نداء من أجل شباب الريف: كي لا نعمّق الجراح

نداء من أجل شباب الريف: كي لا نعمّق الجراح
لنتجاوز الجراح نحو مستقبل مشترك
بقلم: رشيد بوهدوز
“بين منطوق لم يُقصد، ومقصود لم يُنطق، تضيع الكثير من المحبة.”
– جبران خليل جبران
أكتب اليوم ليس فقط لتوضيح موقف قد فُهم بشكل غير دقيق وأدى إلى بعض التباين في الآراء في منطقة هي جزء لا يتجزأ من كياني، بل لأدون شهادة للتاريخ وأوجه نداءً أعتبره واجبًا وطنيًا وإنسانيًا.
حين اندلعت شرارة حراك الريف، كان موقفي دائمًا مبنيًا على إدراك أن المطالب كانت مشروعة وعادلة، وكانت في صلب سياسة المغرب الجديد وتوجهاته لإنصاف المنطقة. ورغم ذلك، كنت أرى أن الأسلوب المتبع كان يحتاج إلى مزيد من الدقة والتنسيق. كانت هناك بالفعل جيوب مقاومة للإصلاح تعاكس الإرادة الملكية السامية في المنطقة، وكنت أعتقد أن على شبابنا الواعي مواجهة هذه الجيوب وفضح ممارساتها، بدلاً من الانجرار وراء أساليب قد تشتت الجهود وتخدم أجندة تلك الجيوب نفسها.
كنت أخشى أن تضيع تلك الدينامية الشبابية الصادقة في بحر من الارتباك، لذا دعوت مثقفي وأطر المنطقة لاحتضان الحراك وتأطيره. وللأسف، وقع بعض ما كنت أخشاه، لكن هذا لا يغير من حقيقة أن الشباب هم من دفعوا الثمن في النهاية، وأنه يجب علينا جميعًا اليوم أن نعمل من أجل تصحيح الوضع وتحقيق العدالة.
إن أي قراءة لأحداث الريف تغفل السياق السوسيولوجي والبعد النفسي لسكان المنطقة هي قراءة ظالمة ومجحفة. لا يمكن أن نفسر صرخة ضحية عقود من التهميش بمنطق قانوني جاف يتجاهل كل الأبعاد الأخرى. كيف يمكننا أن نطالب بالاتزان من شاب نشأ وتربى في منطقة ظلت لعقود تستحضر ذاكرة مثقلة بالألم في علاقتها مع السلطة المركزية؟ لقد تربينا في الريف على شعور مرير بأننا على الهامش، وأن ذاكرة منطقتنا موسومة بالجراح.
وهذا الإحساس ليس مجرد شعور تاريخي مجرد، بل هو واقع حي عشته في عمق أسرتي. قبل نحو خمس عشرة سنة، وأثناء زيارة ملكية لمدينة زايو، قرر شباب معطلون التظاهر سلميًا للمطالبة بحقهم في الشغل في ساحة كان من المقرر أن يدشن فيها الملك بعض المشاريع. تدخلت قوات الأمن بعنف لتفريقهم، فهرب الشباب إلى المقاهي المحيطة حيث كان يجلس آخرون لمشاهدة الموكب، وكان أخي الأصغر من بينهم. وقف أخي معتقدًا أنه بعيد عما يحدث، وإذ بهراوات الأمن تنهال عليه بلا تمييز، وتستقر على رأسه حتى أغمي عليه. بعد أن حمله بعض الحضور إلى المنزل، تورم رأسه بشكل مخيف، لكننا اعتقدناها مجرد رضوض عادية. بعد أشهر، بدأت تنتابه نوبات صرع عنيفة، لنتفاجأ بأن تلك الضربات قد تسببت له في مرض مزمن دمر مستقبله الدراسي والعملي إلى الأبد.
إن ما يجعل جرح أخي أكثر إيلاماً وعمقاً، هو أنه لم يقع في زمن كنا نصفه بسنوات الرصاص، بل وقع في عز انطلاقة “العهد الجديد”. هذا هو الدليل الملموس على أن إرث الممارسات القديمة كان لا يزال يقاوم منطق المصالحة والإنصاف. إن هذه الحادثة تثبت أن ترجمة التوجهات الملكية السامية والرؤية الإصلاحية للدولة إلى سلوك فعلي على الأرض هو تحدٍ مستمر، وتكشف عن الفجوة التي قد توجد أحياناً بين “القرار السياسي” المركزي، وبين “عقلية” بعض المنفذين على المستوى الميداني. وهذه الفجوة بالضبط هي التي تغذي الريبة وتجعل مهمة بناء الثقة شاقة.
إن جرح أخي، هو جرح مرئي ومباشر، لكن جراح الريف أعمق وأكثر تعقيدًا من ذلك؛ فجراح الأبدان تندمل ويمكن تغطيتها، لكن هناك جراح أخرى لا تظهر في كدمة أو تورم، بل تنخر في الذاكرة بصمت، تبقى موشومة في التاريخ وعلى الصخور، جراح غرسها سوء الفهم والإهمال الممنهج. في كل مكان في العالم، للموت أسباب متعددة، لكن في الريف، يبدو أن للموت بطلاً واحداً لا ينازعه أحد. في أرضنا، أصبح من النادر أن تشهد وفاة طبيعية بشيخوخة هادئة؛ كل نهاية قصة، كل فاجعة، بطلها واحد لا يتغير. ملاك الموت في الريف اسمه السرطان. هو من يقبض الأرواح، هو من يكتب الفصل الأخير في أغلب حكايات أهلنا. وهذا المرض الذي يفتك بنا بشكل مهول ليس مجرد قدر، بل هو في جزء كبير منه الإرث المسموم لجريمة دولة استعمارية لا تسقط بالتقادم، حين قُصفت أرضنا بالغازات السامة المحرمة دوليًا، فالدول المسؤولة عن تلك الجريمة لم تعترف بتبعات فعلتها حتى اليوم. إنها مأساة مركّبة تقع على الدولة المغربية اليوم المسؤولية التاريخية والإنسانية لمعالجة آثارها، عبر جعل بناء مركز متخصص ومجهز تجهيزاً عالياً لعلاج السرطان فيالريف أولوية وطنية عاجلة، فالمرضى للأسف أمام خيارين أحلاهما مر: إما رحلة العذاب والتنقل إلى مستشفيات المركز، أو انتظار الموت البطيء في صمت.
حين تُسد كل سبل الحياة في وجهك على اليابسة، يصبح البحر هو الأمل الوحيد. حلم شباب الريف اليوم هو “ركوب الأمواج” والهجرة، ليس كرهًا في الوطن، بل لأنهم فقدوا الثقة والأمل في أن يجدوا فيه مكانًا يحتضن كرامتهم قبل أحلامهم. إن إغلاق الأبواب في وجوهنا لا يقتصر على غياب المصانع وفرص الشغل، بل هو إغلاق معنوي أيضًا؛ إحساس مزمن بأن كفاحنا اليومي من أجل لقمة العيش يُقابل بالازدراء والاحتقار. إنها معركة مستمرة ليس فقط من أجل البقاء، بل من أجل الكرامة.
وفي خضم هذا الواقع، نستقبل بأمل كبير الحديث عن المشاريع الاقتصادية والتنموية الجديدة الموجهة للمنطقة. إننا نتطلع إلى أن تكون هذه المشاريع قاطرة حقيقية لإنصاف المنطقة، وأن تتجاوز لغة الأرقام والبنى التحتية لتلامس حياة الشباب بشكل مباشر، فتخلق فرص عمل لائقة وتعيد لهم الثقة في مستقبل ممكن على أرضهم. نأمل أن تكون هذه المبادرات بداية لمصالحة اقتصادية فعلية تترجم الإرادة العليا إلى واقع ملموس، يعيد للريف مكانته ويجعل أبناءه شركاء فاعلين في بناء مغرب الغد.
أتذكر نقاشاً عميقاً في الجامعة، طرح فيه أستاذ سؤالاً عن مقومات اقتصاد منطقتي. حين ذكرتُ “التجارة الحدودية”، أصر الأستاذ على استخدام المصطلح القانوني الرسمي، وهو “التهريب”. لم يكن اعتراضي حينها إنكاراً للتوصيف القانوني، بل كان محاولة لتسليط الضوء على واقع سوسيو-اقتصادي أكثر تعقيداً. جادلتُ بأن القانون يصف الظاهرة، ولكنه لا يفسر دوافعها؛ فهذه الأنشطة، وإن كانت غير قانونية، مثّلت “اقتصاد نجاة” نشأ لملء فراغ خلفه غياب بدائل حقيقية. لقد علمني ذلك النقاش درساً سياسياً بليغاً: دولة القانون لا تكتمل بتطبيق النصوص فقط، بل بمعالجة الظروف التي تدفع المواطن إلى هامش القانون. ومهمتنا كفاعلين سياسيين هي تجاوز إطلاق الأحكام، نحو فهم الأسباب الجذرية وصناعة البدائل التنموية التي تدمج الجميع في الدورة الاقتصادية الرسمية وتحفظ كرامتهم.
والقياس نفسه ينطبق على شباب الحراك. لا يمكن أن نلوم من أُغلقت في وجوههم كل أبواب الحلول. إن مواقفهم وتصريحاتهم، حتى وإن شابها بعض التطرف أحيانًا، هي جزء لا يتجزأ من ذاكرة المنطقة، وتجاهلها أو محاولة محوها هو تهميش لذاكرة جماعية كاملة. كان يجب على المحاكمات أن تراعي هذا العمق، وأن تفهم أن تلك الصرخات لم تكن سوى عرضٍ لمرض اسمه التهميش.
اليوم، وبعد مضي سنوات، أقولها بمرارة وحسرة: أصبح من المؤلم والمؤسف أن يستمر اعتقالهم، في وقت نحن في أمس الحاجة إلى بناء الثقة وتحقيق المصالحة، وتحويل المآسي إلى لحظات تأسيسية لعدالة اجتماعية حقيقية. الريف لا يحتاج إلى مزيد من الألم، بل هو بحاجة ماسة إلى تضميد جراحه، إن استمرار اعتقالهم هو تعميق لجراح الريف، وفي هذا السياق الذي يتطلب منا جميعاً استلهام الحكمة، لا نملك إلا أن نرفع أصواتنا أملاً في مستقبل أفضل. إن دورنا كأبناء للمنطقة وكمواطنين غيورين على هذا الوطن، ليس في إملاء الحلول، بل في المساهمة الصادقة في تذويب جليد سوء الفهم، وخلق الأجواء الإيجابية التي تسمح بتضميد الجراح بشكل نهائي. إنها صرخة حق من أجل وطن يتسع لجميع أبنائه دون تمييز أو تهميش. إن شبابنا هم ضحايا سياق لم يصنعوه، ومن واجبنا جميعًا، دولة ومجتمعًا، أن نعيد لهم حريتهم وأملهم.
بهذا النداء، وبكل احترام لمؤسساتنا، نلتمس ونعبر عن أملنا الكبير، واضعين ثقتنا الكاملة في حكمة ورأفة جلالة الملك بأبنائه. إننا نرفع هذا الصوت الإنساني، أملاً في أن تشملهم عين العطف الملكي، وأن يتفضل جلالته باتخاذ المبادرة التي يراها مناسبة لطي هذه الصفحة المؤلمة، وإعادة الأمل لشبابنا وعائلاتهم، وتعزيز مسار المصالحة الوطنية التي أرسى جلالته دعائمها.
