منتشرة بالناظور.. “دارت” .. عملية مالية تقليدية تخضع لاختلاف فتاوى فقهاء الدين

محمد الراجي

بعد تزايد الإقبال على المعاملة المالية المعروفة باسم “دارْت” في المغرب، التي يُلجأ إليها إما بهدف الابتعاد عن الاقتراض من البنوك أو وكالات التسليف وما يتبع ذلك من فوائد تثقل كاهل المستفيد منها، فضلا عن عدم تقبلها من لدن فئات من المجتمع باعتبارها ربوية.

وفيما تتسع دائرة المنخرطين في عملية “دارت” إلى حد أنّ والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، اعتبر أنها تعيق الإدماج المالي للمواطنين في المؤسسات المالية المعروفة، فإنّ هناك مَن يرى أنّ هذه المعاملة المالية، التي يلجأ إليها البعض بحثا عن “المال الحلال”، مُحّرمة شرعا.

ثمّة فتوى للعلّامة المغربي الراحل محمد التاويل حول حُكم المعاملة المعروفة شعبيا باسم “دارت”، أجاب فيها عن أسئلة حول جواز هذه المعاملة من عدمه من الناحية الشرعية، قائلا إنّها “معاملة غير جائزة”.

وعلّل محمد التاويل فتواه بتحريم “دارت”، “لما فيها من السّلف بشرط السلف، وهو ممنوع لأنه سلَف جرّ نفعا، وهو حرام إجماعا”، مبيّنا أنّ السلف “أحد الثلاثة التي لا يجوز أن تكون لغير الله، وهذا القرض (يقصد المعاملة “دارت”)، لا يُقصد به وجه الله”.

وتقوم معاملة “دارت” على اتفاق مجموعة من الأشخاص على مساهمة كل واحد منهم بمبلغ مالي معيّن، كل شهر أو حسب المدة الزمنية التي يتفقون عليها، ويأخذ أحدهم المبلغ الذي تمّ تجميعه، وهكذا تجري العملية إلى أنْ تكتمل دورة استفادة جميع الأشخاص المنخرطين فيها.

غير أنّ العلامة محمد التاويل عدَّ هذه المعاملة بمثابة “قرْض مؤجّل بأجَل مجهول، لأن كل واحد من الجماعة أسلف المستفيدَ الأول حظه من المال الذي أخذه بالقرعة على وجه السلف، ولم يرد إليه سلفه إلا عندما تأتي نوبته، وهو لا يدري متى تُسعده القرعة بنوبته”.

ويرى صاحب الفتوى أن عدم معرفة المستفيد متى ستأتي نوبته يؤدي إلى قرض لأجل مجهول، معتبرا أن “هذا مخالف لعموم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تدايَنْتم بديْن إلى أجل مسمى فاكتبوه)”، وأنّ “الديْن الوارد في الآية المذكورة شامل للقرض”.

ويفصّل محمد التاويل في الموضوع موضحا أنّ القرض يقتضي اشتراط تحديد الأجل وتسميته “سدّا لذريعة التراع في المستقبل بين المقرض والمقترض، لأن المقرض لا حق له في المطالبة باسترداد قرضه قبل حلول أجَله كما يقول فقهاؤنا المالكية”.

وإذا كانت شريحة واسعة من الذين يلجؤون إلى “دارت” يفعلون ذلك تفاديا لـ”الفوائد الربوية” المترتّبة عن القروض التي تمنحها الأبناك ووكالات التسليف، فإنّ العلامة محمد التاويل يرى أنّ هذه المعاملة لا تجوز شرعا، وأن تعليلها بكون الجماعة تقصد منها الادّخار والجمع وليس السلف، “تبرير غير دقيق وغير واقعي”.

وأوضح أن “نيّة تبادل السلف حاضرة ابتداء حين توقيع الاتفاقية بينهم، وحين تسليم المال للمستفيد، وهم يُعلنون ذلك ولا يُخفونه ويروْن ذلك بديلا عن القرض الربوي، كما صرّح لي بذلك كثير منهم”.

وزاد: “فإنكار نية السلف وقصده من طرف الجماعة خلافُ الواقع الذي يقصدونه ويُعلنونه، وأيضا لو كان المقصود مجرّد توفير المال والادّخار لاقتسموا المال بينهم بعد توفره إذا احتاجوا إليه أو إذا احتاج أحدهم إلى حظه، ثم يصنع كل واحد بحظه ما شاء ولم يسلفه لأحدهم، أو لاستمروا في التوفير والادّخار إذا لم يحتاجوا لما جمعوه”.

وتوقف التاويل عند مبرر أنّ السلف الذي يتأتى من “دارت” لا تترتّب عليه فوائد، لأن كل واحد يأخذ المبلغ نفسه الذي يأخذه الآخرون، وردّ قائلا: “هو تبرير غير صحيح ناشئ عن توهّم أن الزيادة المحرمة في القرض هي الزيادة في القدر فقط، وهو غير صحيح”.

وزاد موضحا أن “الزيادة الممنوعة في القرض لا تختص بالزيادة في القدر أو الصفة، عشرة مقابل خمسة عشر، أو الرديء مقابل الجيد، والبالي مقابل الجديد، بل تشكل كل زيادة وفائدة كانت من جنس القرض أو من غير جنسه، كالاستفادة من جاهه، أو الانتفاع بركوب دابته أو سيارته…”.

وردّا على القول إن معاملة “دارت” تُجنى منها منفعة متساوية، عكس القرض الربوي الذي يحقق النفع للمُقرض فقط، قال العلامة التاويل إن هذا التبرير “غير صحيح”، معللا رأيه بكون العلماء أجمعوا على تحريم كل قرض جرّ نفعا مطلقا، سواء جرّه للمقرض وحده أو جره للطرفين معا أو لأجنبي غيرهما.

عكس الرأي الفقهي لمحمد التاويل، يرى الفقيه المقاصدي أحمد الريسوني أنّ معاملة “دارت” ليست قرضا واقتراضا، وليست “قُرعة” كما يسمّيها البعض، بل هي معاملة خاصة قائمة بذاتها. وأبدى اختلافه مع الفقهاء الذي حرّموا هذه المعاملة بعلّة أنها قرض يدور بين أفراد المجموعة.

وأوضح الريسوني في فتوى حول هذا الموضوع أنّ إدخال الفقهاء لمعاملة دارت في باب القرض ذي المردودية، وبالتالي تحت قاعدة “كل قرض جر نفعا فهو حرام”، لا يتسند إلى تصور صحيح لحقيقة هذه المعاملة، مبينا أنّ “الحقيقة هي أننا إذا نظرنا في عبارات المشاركين في عمليات (دارت)، وفي نياتهم وأغراضهم، فلن نجد فيها قرضا ولا استقراضا، لا قصدا ولا لفظا”.

وبناء على هذا المعطى، فإن الريسوني يرى أن الفقيه “لا ينبغي له أن يفرض على الناس ما لم يقولوه ولم يقصدوه”، مقدّما جملة من الأدلة التي قال إنها تؤكد أن “دارت” ليست قرضا أو اقتراضا، أولها أن “القرض فيه طرف معسر محتاج، وطرف موسر مستغن”، وثانيها أن القرض “فيه طرف يطلب الإحسان والنجدة، وطرف يقدمهما”، وثالثها أنّ فيه “يدا عليا تعطي، ويدا سفلى تأخذ”.

وبيّن الفقيه المقاصدي أنّ الفرق بين القرض و”دارت”، هو أنّ الأول جعله الشرع نوعا من القربة والإرفاق للمحتاجين، ولذلك يسمى أيضا القرض الحسن، والأجر فيه من الله تعالى، لا من المحتاج المقترض، ولا يجوز أن يكون فيه تربح وانتفاع، ولا يجوز أن يتحول إلى نوع من الابتزاز للمحتاجين والمضطرين. أما “دارت”، “فهي أولا معاملة وليست قربة وإحسانا من أحَد إلى أحَد، والمشاركون فيها عادة أنداد أكفاء، ولهم فائضُ مال”.

وزاد: “هي (دارت) في حقيقتها وجوهرها ومقصودها مجرد طريقة للهروب من إنفاق الأموال واستهلاكها وتبديدها في الرغبات اليومية، وتحويلها بدل ذلك إلى ادخار، وإلى قدرة مالية ذات شأن. وبناء عليه، فهذه معاملة مستحدثة قائمة بذاتها، وهي من حسن تدبير المال وترشيد الانتفاع به، فهي جائزة، بل مستحبة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *