للنقاش | الزوايا.. “حراس المجتمع” من التطرف والإسلام السياسي

أريفينو : 10 أكتوبر 2025


أعادت المشاكل التي رافقت انتقال المشيخة داخل الزاوية القادرية البودشيشية بعد وفاة الشيخ جمال الدين القادري، إلى الواجهة النقاش حول دور الزوايا بالمغرب بصفة عامة وليس هذه الزاوية فحسب، ومكانة الزوايا داخل الحقل الديني للدولة باعتبارها تقوم على حلقات الذكر والتصوف، ولها مريدون وأتباع بالآلاف، بل بالملايين عبر العالم، لما لها من دور في التهذيب النفسي والخلقي، وهو ما يطرح السؤال حول دور الزوايا داخل المجتمع..

بقلم: جميلة حلبي

    الزوايا تدخل في إطار التصوف المؤسساتي الذي يعد أكثر تنظيما وتأثيرا من التصوف الفردي، لذلك لعبت عدد من الزوايا دورا كبيرا في تاريخ المغرب الديني والسياسي والمجتمعي، إضافة إلى الأدوار التي تقوم بها تجاه الأفراد، ورغم ذلك، فقد تراوحت علاقة الزوايا بالسلطة بين معارضتها والتحالف معها، كما كان لها دور كبير في مواجهة الاستعمارين الفرنسي والإسباني، وبعد الاستقلال، انخرطت الزوايا في تقديم نفسها كفاعل يقف إلى جانب الدولة في مواجهة التطرف الديني وحركات الإسلام السياسي، رغم أن الدور الأساسي الذي قامت عليه الزوايا، يكمن في تقديم الصدقات وإطعام الفقراء والمعوزين وعابري السبيل، وأيضا تيسير الرحلات إلى الحج، لذلك يزداد عدد المريدين والأتباع و”الفقراء” الذين ينتمون للزوايا، وعلى اختلاف تسمياتها، فالدور إنساني بامتياز والهدف واحد، فبالإضافة إلى النسب الشريف والجهاد، استندت الزوايا إلى الفكر الصوفي القائم على إنشاء الرباطات الدعوية والجهادية، حيث كان الشيوخ يعتمدون على المصداقية الروحية والزهدية في جذب المريدين، خصوصا في عهد الموحدين، لتتقوى بعد ذلك بتحالف الصوفية مع النسب الشريف، والذي استمر إلى الآن في عهد الدولة العلوية، حيث أصبحت الزوايا تحمل رمزية دينية وسياسية.

فقد أصبحت للزوايا اليوم وظائف مختلفة، فلم تعد لها أدوار سياسية ولا جهادية، وإنما تم تنظيمها وتأطير أدوارها من خلال قوانين وأعراف، وأصبحت خدماتها مقتصرة على استقبال المريدين والاعتكاف على الذكر والصلاة، وبذلك باتت الزوايا تلعب دورا مهما في تحقيق التوازن الديني والسياسي، خصوصا وأن التصوف لا يزعج الدولة، وهو ما فطنت إليه فاهتمت بدعم التدين التقليدي المبني على الصوفية والمذهب المالكي، ودعمت هذه الزوايا بالهبات، وهو ما لاحظناه مؤخرا من تخصيص هبات ملكية لكل الزوايا، قام بتوزيعها الحاجب الملكي، كما تحرص الدولة على تأمين أنشطتها الدينية، خصوصا ما يعرف بالمواسم أو الموالد السنوية كما رأينا عند إحياء الزاوية القادرية البودشيشية لذكرى المولد النبوي الشريف، حيث قام الدرك الملكي والسلطات المحلية بالوقوف على تنظيم الاحتفال، حيث يدخل هذا التأطير في إطار حماية البلاد من انتشار المد السلفي واستغلال الزوايا ضد أهدافها الدينية المحضة والاجتماعية، وهذا ما جعل الدولة تتبنى استراتيجية الوقوف إلى جانب الزوايا ودعمها ماديا ومعنويا، كما أن لتعيين وزير ينتمي لإحدى الزوايا على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دورا مهما في احتواء الزوايا لكي لا تزيغ عن سكتها وتنجرف وراء المد السلفي الجهادي.

ومن جهة أخرى، تحظى الزوايا بحيز مهم من اهتمامات الدولة بالحقل الديني على المستوى الإعلامي، حيث تقدم مختلف الإذاعات والقنوات التلفزية برامج تعريفية بالصوفية والزوايا والمقامات، وتشرح التصوف السني وأصول المذهب المالكي الذي يتبعه المغرب.. لذلك يمكن اعتبار التصوف والزوايا جزءً مهما من المنظومة الدينية للبلاد، فهي تلعب دورا مهما في توازن الحقل الديني والحد من امتداد الحركات المتطرفة المغالية في الدين، بما يعزز الأمن الروحي للمغاربة، وإذا كانت الدولة تولي أهمية كبيرة للزوايا كمؤسسات دينية تعمل على إنتاج قيم دينية وإعادة إنتاجها، وتخصص لها ميزانيات وهبات وتقدم لها امتيازات، فإنها بالمقابل تعمل على ضبط نفوذها وتحركاتها وعلاقاتها بشكل يضمن عدم استفحال قوتها، وهو ما نستنتجه من خلال أن كل الأعمال المتطرفة التي ضربت المغرب كان تأطيرها من الخارج، كما أن المغرب قدم نفسه كنموذج غير مسبوق في احتواء المحكومين في قضايا التطرف والإرهاب من خلال برنامج “مصالحة” منذ سنة 2017، وعززه سنة 2023 بإحداث “مركز مصالحة”، بهدف إضفاء المزيد من الفعالية على هذا البرنامج، وكذلك لترصيد التجارب والنتائج المحصل عليها في إعادة تأهيل وإدماج السجناء المحكوم عليهم في قضايا التطرف الديني، ويضطلع “مركز مصالحة” بصياغة برامج للوقاية من مخاطر السقوط في التطرف، واتخاذ التدابير الممكنة لحماية المحيط الأسري المباشر للمستفيدين من برنامج “مصالحة” من خطر تبني الأفكار المتطرفة، والقيام بالدراسات واللقاءات والدورات التكوينية ذات الصلة.

ولا يقتصر الانتساب للزوايا على الفئات الفقيرة أو ذات المستوى التعليمي المحدود، بل إن مريدي الزوايا وأتباعها ينتمون إلى كل الفئات المجتمعية، بمن فيهم الأثرياء والمثقفون والكوادر والنخب السياسية وغيرهم، كما أن الانتساب للزوايا لا يقتصر على المغاربة أو العرب، بل تجد فيها مختلف الجنسيات، حيث يعد مريدو الزاوية البودشيشية – مثلا – من خارج المغرب بالآلاف.

الحاجب الملكي محمد العلوي يسلم هبة ملكية لإحدى الزوايا

كما لعبت الزوايا أدوارا مهمة في نشر التصوف في القارة الإفريقية، وهو ما يعرف بالدبلوماسية الروحية الموازية، التي تساهم في توطيد العلاقات الدبلوماسية مع بعض دول إفريقيا، ومن خلالها وظفت الدولة هذا الإرث الروحي لبناء شراكات استراتيجية حيوية مع عدد من البلدان، حيث كانت الطريقة القادرية من أبرز الطرق التي وصلت إلى النيجر وإثيوبيا وزامبيا، كما توطدت الزاوية التيجانية في دول أخرى كالسنغال، حيث تحظى بحضور قوي ومؤثر داخل الدولة يتجاوز ما هو روحي إلى ما هو اجتماعي واقتصادي وسياسي.

وفي إطار تنظيمها للحقل الديني بما يتماشى مع التوجه العام للدولة، القائم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، التي لطالما أسهمت رفقة المذهب المالكي والتصوف السني، في خلق انسجام مذهبي وعقدي في المغرب، مما جنبه كثيرا من القلاقل والفتن التي كانت تقع في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي بسبب الخلافات العقدية.. في هذا الإطار ظل اهتمام الدولة بالزوايا يحظى بحيز مهم، والتي يبلغ عددها حسب إحصاء لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 2019، ما مجموعه 1588 زاوية موزعة على مختلف المناطق، وذلك من خلال الهبات المادية التي تحرص المؤسسة الملكية على تقديمها لمختلف هذه الزوايا من أجل تعزيز الروابط الدينية والروحية بين الدولة ومشيخات الزوايا.

ومن جهة أخرى، قامت الدولة بـ((إقرار خطة “تسديد التبليغ”، التي تسعى من خلالها مؤسسة العلماء، برعاية أمير المؤمنين الملك محمد السادس، إلى النهوض بأمانات العلماء في واجب تبليغ الدين من أجل تحقيق مقومات الحياة الطيبة في المعيش اليومي للناس بحيث يكون إيمانهم وعباداتهم ثمرات تنعكس على نفوسهم بالتزكية وصلاح الباطن، وعلى سلوكهم بالاستقامة وصلاح الظاهر، وذلك تحققا بوعد الله تعالى لعباده بهذه الحياة، المشروطة بالإيمان وبثمرته في العمل الصالح، في قوله تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون”.

كما تستحضر خطة “تسديد التبليغ” الالتزام الديني الذي يثمر وازعا داخليا يحرر النفوس من أهوائها، ويجلب المصالح والمنافع للناس، ويدرأ المفاسد عنهم، وتسعى هذه الخطة إلى تقليص الهوة الفاصلة بين فضائل الدين وبين أعمال كثير من الناس البعيدة عن تلك الفضائل، وإلى وصل ما انفصل في تاريخ المسلمين بين إيمانهم وتصديقهم الذي وقر في قلوبهم، وبين أقوالهم وأفعالهم الصادرة عن جوارحهم وكأنه لا علاقة لأحدهما بالآخر، ولا تأثير لأحدهما في الآخر، واعتقاد أهل السنة أن الإيمان يكمل بالأعمال ويزيد وينقص بها، وأن الأعمال تستقيم وترشد بالإيمان، ذلك أن الله تعالى هو الآمر في الأعمال كلها بالفعل أو بالترك، ولا يحسُن بالمؤمن أن يمتثل أمر الله في صور العبادات، وأن يخالفه في واقع المعاملات وكأنها ليست مشمولة بالتعبد..

وتتغيّا خطة التبليغ كذلك، أن يتحقق الناس بسعادتهم الدنيوية وبفلاحهم الأخروي، وتراهن في ذلك على تفعيل منظومة قيم الدين وأخلاقه في مجالات الحياة المختلفة انسجاما مع روح الدين وفلسفته في شمولها واستيعابها، وفي تأطيرها وتسديدها لأحوال الناس الخاصة والعامة، ولهذا فإن المقصود من الخطة أن تكون استثمارا عمليا في هذه القيم والأخلاق، التي كانت على امتداد الرسالات السماوية وتواترها، جوهر الديانات والمضامين الأساسية فيها، فيحضر الدين في منظور هذه الخطة باعتباره مصدر سعادة للناس في حياتهم الدنيا قبل الآخرة، كما يحضر فاعلا تنمويا داعما لبرامج النهوض والتنمية في قطاعات التربية والتعليم والاقتصاد والصحة والأسرة والمجتمع والبيئة، ومساهما في الحد من آفات تعاطي المخدرات، والوقوع في الجرائم وحوادث السير والارتشاء والخيانة والغش والكذب، والكبر… ومُنَميا للوازع الذاتي في الوظائف والمهن والمسؤوليات المختلفة وفاء وإخلاصا، التزاما وإتقانا، ذلك أن الالتزام بهذه القيم المادية والمعنوية، كان ولا يزال عاملا حاسما في نهضة الأمم وتقدمها، كما كان للإخلال بها الدور الحاسم في سقوطها وانحدارها، بل إنها من منظور الدين ترتقي إلى كونها “سننا” في التغيير والإصلاح، لا يحدث شيء من ذلك إلا بإعمالها وفق شروطها ونظامها في الاشتغال..)) وفق ما جاء في الصفحة الرسمية لوزارة الأوقاف في حينه.

وهكذا، فالمغرب يعمل على تعزيز الحقل الديني بتنويع الاهتمام بالمؤسسات ومنها الزوايا، ومختلف البرامج، بالإضافة إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والمجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية المحلية، وذلك في إطار الحفاظ على المصالح والامتيازات والتبادل الرمزي في تنظيم المجال، الذي يعود بالدرجة الأولى إلى أمير المؤمنين، الملك محمد السادس، وهذا ما يجعل تركيز الدولة على التكوين الديني والروحي للأفراد بعيدا عن الاهتمامات السياسية، وهو ما يعتبر مرجعا مهما في تطبيق كل السياسات الاجتماعية، والبعد عن تعاليم الدين وعن المقصود بـ”تسديد التبليغ” وعن جعل الدين الإسلامي مرجعا لكل تدبير في شؤون المواطنين.. هو ما ساهم بشكل كبير جدا في مظاهر الفساد التي تضرب مختلف القطاعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *