غلاء اللحوم في المغرب: بين واقع السوق وخيار المقاطعة..

أريفينو.

يكتبها / الدكتور : نورالدين البركاني.

شهدت أسعار اللحوم في المغرب خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق، سواء تعلق الأمر بلحوم الغنم أو البقر، وهو ما أثار استياءً واسعاً لدى المواطنين، بالنظر إلى تأثيره المباشر على القدرة الشرائية للأسر. هذا الغلاء لا يبدو مبرراً بالكامل بعوامل الإنتاج فقط، بل تساهم فيه أيضاً ممارسات بعض الوسطاء والمضاربين الذين يرفعون الأسعار بشكل يفوق التكلفة الحقيقية، مستفيدين من اختلالات السوق وضعف المراقبة في بعض الأحيان.

وإذا أردنا فهم هذا الارتفاع، فإن الأمر لا يرتبط بظرفية عابرة، بل هو نتيجة مسار تراكمي بدأ منذ أواخر سنة 2021 وبداية 2022، حين عرف المغرب سنوات متتالية من الجفاف أثرت بشكل كبير على القطيع الوطني. تزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الأعلاف على المستوى الدولي، خاصة في سياق تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، مما أدى إلى تراجع العرض بشكل تدريجي.

ومع حلول سنتي 2023 و2024، أصبح هذا الارتفاع محسوساً لدى المواطن بشكل واضح، حيث بدأت أسعار اللحوم ترتفع بوتيرة ملحوظة. ورغم تدخل الدولة عبر استيراد الأبقار واللحوم ومحاولة دعم السوق، فإن تلك الإجراءات لم تنجح في خفض الأسعار بالشكل المطلوب، بسبب استمرار تراجع القطيع وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب اختلالات بنيوية في السوق.

أما خلال سنتي 2024 و2025، فقد بلغت الأسعار مستويات قياسية، تجاوزت في كثير من الأحيان 100 إلى 130 درهماً للكيلوغرام، دون أن تعرف تراجعاً حقيقياً، رغم اتخاذ إجراءات مختلفة. في هذه المرحلة، برزت بشكل أوضح عوامل المضاربة، وضعف المراقبة، وتحكم بعض الفاعلين الكبار في مسارات السوق.

واليوم، خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2026، لا تزال الأسعار مرتفعة، بل وتبقى مرشحة للارتفاع في بعض الفترات، بسبب عدم تعافي القطيع الوطني بشكل كافٍ، واستمرار الفجوة بين العرض والطلب، فضلاً عن ارتفاع كلفة الاستيراد.

أمام هذا الوضع، لم يعد من المقبول أن يبقى المواطن في موقع المتفرج، خاصة وأن السوق يتأثر بشكل مباشر بسلوك المستهلك. ومن هنا تبرز أهمية الفعل الجماعي، باعتباره وسيلة سلمية وفعالة لإعادة التوازن. لذلك، فإن من الأفضل أن يتحد المواطنون المغاربة على مقاطعة شراء اللحوم ابتداءً من الآن إلى غاية عيد الأضحى، في خطوة جماعية من شأنها تقليص الطلب والضغط على الأسعار.

فالسوق يقوم على قاعدة واضحة: عندما ينخفض الطلب بشكل ملموس، يصبح من الصعب الحفاظ على نفس مستوى الأسعار، خصوصاً إذا كان جزء من هذا الغلاء ناتجاً عن المضاربة وليس فقط عن كلفة الإنتاج.

إن هذه المقاطعة ليست هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة لإعادة الأسعار إلى مستويات معقولة. فإذا عادت الأسعار إلى التوازن المطلوب، عاد الاستهلاك بشكل طبيعي، أما إذا استمر الغلاء، فإن استمرار المقاطعة يصبح خياراً مشروعاً وضرورياً.

بهذا الوعي الجماعي، يمكن للمواطن أن يتحول من متأثر بالأسعار إلى عنصر فاعل في توجيه السوق، بما يحقق العدالة والتوازن ويضمن الكرامة المعيشية للجميع.

وبعد أن باءت جميع المحاولات بالفشل، يبدو أن السلاح الوحيد الذي بقي في يد المواطن هو المقاطعة، باعتبارها وسيلة حضارية للتعبير عن الرفض، وآلية ضغط فعالة لإعادة تصحيح اختلالات السوق وفرض منطق التوازن والإنصاف.
نورالدين البركاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *