مقاربة تحليلية لثورية الانتفاضات العربية

بقلم: بدر أعراب
لعلّ الحراك الشعبي الذي عرفته مختلف الشوارع العربية في العديد من دول العالم العربي، سواء على مستوى الشرق الأوسطي أو المنطقة المغاربية الكبرى والذي تكلّل بعضه بنجاح تمثّل في تحقيق ما دعت إليه الإنتفاضات الشعبية من خلال شعارات فضفاضة رفعت جماهيريا بهذا الحجم ولأول مرة، من قبيل مطالبة الحاكم وحاشيته المتمسكين بزمام الأمور بالرحيل، والتي لم يكن لها في السابق لتكون مدوّية في سماءات الوطن العربي لو لا “صفعة مهينة” تلقاها مواطن عربي عزيز النفس إسمه البوعزيزي لم يرتضيها لنفسه، ما فتئت أن كانت ظاهرا على الأقل، المحرك الرئيس للشعوب العربية في تغيير مجرى تاريخهم السياسي عبر إنتفاضات أطلق عليها جلّ المفكرون والمؤرخون وفقهاء القانون الانساني بمختلف مشاربهم وكذا كلّ المواطنين بنخبهم وعامتهم، “ثورات” رغم أنه من الناحية التاريخية وفي عرف الإصطلاح القانوني لا يمكن إلا أن يكون مصطلح الانتفاضة هو أدّق تعبير للاصطلاح عمّا حدث في الشارع العربي العام، أما الثورة ففي إطارها المفاهيمي كما هو معلوم أكاديميا، هي مسلسل طويل من عناء التأطير المسبق والتنظير الثوري وعبء التنظيم وبرامج التعبئة يراكم ذلك سنوات مديدة أو عقود زمنية بعينها من الكدّ والعمل الجاد، والإرادة الجماعية التي تعكس نزوع رغبة الجماعة الثائرة الى التغيير، وهذا باختصار أحد التعريفات المبسطة للثورة.
وفي تقديري أن الإنتفاضات العربية توافرت فيها الكثير من مبررات اندلاعها وشروط ميلادها، ما يجعلها قرينة الثورة فعلا وعلى سبيل العدّ لا الحصر ما عرفته البلدان المعنية من إحتقان وغليان وحراك شعبيين خلال مرحلة معينة كان عنوانها الأبرز هو التغيير، وهي بذلك حقا أقرب إلى تسميتها بالثورات في ثابتية أهم قاسم مشترك يجمعهما هو التغيير، غير أنه بالرجوع إلى معالجة هذا الشأن ( التمييز بين المصطلحين ) من خلال التعريفات الواردة فإن المنهجية الأكاديمية تقضي أن مسألة العفوية التي إتسمت بها الانتفاضات سواء من جهة توقيت إندلاعها وبساطة تنظميها على مستوى قاعدتها الجماهيرية، ولاسيما كذلك من جهة كون شرارتها الأولى انقشعت بمحض صدفة، بخلاف ما تتمّيز به الثورات شكليا من حيث أنها ترتبط حسب المفهوم الكلاسيكي لها بقواعد ذات هياكل تنظيمية ولجن تنسيقية على أعلى حنكة تأطيرية وتنظيرية إيديولوجيا من قبل زعماء ثوريين ملهمين، والأهم من هذا كلّه ما تقترن به من مشروع سياسي بديل بالدرجة الأولى، حيث تتجسد فيه الرؤى النخبوية من تطلعات وانتظارات وتخطيط إقتصادي إجتماعي ومجتمعي تحمله الثورة مسوّدة جاهزة إلى سدّة الحكم، وهذا بالضبط المعيار الأوحد الذي يمكن من خلاله تمييز الفرق بين الثورة والانتفاضة كما هو متعارف عليه – قلت – أكاديميا.
وتأسيسا عليه، ومن هذا المنطلق فالملاحظ أن الإنتفاضات العربية الموصوفة بالعفوية وتلقائية التنظيم وإنعدام مشروع ما بعد إستئصال النظام إنطلقت كقاعدة أفقية بدون رأس عمودي يمثل مركزية القيادة ولا هيكلة تنظيمية ولا مشروع سياسي مجتمعي، لهذا يستوجب منّا إن شئنا تسمية الأشياء بمسمياتها من خلال هذا المنظور المعياري أدناه الإقرار بأنها لم تكن بالثورات رغم بلوغ البعض منها لإحقاق أهم أهدافها المتجلية في إسقاط الأنظمة ومحاسبتها بعض رموزها قضائيا، ذلك لأنها لم تستكمل شروط قيام ‘ثورة’ وأهمها المشروع السياسي البديل الذي تطرحه النخبة القيادية للثورة.
وما الارتجال السياسي على صعيد تدبير شؤون الدولة في مصر اليوم منذ إطاحة شعبها بالنظام السياسي السابق وتخبّط الفرقاء السياسيين وعجزهم عن توحيد الصّف حتى الآن قصد تشكيل وحدة وطنية وبلوغ إجماع وطني لرسم خريطة سياسية واضحة المعالم أساسها الحسم النهائي في الخيارات المصيرية الكبرى التي يمكن أن تعيد صياغة مصر من جديد سياسيا واجتماعيا وثقافيا حتى تستعيد ريادتها، كحالة تونس المجسدة للأزمة السياسية ذاتها، والدور مرتقب على ليبيا في المقبل من الأيام للتخبّط في المأزق نفسه على غرار جارتيها، ما هو إلا بسبب غياب المشروع الحضاري البديل الذي يسطره رجال الثورات في غرفهم السرية مسبقا بينما تخططه كما يبدو جحافل جماهير الانتفاضة علانية ولاحقا فيما بعد.
غير أنني أعتقد أن الإجماع الحاصل على تسمّية “الإنتفاضات العربية” بالثورات، جاء إحتفاء بنتائجها المحققة في الواقع ليس إلا، وقد كانت فعلا الأشواط المراطونية التي قطعتها بعض الشعوب العربية في نطاق انتفاضاتها منذ شهور مديدة وعصيبة بدت في بعض حالاتها أنها لن تنتهي على المدى القصير، تستحق عن حقّ وحقيق التتويج بهذا اللقب الثوري، فضلا عن بعض المكتسبات السياسية التي نالتها في الجوهر، أقول بعضها فقط لأن ذلك في تقديري راجع إلى خصوصية كل بلد على حدى والجغرافية السياسية للشرق الأوسط، حيث تحكمها حسابات ومعادلات وسياقات دولية، تلزم – أذكر بعجالة – في أبسط مضامينها التي لا تخفى حتى عن مبتدئ أكاديمي يتطاول للتحليل السياسي، كون مسألة استقرار الكيان الإسرائيلي وتنعّمه بالأمن والسلام في المنطقة رهين باستمرار استبدادية الحاكم العربي بالإقليم الجهوي المجاور لهذا الكيان ولعلّ هاجس الحالة الإيرانية المستعصية سياسيا وديبلوماسيا وحتى عسكريا على صقور البنتاغون وتل أبيب والتي تمثل الرقم المربك للحسابات في الشرق الأوسط لكونها تجربة ثورية تاربخية شكلت تهديدا حقيقيا ودرسا بليغا استوعبه العقل الأمني الاسرائيلي، هو الأساس الذي تقوم عليه هذه المقاربة الأمنية لهذا العقل في نظرية متشعبة لا يسعنا المجال هنا لتمكين القارئ بأبجدياتها ومدى علاقتها بإشكالية عدم ملامسة المواطن العربي لجوهر التغيير الحقيقي في ظل مرحلة تاريخية تتميز بتجربة سياسة دولية أحادية القطب وما لها من انعكاس على مستوى دول الطوق العربي خاصة، حسب فهمي المتواضع طبعا ورأيي المبني على ما يحيط من معطيات في الساحة السياسية والاعلامية للشرق الأوسط.
وبعيدا عن الخوض في أية تحليلات قد تحيد فهم القارئ عن مغزى ما أروم طرحه أقول، إنّ الإتفاق الضمني للجميع على تسمية الانتفاضات العربية بالثورات كان ـ في نظري ـ موفّقا لسبب يمكنني تلخيصه في رقّيّ حدث الإنتفاضة في شقّ حبكتها التنظيمية رغم تلقائيتها، سلميتها بالأساس، وحضاريتها، وهذه كلها عناصر جديدة إن صح القول عن سجل الانتفاضات عبر التاريخ ما مكّنها من تبوء هذه المكانة – اللّقب، فضلا عن أهدافها المحقّقة بالرغم من صلابة الحصار الحديدي المضروب على ??ثقافة التغيير?? في العالم العربي تبعا للنظرية الأمنية المزعومة من قوى الغرب، وهو ما أدى إلى خلخلة البنية المفاهيمية لمصطلح الثورة وفق تعريفات مدارس القانون الكلاسيكية وكأن المنتظم الدولي يدّشن مفهوما جديدا للثورة بأبعاد حضارية وفق مقاسات عصرنا الراهن.
ومن ثم، فإن القانون الدولي الإنساني اليوم إزاء مفاهيم مغايرة عن الثورة، فسنرى إن كان فقهاؤه سيعيدون النظر في تعريفاتها الغارقة في التقليدانية، لأجل وضع تنزيلاات جديدة لها من مفاهيم حديثة لاحت في أفق الميادين والشوارع العربية بغية العمل على تدويلها وإدراجها ضمن مقررات كتب الدارسين لهذا الفرع من القانون الوضعي.
تحليل ملموس وواقعي جدّاً،فعلاً العنوان يدلّ عن المضمون،ولكنّني تفاجأت بعفوية تسميتها بثورية “العالم العربي” بدل شمال افريقيا لدى كثير من المثقّفين المغاربة،مكرّسين بذلك الاستعباد الثّقافي الّذي يرضاه المغاربيون لانفسهم رغم اعطائهم دروساً ثورية لغرب آسيا”الشّرق الأوسط” والعالم، لتظل شعوب شمال افريقيا قطعاناً تارة في يد الشّرق وتارة في يد الغرب، رغم استباقها لصنع التّاريخ دائماً