صفعة موريتانية جديدة تُزلزل الجزائر! المغرب يبتسم؟

أريفينو.نت/خاص
في خطوة لافتة تعكس تحولات جيوسياسية عميقة وتغيرات في مواقف دول الجوار تجاه السياسات الجزائرية، أعلنت السلطات الموريتانية عن إغلاق منطقة لبريكة الاستراتيجية، الواقعة في شمال شرق البلاد بالقرب من الحدود مع الجزائر ومخيمات تندوف. ويمثل هذا القرار، عملياً، إغلاق آخر منفذ بري رسمي كان يربط الجزائر بموريتانيا، ليُضاف إلى سلسلة من الحدود المغلقة أو غير الآمنة التي تطوق الجزائر من مختلف الجهات، باستثناء المنفذ التونسي.
`منطقة “لبريكة” مُغلقة: أبعاد أمنية وسياسية لقرار نواكشوط`
أوضح الجيش الموريتاني في بيان رسمي أن المنطقة المعنية أصبحت تُصنف “موقعاً مغلقاً”، يُمنع فيه تماماً وجود المدنيين أو ممارسة أي نشاط تجاري. ويهدف هذا الإجراء، حسب البيان، إلى الحد من الأنشطة غير القانونية العابرة للحدود، والتي تتداخل فيها التجارة المعيشية للسكان المحليين مع عمليات التهريب المنظم.
ورغم وجاهة هذا التبرير الأمني، يرى مراقبون أن القرار لا يخلو من بعد سياسي عميق، حيث يأتي في ظل توتر غير معلن بين الجزائر ونواكشوط. ويُعزى هذا التوتر، بحسب التحليلات، إلى الدور الذي توصف بـ”الغامض” الذي تلعبه الجزائر في بعض مناطق الساحل، ومحاولاتها المستمرة للتمدد والنفوذ عبر دعم مجموعات انفصالية وأخرى توصف بالمسلحة.
`جزائر “محاصرة”: جدار من الحدود المغلقة أو الملتهبة`
بإغلاق الحدود الموريتانية، تجد الجزائر نفسها في وضع أشبه بالحصار الجغرافي الكامل. فالحدود مع المغرب مغلقة رسمياً منذ تسعينيات القرن الماضي، ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات على انفراج قريب، خصوصاً مع استمرار ما يوصف بالتصعيد الجزائري تجاه الرباط. أما الحدود مع مالي والنيجر، فقد خرجت منذ فترة عن السيطرة الفعلية للسلطات المركزية في تلك الدول بفعل الانقلابات العسكرية ونشاط الجماعات المسلحة المتطرفة. وفيما يتعلق بالعلاقة مع تشاد، فهي تكاد تكون معدومة على المستوى العملي. أما ليبيا، فتشكل مصدر تهديد أمني للجزائر أكثر مما تمثل منفذاً آمناً، نظراً لحالة الفوضى الأمنية التي تعمّها منذ سنوات. وها هي موريتانيا اليوم تنسحب بهدوء من التعاملات الحدودية المباشرة، لتغلق بذلك الباب الأخير أمام الجزائر في تلك المنطقة.
`تونس “الرئة الوحيدة”… ولكنها هشة`
لا يبقى أمام الجزائر سوى المنفذ التونسي، وهو منفذ يوصف بالهش سياسياً واقتصادياً. فتونس، التي تعاني من أزمات داخلية خانقة، لا تزال تحتفظ بعلاقات وصفت بالمتينة مع الجزائر. ويرجع مراقبون ذلك بدرجة كبيرة إلى حاجة تونس الملحة للدعم المالي والطاقي الجزائري، مما يجعل موقفها أقرب إلى “التحالف الاضطراري” منه إلى القناعة الاستراتيجية الراسخة. وبذلك، تكون تونس هي الدولة الوحيدة التي لا تزال تبقي شريان تواصل بري مفتوح مع الجزائر، وإن كان هذا الشريان يوصف بالهش والقابل للانقطاع في أي لحظة، خصوصاً إذا ما تغيرت موازين القوى الإقليمية أو تبدلت الأولويات الداخلية التونسية.
`عزلة خانقة: نتيجة مباشرة لسياسات عقيمة`
ويرى محللون أن هذا “الخنق الجغرافي” الذي يطوق الجزائر اليوم ليس مجرد معطى جغرافي طبيعي، بل هو نتيجة مباشرة لعقود من السياسات التي اعتمدها النظام الحاكم في الجزائر، والتي قامت، بحسب وصفهم، على دعم الحركات الانفصالية، وزرع الشكوك، وتغذية التوترات الإقليمية. وقد أدت هذه الخيارات، وفقاً لهذه التحليلات، إلى عزلة خانقة لم تعد تخفى على أحد. فالدول التي كانت حتى الأمس القريب تتحفظ في تعاملها مع الجزائر أو تتعامل معها بحذر، بدأت الآن تتخذ مواقف أكثر حزماً ووضوحاً، حتى وإن كانت هذه المواقف مغلّفة باعتبارات أمنية أو سيادية.
الجزائر، التي طالما قدمت نفسها على أنها “قلب أفريقيا” و”بوابة المتوسط”، تجد نفسها اليوم محاطة بجدران صامتة، أقامتها سياسات ما يوصف بالتوسع بالوكالة ودبلوماسية العداء الدائم. وأمام هذا الواقع، لا يبدو أن للنظام الجزائري خيارات كثيرة، سوى إما الانكفاء على الذات ومراجعة سياساته بشكل جذري، أو الاستمرار في سياسة “الهروب إلى الأمام” عبر افتعال الأزمات ومحاولة شراء ولاءات مؤقتة.
لكن في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، لم تعد الحسابات التقليدية مجدية، ولم يعد بالإمكان المراهنة على الضعف الداخلي المفترض لدول الجوار لشراء المزيد من الوقت. فالجميع يعيد تموضعه، ويحسم مواقفه، بينما تزداد عزلة الجزائر اتساعاً وصمتاً، وفق تعبير المراقبين.
