حينما يبكي الصغار ..و يقنعهم الكبار بان الحب يبقى دائمًا أقوى من الغياب..

بقلم : الدكتور الحسن بلعربي.
في مساءٍ شتوي بارد، جلستُ في غرفتي غارقًا في صمت الأوراق. كنت ألاحق الكلمات وهي تتعثّر بين السطور، حين فُتح الباب بخفة، ودخلت نادين، ابنتي ذات الأعوام السبعة. كان وجهها الغضّ مثقلًا بدموع صغيرة تتلألأ كحبات الندى. اقتربت وهمست بصوتٍ مكسور:
– صديقتي حدّثتني عن الموت… عن اليوم الذي سنغادر فيه الدنيا.
تجمّدت يدي فوق الورق، وفجّرت كلماتها في داخلي كوابيس الطفولة، ذلك الغياب الأبدي الذي كان أوسع من خيالي الصغير.
مددت ذراعي وضممتها إلى صدري، ودموعها تسقي قلبي. همستُ في أذنها:
– الموت حق يا صغيرتي، والحيّ لا يُرثى.
– أبي، لماذا يغادرنا أحبّتنا؟ أين يذهبون؟
– عندما يغادرنا أحبّتنا، يا بُنيّتي، تختفي أجسادهم، لكن أرواحهم لا ترحل بعيدًا، بل تنتقل لتسكن في قلوبنا.
– وكيف يدخلون إلى قلوبنا؟
– بذكراهم. الذكريات تضيء عتمة ذاكرتنا مثل نجوم في السماء: لا نستطيع لمسها، لكن نورها يضيء حياتنا.
– وهل الموت يعني النهاية؟
– لا يا حبيبتي، الموت ليس فناءً، بل هو تحوّل من عالم إلى آخر. الحياة نفسها جرعات صغيرة من موت أكيد، لكن كل وداع يحمل وعدًا بالبقاء في القلوب، حيث لا يفنى شيء حقًا.
– وما الذي يبقى بعد كل ذلك؟
– يبقى الحب يا صغيرتي… الحب دائمًا أقوى من الغياب.
لم أعلم إن كانت قد فهمت كل ما قصدته، لكن نبضها على صدري منحها سكينة غامضة. مسحت دموعها، ثم ركضت تعبث بخصلات شعرها في الغرفة، وكأنها لم تقل شيئًا قبل لحظات. أما أنا فقد تركتني بجرحٍ شفيفٍ وأثرٍ لا يزول.
عدتُ إلى مكتبي، والقلم يخطّ ببطء كخطى في طريق طويل. تساءلت بيني وبين نفسي: ما السعادة؟
تذكّرت أنطونيو متشادو:
“أيها السائر، ليس هناك طريق، الطرق تُصنع بالمشي”.
لكنني همست لنفسي: السعادة تسكن في فسحات الطريق المشرقة، حيث نستريح من عناء المسير البارد، والغاية ليست سوى محطة قصيرة لالتقاط الأنفاس قبل انطلاق جديد. فالحياة يا نفسي ليست عبورًا نحو النهاية، بل فسيفساء من لحظات مضيئة، لا يبقى منها سوى ما نملأه بالحب.
“أيها المشاي، لا طريق ممهد أمامك، فكل درب يُخلق بخطواتك، وكل خطوة تكتب تاريخ رحلتك.”
