نادي الصحافة بثانوية حمان الفطواكي بالناظور يسلط الضوء على المشاكل البيئية لنهر ملوية

ملوية… مشاكل بيئية متتالية تهدد بتدهور سريع لأحد أهم المواقع الرطبة في المغرب
على مساحة تزيد عن 3000 آلاف هكتار، يترامى الموقع الرطب لنهر ملوية الواقع شرق المغرب. بفضل هذا النهر وتنوعه البيولوجي، صارت المنطقة المحيطة به مصنفة، منذ سنة 2005، من أهم المناطق الرطبة عالميا حسب اتفاقية رامسار. تنوع بيولوجي أصبح، أكثر من أي وقت مضى، مهددا بالتغيرات المناخية والأنشطة البشرية. كيف يعاني ملوية والمناطق الرطبة المحيطة به، وما الذي يمكن فعله لإنقاذ ما تبقى قبل فوات الأوان؟.
في حدود الثامنة والنصف صباحا من أول أيام شهر فبراير 2022، شد فريق نادي الإعلام والصحافة بثانوية حمان الفطواكي بمدينة الناظور، الرحال في اتجاه الجماعة الترابية “رأس الماء”، حيث يقع مصب نهر ملوية، أهم وأطول نهر في شرق المغرب. على طول الطريق الساحلية (50 كلم) بين الناظور ورأس الماء، اكتست الطبيعة وشاحا أصفرا يتطاير معه غبار أحمر ورمال قادمة من الصحراء. إنها سنة جفاف استثنائية لم يعرفها المغرب منذ سنوات الثمانينيات. جفافٌ تعد التغيرات المناخية من أهم أسبابه، وصارت منطقة ملوية ونهرها من أكبر المتأثرين به.
عند وصولنا إلى ملوية، وجدنا عمالا بإمكانياتهم البسيطة، يجازفون على جوانب النهر لمساعدته على بلوغ مصبه. لثاني مرة في تاريخه، لم يتمكن ملوية من معانقة المتوسط، بل إن البحر فاض عليه ورفع من ملوحة مياهه. ملوحةٌ غزت حتى الآبار المرخصة والعشوائية المحيطة به، مخلفة آثارا اقتصادية واجتماعية وبيئية عديدة. إنه تأثير الدومينو التسلسلي الذي تتسبب فيه التغيرات المناخية منذ سنوات في المنطقة، لكنها لسيت العامل الوحيد.
المناخ لا يرحم
من بين أكثر المناطق تأثرا بالتغيرات المناخية، حسب استنتاجات الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، التابع للأمم المتحدة، المنطقة المغاربية. وفي المغرب تشير آخر معطيات وزارة التجهيز والماء، إلى تسجيل البلاد ارتفاعا ملموسا في معدل درجة الحرارة السنوي منذ سنة 2001، حيث ارتفع بمعدل نقطة كاملة، فيما تعرف البلاد السنة الجافة الثالثة على التوالي.
لم يسلم نهر ملوية والمنطقة الرطبة المحيطة به من هذه الآثار. حسب الإحصائيات الرسمية، تراجع معدل التساقطات المطرية، التي تغذي منابع هذا النهر وتضمن استدامة تنوعه البيولوجي، بـ39% و75% على التوالي بين 2020 و2022. النتيجة: لم تعد نسبة ملء السدود التي يغذيها حوض ملوية المائي اليوم نسبة 9%، ولذلك آثار على مختلف المجالات.
بكثير من الأسى والحزن، يقول نجيب بشيري، رئيس جمعية “البيئة والإنسان” (مقرها مدينة بركان المجاورة)، “للأسف، إنها المرة الثانية خلال 50 عاما، التي لم يبلغ فيها ملوية مصبه. نسبة الملوحة وصلت 7 غرامات في المتر المكعب عند المصب، في حين أن النسبة الطبيعية التي يفترض تسجيلها لا يجب أن تتجاوز 0,5%”.
يضيف بشيري بكثير من التخوف “كل شيء صار مهددا: العطش يدق أبواب كافة المدن المجاورة للنهر. محاصيل كثيرة تعرضت للتلف أو تم التخلي عن زراعتها. آلاف الشباب والعائلات فقدوا مورد رزقهم. تراجع الإنتاج، وتعطل الأداء الاقتصادي لمختلف القطاعات المرتبطة بالثروة المائية للنهر… إن الأمر ينذر بكوارث ما لم يتم التحرك عاجلا”.

أنشطة بشرية تؤزم الوضع
يتذكر امحمد، وهو صياد خمسيني التقيناه عند مصب ملوية، “سابقا، كنا نصطاد طوال العام وبكميات وفيرة. كنا نلبي حاجيات عائلاتنا. بعد ذلك فُرضت علينا الراحة البيولوجية لحماية الثروة السمكية. تراجعت مداخيلنا قليلا. للأسف في السنوات الأخيرة لا يسمح لنا بالصيد سوى ثلاثة أشهر في السنة. كميات الأسماك صارت بدورها قليلة وبعض الأنواع نادرة”.
امحمد الذي يعيل زوجته وخمسة أبناء، يحاول تدبير مصروفه اليوم عن طريق مزاولة أعمال موسمية أخرى، لكنه ليس المتضرر الوحيد رفقة زملائه، فحتى من اعتادوا انتظار موسم صيد الطيور، تخلفوا عن ممارسة هوايتهم هذه السنة، فيما تقلص عدد السياح الوافدين، بعدما دأبوا لسنوات على القيام برحلات إلى عيون ملوية الاستشفائية للاستفادة من منافعها، لأن العديد منها نضب أو تراجع.

يضيف نجيب بشيري، بدوره: “ازدياد الصيد العشوائي للأسماك والطيور، واستغلال الثروات التي تزخر بها ملوية، إضافة إلى تسبب الزائرين للاستجمام والسياحة، في تلويث جنبات النهر ومياهه، أزم وضع النهر”، لكن بالنسبة له “هناك ممارسات أخرى غير معقلنة، زادت من تدهور هذه المنطقة الرطبة”.
من بين هذه الممارسات، حسب وثيقة رسمية للمكتب الوطني للماء الصالح للشرب والكهرباء في المغرب (مؤسسة حكومية): انخفاض إنتاجية الموارد الجوفية بسبب قلة التساقطات، زيادة على الإفراط في استغلال المياه الجوفية لأغراض زراعية، ثم الارتفاع المستمر للطلب على مياه الشرب.
بدوره يعدد القسم البيئي لعمالة بركان، التي يقع النهر على ترابها، في وثيقة أمدنا بها مسؤول في العمالة، بعض الأسباب الأخرى المساهمة في تدهور التنوع البيولوجي لموقع ملوية، حيث يجملها في البناء العشوائي على جنبات النهر، والارتياد الفوضوي للموقع من طرف السياح، زيادة على ما تسميه العمالة، في إشارة إلى سوء الحكامة، “غياب الوحدة في التدبير المشترك والمندمج للمصب”.
لا تنحصر التأثيرات البشرية في هذه الأسباب فقط، لكن الفلاحة العصرية التي تعرف بها منطقة بركان وسهل صبرا، والتي تستهلك أكثر من 80% من المياه، تساهم في تلويث كل ما يحيط بالمنطقة. فمن ناحية، تهدد تقنيات الري غير الحديثة والاستغلال العشوائي للمياه، بجفاف الفرشات المائية وتزيد من هدر المورد المائي. ومن ناحية ثانية تلوث المبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية المياه الجوفية، وتقتل التنوع البيولوجي في التربة، وتتسبب في نفوق الكثير من الأحياء التي تضمن التوازن الإيكولوجي، وعلى رأسها النحل.

الحل اليوم قبل الغد
بحسب المعطيات المنشورة على الموقع الرسمي لاتفاقية رامسار بين سنتي 1970 و2015، تختفي المواقع الرطبة، ثلاث مرات أسرع من الغابات على الصعيد الدولي، وهو ما يتطلب، في حالة موقع ملوية الرطب، انخراطا وتدخلا مستعجلا لمختلف الفاعلين، لحماية تنوعه البيولوجي، وما يضمنه من فرص اقتصادية واستدامة بيئية للأجيال القادمة.
الحلول التي يقترحها الخبراء كثيرة ومتنوعة، لكن يظل أهمها حل إشكالية كثرة المتدخلين، وعدم فعالية تدخلاتهم. يقترح الخبراء مثلا، إنشاء وكالة وطنية لتدبير المناطق الرطبة وحماية تنوعها، مع إصلاح مختلف النصوص التشريعية والتنظيمية الخاصة بالإيكولوجيا، على أن يكون لكل إشكالية إيكولوجية، النص القانوني الذي يلائم طبيعتها وتحدياتها.
التشريع والتنسيق الفعال من خلال سياسات عرضانية وحكامة جيدة، لا يكفيان وحدهما لتحقيق المأمول، ولإنقاذ ما تبقى. لا بد من تفعيل آليات الرقابة والتتبع والتقييم، على أساس معطيات علمية دقيقة ومحينة، تمكن من اتخاذ وتفعيل تدابير سريعة وفعالة، يكون البحث العلمي في قلبها. وكل هذا، حسب الخبراء، لا يمكن أن ينجح دون التنزيل الواقعي للمقاربة التشاركية في اتخاذ القرار وملائمته، سواء من خلال إشراك المجتمع المدني أو التشاور مع الساكنة.