يوميات ذ. ميمون حرطيط..توهمات وأشياء أخرى.

أريفينو : يكتبها ذ. ميمون حرطيط / 9 دجنبر 2020.

توهمات وأشياء أخرى.

بدت الطريق الضيقة المصفوفة على الجانبين بكثيف القصب موحشة، في تلك الليلة المقمرة في الخارج، اليهيمة في النفق القصبي. كشاف الدراجة النارية يلقي بضوئه الخافت على مسافة قريبة في محاولة لتشتيت الظلام. الذهن الذي كان سابحا منذ قليل في خيال موغل في الأماني التي اشتراها من كشك اليانصيب، قد تيقظ فجأة، ولملم أطرافه. لا مكان الآن لأي سهو؛ العينان شاخصتان بقوة في حقل بصري ضيق للغاية، لكنه متغير باستمرار.. لا مجال للرمش، ولا للعطس، ولا للسعال، ولا حتى لحك الجلد..مسافة اختراق الطريق الأشبه بالنفق، برغم قصرها تبدو بلا نهاية. مؤشر السرعة مُدار إلى مداه الأقصى، لكن العجلتين بالكاد تتحركان؛ إنه الكابوس: قال في سره:. “لماذا سلكت طريق المحنة يا هذا ما دمت مهيأ للخوف؟ لقد أغواك قصره. وها أنت ذا تتمناه لو ينتهي، ولا يفعل. وكأنك في حيز يغرق فيه الزمن، حتى لا يكاد يتحرك. قد يأتيك من عمق هذا القصب ما لم تتخيله؛ صخرة تحطم جمجمتك، أو سلك مشدود من طرفيه يذبحك من الوريد إلى الوريد، أو أي شيء، أي شيء آخر…”
كان قد خرج من المقهى منتشيا( بأشقف) الكيف؛ وفي ذهنه ستة أرقام محفورة؛ هي نفسها تتكرر؛ كم يستهويه أن يستحضرها، بترتيب أو بدونه! تسير به آلته، وذهنه لا يكف عن تصور أرقامه المختارة تلك منحذرة واحدة تلو الأخرى في أنبوب ماكنة الحظ، لتصطف معلنة نفسها. كم يعجبه أن يتخيل ذلك! كم يعجبه أن يبحر في عالم ثراء يحدده بنفسه، ثم يتراجع عنه حين لا يقنعه، إلى آخر أثرى، لتلين بعدئذ
نفسه ويتصدق على هذا أو ذاك…! ولكن ها هو قد كف عن فعل ذلك، حينما توغل في النفق، كم من مرة أقسم بألا يمر منه، ولكنه في كل مرة يسهو عن ذلك؛ إلى أن يجد نفسه وقد تورط… في لحظة وجيزة أصبحت كل حواسه منشغلة بأمر آخر. يحس برأسه تنتفخ…شيء ما قد قطع عرض النفق…
“ما هذا الذي أمامي؟ أهو مسخ، أم شبح، أم قزم؟ ماذا يفعل نصف رجل في هذا المكان، وفي هذا الوقت؟ لقد انتهيت، لقد انتهيت.” الدراجة النارية تتمايل في ضيق الحيز يمينا، وشمالا تفاديا لأي اصطدام. لكن ها هي ذي تسقطه حيث لا يجب. “أطلقْ رجليك للريح لعلك تنجو…”
من فجوة في القصب مفضية إلى الوادي الرقراق وصلته؛ -وهو لا يزال على الأرض، بين ألم الجسد، وألم النفس- دردشات، لم يعرف أين يصنفها.
نهض الجميع، يتجمعون حوله. قال أحدهم:
– هل أصابك مكروه، عمي أحمد؟
” لا خطر إذن، ما دام بينهم من يعرفني.”قال لنفسه.
ثم أشار إلى الرجل القزم.
– هل هو معكم؟
نعم ، معنا. لقد كان ذاهبا لقضاء حاجته.
” الله يسخط عليه.”
مح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *