من رسم التلفزة إلى صندوق التضامن: لماذا لا نوجه المساهمة لدعم ضحايا الكوارث الطبيعية؟

أريفينو : 6 فبراير 2026

بقلم : د. نورالدين البركان

يؤدي المواطن المغربي، بشكل شهري، رسمًا خاصًا يُقتطع تلقائيًا عبر فاتورة الكهرباء، ويُوجَّه أساسًا لتمويل الإعلام العمومي، وعلى رأسه الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ويتم استخلاصه عبر المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.

ورغم مشروعية هذا الرسم من الناحية القانونية، يظل سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح:
هل ما زال من المنطقي أن تبقى هذه المساهمة محصورة في دعم السمعي البصري، في وقت تواجه فيه بلادنا كوارث طبيعية متكررة تخلّف مآسي إنسانية عميقة؟

لقد شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة أحداثًا مؤلمة، من الزلزال الذي ضرب مناطق واسعة بالحوز، إلى فيضانات مدمّرة مست مدنًا من بينها القصر الكبير. وهي كوارث لا تدمر البيوت فقط، بل تمس الاستقرار النفسي والاجتماعي لآلاف الأسر، وتضع الدولة والمجتمع أمام تحديات كبرى تتعلق بالإيواء، وإعادة الإعمار، والتكفل الصحي، والدعم النفسي، وهي مجالات تحتاج موارد قارة ومستدامة، لا حلولًا ظرفية أو حملات تضامن عابرة.

انطلاقًا من هذا الواقع، يبرز اقتراح عملي وواقعي: تخصيص رسم التلفزة، كليًا أو جزئيًا، لإحداث صندوق وطني دائم لدعم ضحايا الكوارث الطبيعية. صندوق يُموَّل تلقائيًا من هذه المساهمة الشهرية، ويُوجَّه حصريًا للتعويض السريع للأسر المتضررة، وتمويل السكن المؤقت وإعادة الإعمار، ودعم التمدرس بالمناطق المنكوبة، وتوفير الرعاية الصحية والدعم النفسي، إضافة إلى تقوية قدرات الجماعات المحلية على التدخل الاستعجالي.
بهذه المقاربة، يتحول رسم يؤديه الملايين شهريًا إلى أداة إنقاذ حقيقية، بدل أن يبقى مجرد بند تقني داخل فاتورة الكهرباء.

وتزداد أهمية هذا التوجه اليوم لأن الكوارث الطبيعية لم تعد أحداثًا استثنائية، بل واقعًا متكررًا بفعل التغير المناخي، ولأن التضامن ينبغي أن يكون مؤسساتيًا ومنظمًا، لا مبنيًا فقط على ردود فعل ظرفية. كما أن المواطن سيكون أكثر تقبلًا للأداء حين يرى أثر مساهمته مباشرة في حياة المتضررين، فضلًا عن أن الإعلام العمومي يمكن دعمه بآليات أخرى كميزانية الدولة أو الإشهار أو الشراكات.

إن هذا المقترح يقتضي إطارًا قانونيًا واضحًا، وشفافية كاملة في تدبير الموارد، وإشراك المجتمع المدني في التتبع، وربط الصندوق بخطط الوقاية والاستعداد للكوارث، لا فقط بالتدخل بعد وقوعها.
لسنا ضد دعم الإعلام العمومي، لكننا مع إعطاء الأولوية للإنسان حين يكون في أقصى لحظات ضعفه. فتحويل مساهمة بسيطة يؤديها المواطن شهريًا إلى شبكة أمان اجتماعي لضحايا الزلازل والفيضانات وغيرها من الكوارث، هو قرار شجاع وواقعي وإنساني، يعكس دولة تجعل كرامة مواطنيها في صدارة اختياراتها.

نورالدين البركان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *