إدماج المهاجرين الذين تمت تسوية وضعيتهم في سوق الشغل
5. توسيع برنامج العودة الطوعية للمهاجرين بالمغرب لبلدانهم الأصلية

أمام تفاقم مجموعة من الأوضاع السلبية التي سبق ذكرها، وازدياد جحافل من المهاجرين الذين ينتمون لدول غرب الصحراء بالمغرب تبعا لطبيعة الشراكات والاتفاقيات التي يوقعها المغرب مع الاتحاد الاوروبي، يبقى الوضع بالمغرب مهدد بالانفجار، وابتكار أساليب جديدة من الاحتجاج، من قبيل، مقاطعة شراء بعض المنتوجات، التي تكبدت خلالها بعض الشركات خسائر قدرت بأكثر من 15 مليار سنتيم.
وما الهجرة العلنية الجماعية التي طفت على سطح المشهد اليوم، إلا أسلوب من أساليب السخط واليأس في وطن تضيق فيه شروط العيش الكريم.
ويبقى شباب المغرب هم الثروة الحقيقة التي يجب الحفاظ عليها، وتحصينها ضد كل أشكال التهميش والاستغلال داخل الوطن، والاستجداء خارجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *