فضيحة شقيق الرئيس: منصف بن علي يهرب المخدرات في خراطيش سجائر مارلبورو

منير بالطيفة الشاهد علي فساد عائلة بن علي في فرنسا..
طلب منير حق اللجوء السياسي لفرنسا حماية لروحه فرفضوا طلبه لأن جاك شيراك جامل صديقه الرئيس الهارب ومن بعده فعل ذلك أيضاً ساركوزى طاردوه في كل مكان ذهب إليه وحاربوه في رزقه وحكموا عليه بالسجن فقرر فضحهم في كتاب سينشره قريباً
بدت باريس مشمسة.. دافئة.. حانية.. لكنني ما إن سمعت ما جري للمنفي التونسي منير بالطيفة حتي شعرت بها مظلمة.. باردة.. وقاسية
إنها قصة إنسانية ترقي لمستوي الأسطورة السياسية.. استهلكت نصف عمره الذي يقترب من الخمسين.. ودمرت حياته.. وحرمته من الزواج وتكوين أسرة.. والنظر إلي مستقبل مناسب.
وقد سمعتها منه بنفسي وقرأتها مرة أخري في مسودة كتاب يعتزم نشره باللغتين العربية والفرنسية.. سيكون دليلا من نوع خاص علي تنكيل تحالف النظم الديمقراطية والنظم الديكتاتورية علي سحق الحقوق البشرية أمام مكاسب رخيصة لو قورنت بالخسائر الجماعية للشعوب المهضومة.. المقهورة.. المظلومة.
ولو كان البطل تونسيا فإن قصته تصلح أن تكون مصرية أو سورية أو إيرانية أو يمنية.. فالفاشية واحدة ولو تكلمت لهجات مختلفة.
درس منير الاقتصاد في فرنسا.. لكنه.. عمل في شركة تصدير سيارات إلي بلاده.. عمل بفرعها في تونس.. وهو ما وضعه في طريق حمودة بريش.. مدير شركة وطنية تستورد السيارات لكبار الشخصيات في نظام سياسي فاسد.. فزور أوراقها.. وسدد ثمنها بأموال يجنيها من المخدرات التي كان منير يحملها دون أن يدري في”خراطيش”سجائر مارلبورو تعطيها إليه مضيفات الطيران اللاتي يعرفهن بريش لتوصيلها إليه.
وما إن كشف منير ما تورط فيه للشرطة التونسية حتي اكتشف أن رأس العصابة أكبر مما تخيل.. منصف بن علي.. شقيق الرئيس نفسه.. وكان ذلك كفيلا بالقبض علي منير وضربه وشتمه وتلفيق قضية عاجلة إليه.. لكن.. الخوف من تسريب الفضيحة للصحافة الفرنسية جعل هناك من ينصحه بترك تونس والسفر إلي فرنسا ونسيان كل شيء.. وبالفعل أفرجوا عنه.. وسمحوا له بمغادرة البلاد.
لكن.. الشاب الصغير الذي لم يكن عمره يزيد علي 24 سنة وقت هذه الأحداث التي جرت عام 1982 لم يسكت.. وكشف كل ما يعرف في رسالة نشرتها مجلة «جان أفريك» في 11 يوليو 1990 تحت عنوان”مغامراتي مع المافيا التونسية”.. فكانت الرصاصة الأولي التي توجه إلي نظام زين العابدين بن علي.. فراحت تلك المافيا تتربص به وتحرمه من كل عمل شريف يقترب منه.
لم يجد منير أمامه سوي نقل الجزائريين المتسللين إلي فرنسا عبر ميناء مارسيليا.. وهو عمل غير قانوني انتهي بالقبض عليه.. فلم يكن أمامه سوي السجن أو المغادرة.. فترك فرنسا وسافر إلي الجزائر التي اصبح لديه فيها العديد من الأصدقاء.
لكنه.. سرعان ما قرر العودة إلي فرنسا طلبا للجوء السياسي.. فدخلها متسللا بمساعدة أصدقائه الجزائريين.. عبر فجوة في سور ميناء مارسيليا تتركها الشرطة الفرنسية المتعاونة مع المافيا لمرور السلاح والمخدرات والمهاجرين غير الشرعيين.
في ذلك الوقت تقريبا.. قبض علي منصف بن علي في مطار أورلي برفقة 28 شخصا اتهموا جميعا بتهريب المخدرات.. لكنه.. تمكن من مغادرة فرنسا بتواطؤ من حكومتها وبعد منحه جواز سفر دبلوماسياً سلمه السفير فيما بعد رغم اقتراب موعد محاكمته.
في نفس الوقت قبض علي منير ووضع في سجن «فرسن» حيث وجد أفراد عصابة شقيق الرئيس التونسي وكانوا جميعا قد شهدوا ضده في تحقيقات النيابة لكنهم أنكروا شهاداتهم أمام المحكمة.. إلا أن وجود منير معهم في زنزانة واحدة جعله يعرف منهم كل مافعلوه بدقة جعلت منه شاهدا في القضية.
أرادت فرنسا ــ حفاظا علي مصالحها مع تونس ــ أن تحفظ القضية.. لكن.. شهادة منير أجبرت القاضي علي أن يحكم بإدانة شقيق الرئيس.. وراحت الصحف الفرنسية تهاجم حكومتها التي تتسامح مع مافيا المخدرات بدعوي الصالح الوطني.. ولخصت صحيفة «ليبراسيون» مشاعر الإعلام قائلة: “لا يمكن لأي نظام في العالم السكوت عن مثل هذه الاتهامات خصوصا عندما تكون علنية بهذا الشكل”.
رفضت الجهة المسئولة عن اللجوء السياسي منحه لمنير الذي تعرض لهجوم شرس من صحف عربية مختلفة.. اتهمته بصفات مؤلمة.. مرتشي.. متطرف.. مهرب.. فقد دفعت عائلة الرئيس التونسي ملايين الدولارات للتشكيك فيه وتبييض سمعتها.. وفي الوقت نفسه وجدت مساندة قوية من جاك شيراك الذي وصل إلي الحكم وعرف بفضائحه المالية منذ أن كان عمدة باريس.. وهي الفضائح التي كشفت فيما بعد.. ووجدتها علي صدر الصحف الفرنسية خلال زيارتي الأخيرة للعاصمة الفرنسية.
وسعت تونس لإعادة منير.. وأبدت استعدادها للصفح عنه.. وتجديد جواز سفره.. لكنه.. كان يعرف أنه سينتهي فور نزوله أرض المطار.. خاصة أن فرنسا لم تحمه بمنحه اللجوء السياسي.. وهي مساهمة مباشرة في القضاء عليه.. عبرت عنها صحيفة”لو كنار”قائلة :”إن العلاقات الفرنسية التونسية لن تفتر بسبب دون كيشوت صغير تجرأ وكشف فساد عائلة بن علي وانضم إلي لجنة وطنية معارضة تطالب بإقالته”.
وبتعاطف نبيل جابر ــ مدير مكتب وكالة الأنباء التونسية في باريس ــ مع منير تقرر سحبه وإعادته إلي تونس.. وهناك وجد امرأة تفقد وعيها أمام سيارته.. وعندما نقلها إلي المستشفي أدعت في الصباح أنه اغتصبها.. وحكم عليه بالسجن.. فقد كان المطلوب أن يخرس تماما.
وخشي بن علي أن يصدر منير كتابا يكشف فيه ما يعرفه فبدأت محاولات تصفيته.. وتدمير حياته.. وتحطيم أعصابه.. وساعدت في ذلك أجهزة الأمن الفرنسية.. فالدول الديمقراطية أحيانا تسقط عن نفسها كل ملابسها.. وتقف عارية أمام مصالحها.
ولكن.. ذلك لم يمنع القضاء من إصدار حكم بمنحه حق العمل في فرنسا.. علي أنه لم يتمكن من الحصول علي تصريح بالعمل إلا بعد سنوات.. قضاها جائعا.. وحيدا.. لا يعرف النوم.. وحتي بعد أن حصل علي التصريح الذي جعله ــ وهو الدارس للاقتصاد ــ مجرد سائق لم تتوقف الشرطة الفرنسية عن مضايقته وتلفيق قضايا لو لبسته لقضي باقي عمره في السجن.
بعد أن اقترض من البنك ثمن السيارة التي يعمل عليها جري تحطيمها.. وكي يبتعد زبائنه عنه كانت الشرطة تقبض عليه وهو يصطحب بعضهم.. أما البعض الآخر فكان يتعرض للسرقة وهو في السيارة كي يتورط منير في التهمة.. وأطلقت الشرطة مجرما خطرا يدعي «أحمد رزالة» كي يطارده في كل مكان يذهب إليه.. وقد قتل فيما بعد في البرتغال.
وكان منير علي وشك شراء شقة صغيرة مساحتها 40 مترا بقرض 12 ألف يورو فإذا بالشرطة تحتجز سيارته فخسر الصفقة.. وفيما بعد أصبح سعر الشقة نفسها لا يقل عن 50 ألف يورو.
وحاول معارض تونسي آخر ــ هو صديقه علي السعيدي ــ إقناعه من جديد بالعودة إلي بلاده بعد العفو عنه.. ودلل السعيدي علي صدق عرضه بأنه هو نفسه تصالح مع النظام.. وتولي منصبا رفيعا في وزارة الخارجية.. وإن بقي في بارس حاملا جواز سفر دبلوماسيا.. بل كانت مهمته هي إقناع منير بعدم جدوي ما يفعل.. خاصة بعد أن رفع منير قضية ضد الحكومة الفرنسية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
الغريب أن النظام التونسي لم يغفر للسعيدي رغم توبته أنه كان معارضا فجرت تصفيته في وقت مناسب.
كان منير قد رفع القضية في 30 نوفمبر 2000 طالبا المساعدة وتوفير الحماية.. لكن.. رغم تقديم ملف متخم بمستندات دامغة رفضت المحكمة الأوروبية القضية.. فالسياسة أحيانا أقوي من القانون حتي في أوروبا الديمقراطية.
والأكثر غرابة أن القاضي الذي رفض الحكم لصالحه كان برتغاليا واسمه كبرال باريثو وهو ما يتعارض مع مبدأ تعارض المصالح بعد أن قتل أحد المتربصين بمنير وهو «رزالة» في البرتغال.
وبعد أسابيع وصلت إلي منير رسالة مبتذلة علي تليفونه المحمول من أحد أقاربه وعمره 34 سنة يتهمه فيها بأنه تحرش به واعتدي عليه جنسيا وهو طفل صغير عندما كان يعيش في تونس.
وفي تلك الفترة كان منير يسكن في شقة في الدور الرابع عشر حصل عليها بسهولة ليشك فيما بعد أن الشركة التي أجرتها له فعلت ذلك بتدبير من الأمن كي يسهل أن يلقوا به من ارتفاعها.
وما أن انتهت رئاسة شيراك وانتهت حصانته الرئاسية حتي قرر منير رفع قضية ضده لطلب تعويض عن الضغوط التي تعرض إليها في فترة حكمه بجانب رفضه منحه حق اللجوء السياسي الذي يستحقه.
لكن.. لم يكن ساركوزي أكثر رحمة به من شيراك.. فما إن وصل إلي الحكم حتي اتهمت الشرطة منير زورا بأنه كسر إشارة مرور مما أدي إلي سحب رخصة قيادته وتهديده في رزقه، ولم يتردد منير في اتهام ساركوزي بمجاملة الرئيس التونسي المخلوع بأن سمح بإنقاذ عماد الطرابلسي (شقيق زوجة زين العابدين بن علي) من تورطه في جريمة سرقة ثلاثة يخوت في فرنسا.. وهو ما كشفه منير علنا في حوار مع قناة «فرنسا» اليوم الناطقة بالعربية.
وبعد سقوط النظام في بلاده رفع منير شكوي قضائية للنائب العام الفرنسي يطالبه فيها بمنحه حق اللجوء السياسي والتحقيق مع جاك شيراك وفتح ملفات قضية منصف بن علي الذي قيل إنه قتل ويقال إنه لايزال علي قيد الحياة.