بلعربي: قد تلبس الخديعة عباءة الفضيلة فلا تفتح الباب لكل من يحمل سبحة..

أريفينو : 13 يوليوز 2025.
الدكتور : حسن بلعربي.
يعود من جديد الدكتور حسن بلعربي ليتحفنا بنصوصه الأدبية الراقية، التي لا تخلو من حكم وعبر تمتد إلى يومنا المعاصر. هي قصص تستحق أن يرويها الرواة والحكواتيين وتعتمدها الأجيال دروسا، فقبلها كان لنا موعد مع خطبة الجمعة التي اختار من خلالها الأستاذ بلعربي تمرير العديد من الرسائل العميقة، وفي فترة سابقة روى الروائي بلعربي عن رحلة لا تنسى توقف فيها قلب الكاتب.. وتستمر القصص الشيقة إليكم قصة اليوم:
حين تَكَلَّم الذئبُ باسم السماء في زاوية نائية من أرض الله الواسعة، عاشت عجوز وحيدة في كوخ متواضع، أزرى الدهر بها ونال الزمان منها وانفض من حولها أحباؤها.
كان كوخها المحاط بحقل صغير زرعته بيديها، يضم معزة تحلبها كل صباح، مع بضع دجاجات تعتاش على بيضها وتؤنس وحدتها، وهو ما كان يكفي لسد رمقها ويعفّها عن الحاجة، ومع قلته، لكنه كان كافيا بالنسبة لها، فقد شكل مصدر عزّة نفسها وسعادتها.
لم تدرك أن ثمة عينًا ترصدها، فقد كان هناك ذئب، يرقبها من خلف الأشجار، لا يفوته حليب المعزة، ولا دفء الكوخ، ولا عزلة المرأة.
وذات صباحٍ ماطر، طرق الباب طرْقًا خفيفًا مريبا، يبعث على الحذر، لكن خفتَه كانت تُغري بالثقة. فتحت العجوز الباب، فإذا بها ترى ذئبًا، ملتحيًا، ضعيف البنية، جاحظ العينين، وقد تدلت على صدره سبحة خشبية ضخمة. بسمل واستغفر، ثم قال بصوت متهدّجا:– أيتها الطاهرة العفيفة، هل تؤمنين بالله الواحد؟ قالت العجوز وقد اعتلى سحنتها شيء من الحياء:– بلى، أؤمن، وأصلي، وأصوم، وقد حججت بيت الله سبعًا. – إذا سيدتي، أبشري، فقد رأيت رؤيا أمرني فيها منادٍ بأن أبلغك الهداية… وأنا عبد فقير، أُقاسي البرد والرطوبة في كوخ مهترئ لا سقف له، أعبُد الله وحدي، ولا أجد ما اسد به رمقي… رقّ قلب العجوز له، ففتحت له غرفة ملحقة بكوخها، وسقته من لبن معزتها، وأطعمته من بيضها، وخصته كل صباح بسَلّة من خير يدها.
بدأ الذئب يزداد قوة ويشتد عوده، وكثر دعاؤه لها، بينما أخذت هي تلاحظ شيئًا غير مألوف: دجاجها ينقص، بيضها يقل، والمعزة بدى هزالها. وحين شكت أمرها له، صرخ الذئب قائلاً:– إنه الثعلب الماكر حتما! فقد رأيته يتسلل ليسرق من الدجاج، لكنني لم أستطع منعه، فأنا عجوز مثلك.– وما الحل إذا؟، تساءلت المرأة – لا مفر من أن أستدعي أبناء أخي، الثلاثة، إنهم أتقياء وأشداء، وسوف يحمونك من الثعلب، إن شئت ذلك. سمحت له المرأة العجوز، فأدخل الذئاب إلى الكوخ، وانتقلت هي إلى الغرفة. بدأ الذئاب يلتهمون كل شيء. وتحوّل بيت العجوز إلى وليمة يومية، والكوخ إلى محراب للرياء.
لم تَرَ العجوزُ ثعلبًا، لا في الليل ولا عند الفجر، لكنها رأت معزتها تهزل، ودجاجاتها تتناقص، والكوخ يملؤه شخيرٌ مزعج وكريه. وذات فجرٍ، وقد أدركت مصيرها قد اقترب، انسحبت بهدوء، ومضت تحت المطر الغزير، فارة بنفسها من خديعة ناعمة لبست عباءة الفضيلة.
وفي وسط الغابة، وبعدما نهضت من عثرة أسقطتها أرضا، جلست، وهي تتألم، تستعيد رشدها، هناك، بين الطين والفطر، تنبّهت. فالفطر الذي طالما شاهدته عند جذوع الأشجار، كان إشارة، إلى أن من يعطي بلا حذر، يُسرق، ومن يثق بلا فطنة، يُؤكَل.
رجعت العجوز إلى الكوخ وقد خلعت عن نفسها رداء الطيبة الساذجة. وأقسمت أنه لن يفتح الباب بعد اليوم لكل من حمل في عنقه سُبحة وتظاهر بالزهد وتكلم باسم الدين، شجع البطن، ثقيل الذيل. ومنذ ذلك اليوم، عادت البيوت عامرة، ولم تعد الخراف تصدق الذئاب حين تتحدث باسم السماء.
بقلم الدكتور :حسن بلعربي
