لا تفوت زيارة “جوهرة الشمال”: أسرار أندلسية دُفنت في الرمال تعود للحياة.. وقرار بريطاني صادم يغير وجه المدينة!

أريفينو.نت/خاص

“تيتاوين” أو “تطوان”؟ الخيار لك. في كلتا الحالتين، تشير ترجمة هذه الكلمات ذات الأصل الأمازيغي إما إلى “عين الماء” أو إلى “العيون”. وفي كلتا الحالتين، سواء كان ذلك متعة للعيون أو منبعًا للثقافة، فإن “الجميلة الأندلسية” لا يمكنها أن تحمل اسمًا أفضل. إن هذه المدينة الهادئة في شمال المغرب، التي يلفها الغموض عن غير قصد، تحتفظ بتراث غني لا يُصدق. غالبًا ما تطغى عليها طنجة، جارتها الصاخبة ذات السمعة الدولية، تجسد تطوان أصالة ثمينة وتفردًا تشكل عبر القرون، مما يجعلها وجهة ذات سحر فريد.

تطوان: تاريخ يتنفس تحت عباءة المدينة العتيقة والذاكرة الإسبانية

تعيش تطوان اليوم في سلام مع ماضيها المفعم بالحيوية، وما زالت المدينة العتيقة، التي يبلغ عمرها قرونًا، تلفها عباءتها البيضاء. في هذا الحي الذي يتنفس روح المدينة، تُقرأ قصة “الجميلة الأندلسية” الاستثنائية. وتحمل المدينة أيضًا بصمة الحماية الإسبانية في الجزء الشمالي من المغرب، والتي، على الرغم من كونها أقل وضوحًا من نظيرتها الفرنسية، حرصت على وضع توقيعها المعماري على “عاصمتها” المغربية.

إدراكًا لقيمة هذا التراث المتعدد، ودافعًا لهم واجب حفظ الذاكرة، يعمل سكان تطوان على الحفاظ على ما يشكل اليوم سحرها الأبدي. وقبل التجول في أزقتها الغامضة، ينصحونك بالنظر إلى المدينة العتيقة البيضاء من مرتفعات المدينة. توفر مرتفعات عين بوعنان، على الجبل الذي يحمل الاسم نفسه، والذي يقع جنوبًا على بعد دقائق قليلة بالسيارة، نقطة مراقبة مثالية لمشاهدة هذا الموقع الذي اعترفت به اليونسكو في عام 1997 كجزء من قائمة التراث العالمي.

تُبرر المنظمة الأممية هذا التقدير بهذه الكلمات: “**يُشكل المركز التاريخي لتطوان مثالًا رائعًا للمدينة المتوسطية، الواقعة على خلفية جبلية شمال المغرب**”. وتذكر في هذا السياق أن “**الموقع الاستراتيجي لمدينة تطوان العتيقة، قبالة مضيق جبل طارق، لعب دورًا هامًا كنقطة التقاء وانتقال بين حضارتين (إسبانية وعربية) وقارتين (أوروبا وشمال إفريقيا)**”. وتُشدد اليونسكو أيضًا على “**وجود بشري قديم جدًا**” يسبق الحلقات الأندلسية التي تشتهر بها المدينة اليوم.

“تامودا” قبل “تطوان”: جذور المدينة في عمق التاريخ

بالفعل، لطالما كانت جاذبية وادي مرتيل الخصب حقيقة واقعة منذ قرون. من السهل ملاحظة ذلك إذا تتبعت مجرى النهر صعودًا، والذي كان يحمل سابقًا اسم **تامودا**. واليوم، هو اسم أحد أهم المواقع الأثرية في المملكة، على بعد كيلومترات قليلة فقط من تطوان. في أوائل عشرينيات القرن الماضي، أرخ علماء الآثار الإسبان مجموعة منظمة من الأطلال إلى فترة ما قبل الرومان. ومنذ ذلك الحين، تطورت الأبحاث، وكشفت تامودا جزءًا من ماضيها المعقد، الذي تغذى من عدة احتلالات متعاقبة. يعود أقدمها إلى عهد الملك باجا (نهاية القرن الثالث قبل الميلاد) في ما يبدو أنه أحد أقدم المعاقل الحضرية في موريتانيا، وهي كيان سياسي قديم أقيم في شمال غرب إفريقيا.

لم يُشكل سيطرة روما على هذه المنطقة، ابتداءً من القرن الأول قبل الميلاد، نهاية تامودا، بل على العكس تمامًا. نظرًا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي، أعاد الرومان استثمار الموقع بالكامل، وجعلوه منفذًا بحريًا هامًا وملتقى تجاريًا للمثلث وليلي-تامودا-ليكسوس (بالقرب من العرائش حاليًا). عند مدخل الموقع، على جانب الطريق الوطني رقم 2، يقف قوس حجري كرمز للرومانية في تامودا. إنه يقف بعناد وسط الأطلال التي ترسم معالم مدينة قديمة، كان لها وزن كبير في تاريخ المغرب.

ابتداءً من القرن الثالث الميلادي، ضعفت قبضة الإمبراطورية الرومانية على المنطقة، ووفقًا لآخر الاكتشافات الأثرية، تكثفت العسكرة في المنطقة لدرجة تحويل موقع تامودا إلى معسكر محصن. وهكذا، تميزت نهاية حياة المدينة بآثار عنف، لا سيما الحرائق، كما حددها الباحثون.

ما تبقى من كنوز تامودا، الشاهد المركزي على العصور القديمة المغربية، يمكن رؤيته اليوم في المتحف الأثري بتطوان. في هذه المؤسسة التي تأسست عام 1940، وبالتالي أحد أقدم المتاحف الحديثة في المغرب، تُخصص قاعة في الطابق العلوي بالكامل لتامودا. تُعرض فيها أدوات، أمفورات، ولوحات حجرية تحمل نقوشًا ليبية-بونيقية، تشهد على ماضٍ المدينة الغني والمضطرب. إن موقع المتحف نفسه يبرر وضعه كحامل للتاريخ. يقع بين المدينة العتيقة والمركز الحضري الإسباني، وهو عند مفترق عالمين لا تستطيع سوى تطوان أن تجعلهما يتعايشان بهذا القدر من الأناقة.

“الإنشراح”: القلب النابض لتطوان الحديثة وعلامة على الحضور الإسباني

يُعد التجول في شوارع الحي الإسباني بتطوان تجربة تستحق، دون مبالغة، العناء. على طول شوارع محمد الخامس، الجزائر، أو الأمير ولي العهد، يتباطأ الزوار المتمرسون خطواتهم، يرفعون رؤوسهم، ويمسحون بأعينهم الواجهات البيضاء النقية للمباني المحيطة بهم. أما أهل تطوان، الأكثر اعتيادًا على هذا المشهد السينمائي الحقيقي، والذي يمثل كتالوجًا معماريًا، فيختارون إيقاعًا أسرع للمشي. أرصفة واسعة ونظيفة بلا عيب، ساحات ضخمة مزهرة، وحركة مرور سلسة وهادئة، هي الحياة اليومية في حي “الإنشراح” (Ensanche)، الحي التاريخي لتطوان العصرية. في هذا الحي “الجديد القديم”، ركز الإسبان جهودهم لتطوير مدينة تطوان، التي أعلنت عاصمة لحمايتهم في شمال المغرب عام 1912.

في ذلك التاريخ، لم يهبط الإسبان في أرض مجهولة. لقد عرفوا وخافوا تطوان المتمردة منذ قرون، لكنهم لم يدركوا حجم مقاومتها حقًا إلا في عام 1860. في تلك السنة، خاضت الجيوش الشريفية والإسبانية أكبر معركة في القرن التاسع عشر على الأراضي المغربية. انتهت بانتصار القوات الإيبيرية التي احتلت المدينة لمدة عامين. خلال هذه الفترة القصيرة، وعلى الرغم من أن المنتصرين لم يشرعوا في أعمال حضرية حقيقية، واكتفوا بإقامة مواقع عسكرية على أطراف المدينة العتيقة، إلا أنهم كانوا يتخيلون بالفعل مشاريع كبرى.

يروي المخطط الحضري محمد المتالسي، مؤلف كتاب “**تطوان، بين الذاكرة والتاريخ**” (2004، منشورات ماليكا)، هذا التصور المبكر. ويعود في كتابه إلى عواقب حرب تطوان عام 1860: “**وقعت المغرب وإسبانيا معاهدة سلام وأخرتا ضمنيًا الإدارة المباشرة لتطوان من قبل إسبانيا بخمسين عامًا، مما أدى إلى تحولات حضرية كبيرة. باختصار، لم تكن هاتان السنتان من الاحتلال كافيتين لبدء تنفيذ مشاريع كبرى**”. حُرمت شركة الاستعمار الإسبانية من امتياز امتلاك طنجة، التي تم إقرار وضعها كـ”مدينة دولية” في عام 1906 بموجب مؤتمر الجزيرة الخضراء، فقررت التركيز على تطوان.

على عكس السياسة الحضرية التي اتبعتها الحماية الفرنسية، فإن الفصل بين الأحياء الإسلامية والاستعمارية هنا أكثر غموضًا عمدًا. وقبل أن نتجول في التقاطع المتخلخل لهذين المركزين الحضريين في تطوان، دعونا نلقي نظرة على سحر حي “الإنشراح” (Ensanche)، الذي يمثل عنصرًا أساسيًا من التراث الغني للمدينة. يعني اسمه حرفيًا “التوسيع” باللغة الإسبانية. ويشير إلى اتجاه في التخطيط الحضري الإسباني، ظهر بين القرنين التاسع عشر والعشرين، يتكون من توسيع وتحديث المناطق المحيطة مباشرة بالمراكز التاريخية. وهذا بالضبط ما حدث في تطوان بمجرد إعلانها عاصمة للجزء الشمالي من الحماية الإسبانية.

يُعرف حي “الإنشراح” أيضًا باسم “الشنتي” من قبل سكان تطوان، ويمتد على مساحة حوالي 30 هكتارًا، تخترقها شوارع وطرق مستقيمة تتحدى المنحدرات الحادة أحيانًا في وسط المدينة. نقطة الانطلاق لهذه الرحلة الحضرية عبر الزمن: حديقة الفدان الرائعة، الواقعة في أقصى شمال الحي الإسباني.

من ساحة “الفدان” إلى “مولاي المهدي”: تحف معمارية وحياة نابضة

تُعد ساحة الفدان الشاسعة المربعة واحدة من أكثر المساحات الحضرية ودية في المدينة، حيث توفر للعائلات والأطفال والمتجولين منطقة للاسترخاء والترفيه. صُممت الساحة كفناء عملاق لمنزل أندلسي، مُبلطة بالكامل على مساحتها البالغة هكتارين، وهي متاحة من شارع الجزائر، الذي يحيط به أسوار قديمة محفوظة بشكل مثالي. تحت قدميك، يوجد موقف سيارات ذكي تحت الأرض يمكن أن يستوعب ما يقرب من 500 مركبة، ويساهم بشكل فعال في تخفيف ازدحام وقوف السيارات في حي “الإنشراح” مع ضمان القرب من المدينة العتيقة التاريخية.

في وسط الساحة، يحددها دائرة عملاقة مصنوعة من بلاط أصفر، مبنى أنيق يشبه الضريح يزين الساحة. الزليج الفاخر، الأقواس المقوسة المدعومة بأعمدة بيضاء، المقرنصات الجصية، والبلاط الأخضر للسقف، يتبنى البناء طرازًا أندلسيًا بامتياز. بجانبه، تُذكّر لوحة رخامية بأن هذا المكان افتتحه الملك محمد السادس في 30 يوليو 2016، بمناسبة عيد العرش. وقد استضافت تطوان في عدة مناسبات حفل البيعة، مؤكدة بذلك محبة وتقدير جلالة الملك للمدينة ووريثة التقاليد الأندلسية العريقة.

على يسار ساحة الفدان يقع مكان يعتبره السكان مؤسسة: إنه مقهى ومطعم “غرناطة”، الذي تتناغم واجهته مع المكان بتصميم متناغم بذكاء. وفي الخلف، تكمل الساحة حديقة ألعاب واسعة للأطفال، لتصبح المكان المفضل للتجول في ساعات اليوم الأكثر برودة، ولكن أيضًا للتأمل في البيوت التقليدية البيضاء المعلقة على المرتفعات الأولى لجبل درسا، ومعها، في الأعلى، أسوار قصبة تطوان الشاهقة، التي تُعد تحفًا في التحصينات العسكرية، والتي تخضع حاليًا لعملية إعادة تأهيل.

عند مفترق الطرق، تتردد أصداء الفدان في ساحات أخرى ذات طراز إسباني واضح هذه المرة. وهذا هو حال ساحة مولاي المهدي، المحطة النهائية المذهلة لشارع بن عبود من حديقة الفدان. دائرة داخل دائرة، في مركزها دائرة مرورية محاطة بأشجار النخيل الطويلة المريحة على بساط من العشب الأخضر، حراس نباتيون لنافورة من بلاط الفيروز. أما التراث الحضري، فيتوزع كقلادة من اللآلئ حول هذه الساحة الساحرة.

على الرغم من موقعها المركزي في قلب حي تجاري مزدحم بشكل خاص، تُعد ساحة مولاي المهدي مكانًا رئيسيًا للتنزه في تطوان، بمبانيها البيضاء النقية، في أكمل توليفة للطراز الإسباني-المغربي، ومقاهيها ذات الشرفات المفعمة بالحياة حتى وقت متأخر من الليل، ومبانيها الشاهقة التي تضم، من بين أمور أخرى، وكالات بنكية والقنصلية الإسبانية الأنيقة. يتعزز الإحساس بالتجول في عاصمة أوروبية من منتصف القرن العشرين بفضل التحفة النهائية: كنيسة سيدة النصر المهيبة للغاية، وهي المبنى الوحيد المعزول في الساحة، الذي يتميز بأسلوبه القوطي الجديد وبرجه المرتفع. مغطى بلون أصفر كبريتي غير عادي، لم يفقد هذا المكان الرئيسي للعبادة الكاثوليكية، الذي شيد عام 1925 على موقع كنيسة صغيرة سابقة بنيت على عجل عام 1860، أيًا من روعته، ويستمر في الشهادة على التنوع الديني النموذجي للمدينة المغربية، وريثة جديرة للأندلس.

من ساحة مولاي المهدي، التي تحمل اسم الخليفة السابق (المندوب) وابن عم السلطان مولاي يوسف في تطوان، يتبع الطريق الملكي مسار شارع محمد الخامس باتجاه المدينة العتيقة. يُقدم هذا الشارع الرئيسي في حي “الإنشراح” للزائر الجمالي مجموعة رائعة من الأنماط المعمارية، حيث تتوالى فيه الأساليب الشرقية الإسبانية-المغربية، والأسلوب الحداثي “آرت ديكو” والأسلوب الانتقائي، الذي يميز فترة فرانكو. كل من هذه الأساليب، التي تشهد على عصرها، تساهم اليوم في الهوية الفريدة لوسط مدينة تطوان. وبقدر ما تُدهش الزوار بجمال هذا التراث المعماري من النصف الأول من القرن العشرين، فإن حالته الممتازة للحفظ تُثير الإعجاب. بين الواجهات المُعاد طلاؤها حديثًا والتفاصيل المنحوتة أو المطروقة التي تُبرز بانتظام، كيف نجحت تطوان فيما تكافح مدن أخرى في المملكة لتثمين تراثها الحضري؟

أسوار الذاكرة: كيف تحافظ تطوان على “الجوهرة البيضاء”؟

يُقدم لنا محمد بن عبود، نائب رئيس جمعية تطوان أسمير، جزءًا من الإجابة. يوضح لنا المؤلف المشارك لكتاب “**تطوان، مدينة أندلسية مغربية**” (منشورات المركز الوطني للبحث العلمي – 1996)، بالاشتراك مع المتخصصة في الهندسة المعمارية الإسلامية نادية أرزيني والمؤرخ البارز جان لوي مييج، ببساطة أن “**تطوان يتم الحفاظ عليها بهذه الطريقة لأننا حريصون على صون تراثها وهويتها وسحرها الفريد. وتعمل جمعيات مثل جمعيتنا على ذلك منذ حوالي ثلاثين عامًا، بجهود مستمرة في التصنيف، إعادة التأهيل، والترميم**”. عمل دؤوب ودقيق، أنعشه “**البرنامج المندمج للتنمية الاقتصادية والحضرية للمدينة**”، الذي أطلقه الملك محمد السادس عام 2014. ويمتد هذا البرنامج إلى ما بعد الحي الإسباني، ليشمل أيضًا المدينة العتيقة، المركز التاريخي الحقيقي لتطوان والمحطة التالية في جولتنا.

لكن قبل أن نتوغل في قلب المدينة العتيقة، يقودنا شارع محمد الخامس إلى فضاء رائع، عادة ما يكون بطل بطاقات المعايدة للمدينة. ومع تحول الإسفلت حرفيًا إلى أحجار الرصف واتساع الطريق، فإنك على وشك الدخول إلى ساحة المشور الرائعة، مكان أكبر الاحتفالات منذ قرون. وبينما تلوح في الأفق الواجهة المهيبة للقصر الملكي، خذ وقتك لتتأمل آخر المباني من الحقبة الاستعمارية التي، في انتقال متناغم بشكل فريد، تفسح المجال للمدينة العتيقة الأندلسية الأصيلة. في ساحة الجلا، وهي ممر إجباري نحو المشور، يجثم مدفع من زمن قديم، زمن كانت فيه تطوان دائمًا معنية بمشاكل الحرب وفترات السلام.

“دار الطير” والمشور: تلاقي الثقافات في قلب تطوان

إلى يمينها، مبنى أبيض ناصع البياض بواجهة رائعة مستوحاة من العمارة الأندلسية. لكن ما يميز المبنى عن غيره، ويجذب انتباه الزوار على الفور، هو بلا شك التمثال الغريب الذي يعتلي قمَّة برجه المركزي. إنه يمثل رجلًا عاري الصدر، قبضته مرفوعة، يمتطي بجرأة طائرًا ضخمًا قد يكون نسرًا أو طائر الفينيق، ويُطلق عليه أهل تطوان اسمًا شاعريًا “**دار الطير**”، أي “بيت الطائر” حرفيًا. يُمكن البحث عن أصل هذا التمثال المثير للفضول، والنادر للغاية في المشهد الحضري المغربي، من جهة المطورين الخاصين. وفي تفنيده للعديد من الأساطير، يخبرنا محمد بن عبود أن “**معظم الناس هنا، لا يعلمون أن هذا العمل يعود لعام 1944، وأنه جاء ليزين مقر… شركة تأمين**”.

خلف الكتلة التي تُشكلها “دار الطير”، يُعد الانحراف قليلًا ضروريًا للتأمل في أحد أقدم الصروح الثقافية في المغرب المعاصر و**معلمًا لا غنى عنه لسكان تطوان**. نقصد هنا قاعة السينما والمسرح “**تياترو إسبانيول**”، التي بنيت عام 1913، لتصبح بذلك أحد أوائل المباني العامة التي شيدتها الحماية الإيبيرية. دليل إضافي على أن إرادة المحتل لم تقتصر على عسكرة “عاصمته” في شمال إفريقيا، بل امتدت إلى ترسيخ وجوده فيها.

بالطبع، لم تُخصص الحياة الأولى لهذا المكان التراثي للفن السابع، بل للمسرح وعروض الفلامنكو. لم يفرض السينما وجوده هناك إلا ابتداءً من أربعينيات القرن الماضي، حتى تراجعت دور السينما المغربية مع اقتراب الألفية الجديدة. تم تجديد “تياترو إسبانيول” في عام 2018، ويستضيف اليوم سنويًا **مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط**، وهو حدث بارز يُظهر، إذا كان لا يزال هناك حاجة لإظهار ذلك، مدى ارتباط المدينة بالفنون والثقافة.

لكن دعونا نعود إلى مشهد ساحة المشور المثير للإعجاب، على بعد مسافة قصيرة، حيث العرض دائم، ليلًا ونهارًا، بفضل تصميم الإضاءة الذي يُبرز ساحة القصر الملكي الرائعة. أمام الحاجز الذي يُقيد الوصول، يُخرج السياح والزوار هواتفهم وكاميراتهم لالتقاط سحر المكان، الذي يمثل نقطة التقاء جميع التأثيرات التيتوانية. يحيط به آخر مباني حي “الإنشراح”، وتتألق الواجهة الأمامية للقصر الملكي ببوابة جميلة ورائعة.

القصر الملكي وباب الرواح: بوابة إلى قلب المدينة العتيقة

يُرفرف العلم المغربي على قمة هذا المدخل المهيب، الذي يُحيط به مركزان تحت مظلات، يقف تحتهما أفراد من **الحرس الملكي** العريق. ويرتدي هؤلاء ممثلو أقدم فيلق عسكري لا يزال في الخدمة في العالم، زيهم الأحمر اللامع، المزود بسلهام أبيض ناصع، ليكملوا هذا المشهد الخلاب، مع خلفية صفراء متلألئة للبوابة الضخمة ذات القوس. ويستند ما تبقى من هذه اللوحة الحية على واجهة بيضاء رصينة، لا يقطع جمالها النقي سوى نوافذ أنيقة وشرفة ذات طراز أندلسي. بني هذا المجمع عام 1740، وتم تجديده في بداية القرن العشرين ليُصبح مكان إقامة الخليفة، قبل أن يتحول إلى الإقامة الملكية في المدينة بعد الاستقلال.

بعد دقائق طويلة من التأمل، يشدنا مسار المشي حتمًا نحو المدينة العتيقة التي تقع هذه الجوهرة التاريخية والمعمارية على مقربة منها. ولتحقيق ذلك، يجب أن نسير على طول المشور من الجهة اليمنى، حيث يؤدي زقاق حيوي وملون إلى **باب الرواح**، البوابة الرئيسية لغرب المدينة القديمة. ومنذ الوهلة الأولى، تُظهر المدينة العتيقة علامات مميزة. ممر أنيق، تظلله مشربية خضراء فاتحة أنيقة، وقبل كل شيء، لافتات تُنبه فورًا إلى التيه الكامن في المتاهات التي تنتظرك. وهكذا تتعرف على أن الكنيس في قلب الملاح، الحي التقليدي للطائفة اليهودية، يقع على يمينك. وإذا واصلت السير على طول شارع محمد بن العربي توريس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *