بعد نجاح تنظيم كأس إفريقيا… معركة التنمية هي الرهان الحقيقي..

أريفينو : 20 يناير 2026
✍️ بقلم: د. نورالدين البركاني

شكلت محطة كأس إفريقيا 2025 لحظة اعتزاز وطني، جسد فيها المغاربة قدرتهم على التحدي والتنظيم الجيد متى توفرت الإرادة، وحسن التخطيط، والانضباط الجماعي. غير أن هذا الإنجاز الرياضي، على أهميته وقيمته الرمزية، لا ينبغي أن يبقى لحظة عابرة، بل يتعين تحويله إلى طاقة وطنية متجددة تسرع وتيرة التنمية، وتواجه التحديات الكبرى التي لا تقل أهمية عن أي نجاح رياضي.
إن المغرب اليوم مدعو، أكثر من أي وقت مضى، إلى رفع نسبة النمو الاقتصادي إلى 7 في المائة على الأقل، وذلك عبر تشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتثمين الرأسمال البشري، وربط منظومة التعليم بسوق الشغل. فالنمو الحقيقي لا يقاس بالأرقام وحدها، بل بمدى انعكاسه على تحسين عيش المواطنين، وصون كرامتهم، وتوسيع فرص الارتقاء الاجتماعي.
وفي قلب كل إصلاح جاد، يظل تخليق الحياة العامة شرطًا أساسيًا لا محيد عنه. فمحاربة الفساد، والرشوة، واستغلال النفوذ، ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي معركة مجتمعية شاملة، تبدأ من رفض الغش في الامتحانات، والسرقة في العمل، والتحايل في المعاملات اليومية. لأن الفساد الصغير، حين يُتسامح معه، هو الذي ينتج الفساد الكبير ويقوض الثقة في المؤسسات.
كما أن بناء مغرب قوي ومزدهر يمر حتمًا عبر إصلاح السلوك المدني في الفضاء العام، من خلال:
🔹احترام القانون في السير وفي مختلف مناحي الحياة؛
🔹احترام حق الأسبقية في الطوابير؛
🔹إعطاء الأولوية للنساء، والمسنين، وذوي الاحتياجات الخاصة؛
🔹الالتزام بتوقيت العمل، والعمل بجدية وإتقان؛
🔹الحفاظ على نظافة الشوارع والأحياء، حتى تصبح المدن المغربية من أنظف مدن العالم، لا عبر حملات موسمية عابرة، بل من خلال سلوك يومي دائم.
ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون ترسيخ ثقافة المواطنة والمسؤولية، حيث يدرك كل فرد أن له حقوقًا مشروعة، لكن عليه في المقابل واجبات تجاه الوطن. فالأوطان لا تبنى بالخطابات والشعارات وحدها، بل بالعمل الصامت، والانضباط، واحترام المؤسسات، والإيمان بأن المصلحة العامة تسمو دائمًا على المصالح الضيقة.
لقد أكد بلوغ مراحل متقدمة في كأس إفريقيا أن المغرب قادر على النجاح حين يتوحد حول هدف واضح. واليوم، المطلوب هو توحيد الجهود من أجل مغرب موحد، آمن، وعادل؛ مغرب يربح رهان التنمية كما ربح رهان كرة القدم، ويجعل من كل مواطن لاعبًا أساسيًا في فريق الوطن.
فالفوز بكأس إفريقيا طموح مشروع …
لكن التحدي الأكبر، والرهان الأبقى هو كأس التنمية.
بقلم : الدكتور نورالدين البركاني