ناقوس الخطر يدق! هذا الوحش يلتهم المكتسبات في المغرب؟

أريفينو.نت/خاص

يعاني المغرب منذ سنوات من عجز تجاري مزمن، يعود جزء منه إلى عوامل ظرفية، ولكنه يرتبط أيضاً بإشكاليات تنافسية هيكلية. ولمواجهة هذا الوضع، كشفت الحكومة عن خارطة طريق طموحة تهدف إلى تحويل الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على المنافسة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل ستكون هذه الإجراءات كافية لتفادي الأسوأ بالنسبة لتجارتنا الخارجية؟

خارطة طريق طموحة.. هل تفي بالوعود؟
تتضمن الاستراتيجية الحكومية الجديدة للتجارة الخارجية للفترة 2025-2027 حزمة من التدابير، تشمل الترويج للمنتج الوطني، وخلق فرص عمل جديدة، وتقديم دعم قوي للابتكار، وتبسيط المساطر التنظيمية، وخفض أسعار الطاقة، وتحسين البنية التحتية، والاستثمار في تكنولوجيات المستقبل. هذه الخطة، التي شرحها رئيس الحكومة عزيز أخنوش باستفاضة، ترتكز على ثلاثة أهداف استراتيجية رئيسية تمتد على مدى السنوات الخمس المقبلة: خلق حوالي 76 ألف فرصة عمل جديدة، وتوسيع قاعدة المصدرين عبر إنشاء 400 شركة تصدير جديدة سنوياً، وتحقيق 84 مليار درهم إضافية في قطاع التصدير.
وفي هذا السياق، سيتم إطلاق آلية تأمين عامة تكميلية للصادرات في يونيو 2025، بهدف دعم الشركات المغربية المصدرة الراغبة في التوسع في أسواق واعدة ولكنها تعتبر محفوفة بالمخاطر. ويهدف هذا الضمان الحكومي إلى تغطية ما يصل إلى 7.5 مليار درهم من الصادرات الإضافية سنوياً.
وأكد رئيس الحكومة، الذي لم يفتْه التذكير بأن هذا الملف يحظى بمتابعة دقيقة من طرف جلالة الملك، أن تعزيز التجارة الخارجية، لا سيما عبر تشجيع الصادرات الوطنية، يشكل رافعة أساسية للنمو والتنمية. عملياً، تتوزع خارطة طريق التجارة الخارجية للفترة 2025-2027 على ستة محاور إصلاحية، أبرزها تسريع رقمنة التجارة الخارجية، وإنشاء مكاتب جهوية لمواكبة هذه الرقمنة، وترويج صادرات قطاعي الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

أرقام مقلقة.. العجز يتفاقم والواردات تستفحل!
يجب القول بوضوح إن تطورات التجارة الخارجية في المغرب ليست مشجعة في الوقت الراهن. فبينما كانت فترات الركود التي مر بها الاقتصاد الوطني خلال العقود الماضية تفضي عادة إلى إعادة توازن دورية للميزان التجاري، إلا أنه منذ أزمة كوفيد، أصبح من الصعب احتواء العجز. ووفقاً لأحدث الأرقام الصادرة عن مكتب الصرف، تفاقم العجز التجاري للمغرب بنسبة 16.9% ليصل إلى 71.63 مليار درهم مع نهاية مارس 2025. ويُعزى هذا التدهور إلى ارتفاع الواردات (+6.9% لتصل إلى 187.7 مليار درهم) بوتيرة أسرع من نمو الصادرات (+1.5% لتصل إلى 116.07 مليار درهم)، مما أدى إلى تراجع معدل التغطية إلى 61.8%، بانخفاض قدره 3.3 نقطة.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو الانفجار المسجل في اللجوء إلى الواردات عبر جميع فئات المنتجات، لا سيما المنتجات الخام (+27.6% إلى 9.36 مليار درهم)، والمنتجات الغذائية (+9.4% إلى 23.94 مليار درهم)، والسلع الاستهلاكية (+8.7% إلى 43.59 مليار درهم)، والمعدات والتجهيزات (+6.1% إلى 43.04 مليار درهم).
ورغم هذه الصورة القاتمة، هناك بصيص أمل يأتي من أداء بعض القطاعات التصديرية الرائدة، مثل الفوسفاط ومشتقاته (+18.2% إلى 20.3 مليار درهم)، والصناعات الاستخراجية (+20.2% إلى 1.38 مليار درهم)، وصناعة الطيران (+15% إلى 7.03 مليار درهم)، والزراعة والصناعات الغذائية (+0.8% إلى 26.74 مليار درهم).

تحديات دولية.. هل النسيج التصديري المغربي قادر على الصمود؟
في ظل سياق دولي غير مستقر، يتسم بتوترات جيوسياسية واضطرابات تجارية معقدة، تبدو المهمة أكثر صعوبة، خاصة وأن الأخبار القادمة من الجبهة العالمية ليست جيدة. أبرز هذه التحديات هي الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. فإذا كانت المقترحات التي قدمتها الحكومة المغربية مثيرة للاهتمام لتحفيز التجارة الخارجية، فإن خارطة الطريق هذه ستكون غير مكتملة إذا لم تأخذ في الاعتبار الاضطرابات الدولية الجارية، ولا سيما الحرب التجارية بين أمريكا بقيادة ترامب من جهة، والصين (وأوروبا بدرجة أقل) من جهة أخرى.
إن الأخطار التي تتهدد الاقتصاد المغربي بشكل خاص، واقتصادات الدول الأفريقية بشكل عام، حقيقية. ويجب ألا نستيقظ يوماً على طوفان من المنتجات الصينية الأخرى التي ستهاجم بشكل مباشر آخر معاقل الإنتاج الوطني. ولا ننسى أن الصين، التي لا تزال أكبر دولة صناعية في العالم وتنتج أكثر بكثير مما يستهلكه سكانها محلياً، تسجل بالفعل فائضاً تجارياً يقارب 1000 مليار دولار. هذا يعني أنها غالباً ما تنتج هذه السلع بتكلفة أقل بكثير من تكلفتها الحقيقية بفضل الدعم الحكومي والقروض الميسرة.
وإذا تم حظر السلع التي تصدرها الصين حالياً من دخول الولايات المتحدة بسبب الرسوم الجمركية الباهظة، فمن المحتم أن تسعى الشركات الصينية لتصديرها إلى دول أخرى، ويفضل أن تكون أفريقية. وهذا سيضر بلا شك بمقاولينا المحليين الذين ينتجون منتجات منافسة، مما يشكل تهديداً حقيقياً على التجارة الخارجية وبالتالي على فرص العمل والأجور.

رؤية استراتيجية.. تنويع الشركاء والتوجه نحو أفريقيا!
إذا كان من المنطقي أن تحمي الحكومة التجارة الخارجية الوطنية برسوم جمركية مرتفعة، فإن هناك حاجة إلى نهج أكثر استراتيجية، يركز على رسوم جمركية موجهة واستثمارات في قطاعات ذات إمكانات نمو عالية موجهة للتصدير.
في مواجهة هذه التهديدات، لا يُعد هدف تنويع الشركاء التجاريين مجرد شعار أجوف. وليس من قبيل الصدفة أن جعلت الرؤية الملكية من الواجهة الأطلسية الأفريقية رافعة أساسية لمستقبل المملكة الاقتصادي (والسياسي). ويكفي لذلك تعزيز التبادلات مع أفريقيا عبر منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAf)، خاصة في القطاعات الواعدة مثل الزراعة المستدامة، والإلكترونيات، والطاقات المتجددة، وذلك في وقت أصبحت فيه البنية التحتية للتصدير التجاري متاحة بفضل مشاريع استراتيجية مثل موانئ طنجة المتوسط، والداخلة الأطلسي، والناظور غرب المتوسط. إنها رؤية ملكية تعتبر السياسة التجارية وسيلة فعالة لتعزيز القوة الناعمة للمملكة في قطاعات سيادية رئيسية.
في هذا السياق الجديد، لم يعد من الممكن اختزال التجارة الخارجية في أرقام الميزان التجاري فقط، بل يجب أن تشكل الآن جوهر الرؤية الجيوسياسية والصناعية لأي أمة. يمكننا استعادة هوامش المناورة من خلال تفضيل التبادلات مع حلفائنا الاقتصاديين الأفارقة، واختيار ترابطاتنا مع بعض الدول الأوروبية، مع ضمان سلاسل توريد موثوقة ومتنوعة مع الشركاء الأكثر جدارة بالثقة، وهو ما يقوم به المغرب بالفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *