مؤسسة بناء للمرأة و الطفل و دار الطالبة الدريوش … تجربة إنسانية رائدة

ثمة أشخاص لا يقاس حضورهم بحجم الظهور فقط، بل بالأثر الذي يتركونه في حياة الآخرين. الحاجة جميلة قيشوحي واحدة من هذه النماذج التي استطاعت أن تمنح للعمل الجمعوي معنى إنسانيًا عميقًا، قائمًا على بناء الإنسان، ومرافقة الفئات الهشة بمنطق التأهيل والتمكين لا بمنطق الإحسان العابر.
فمن خلال إشرافها على عدد من المؤسسات الاجتماعية والتربوية والتنموية، نجحت في بناء تجربة متكاملة تجعل من الرعاية الاجتماعية مشروعًا لصناعة الاستقرار والأمل، حيث تتحول الفضاءات التربوية والاجتماعية إلى بيئات حاضنة للطفولة والمرأة والفتاة، وإلى منصات للتكوين والدعم النفسي والتمكين الاقتصادي.
ويعد “مركز بناء الاجتماعي للنساء والأطفال” من أبرز النماذج التي تعكس هذا التوجه الإنساني، إذ لا يقتصر دوره على تقديم المساعدات أو الرعاية الظرفية، بل يشتغل وفق رؤية تربوية حديثة تراهن على بناء شخصية الطفل وتنمية قدراته المعرفية والحياتية داخل بيئة يسودها الاهتمام والتوازن النفسي والأمان التربوي.
وتبرز داخل هذه التجربة عناية خاصة بالطفولة المبكرة، باعتبارها المرحلة الأكثر تأثيرًا في تشكيل شخصية الإنسان، حيث يعتمد المركز مقاربات تربوية حديثة مستلهمة من فلسفة “مونتيسوري” والتعلم بالممارسة، بما يساهم في تنمية روح الإبداع والاستقلالية والثقة بالنفس لدى الأطفال.
كما يولي المركز اهتمامًا واضحًا بالمرأة والفتاة، ليس فقط من خلال الدعم الاجتماعي، بل عبر التكوين والتأهيل والمواكبة النفسية والإدماج، في رؤية تعتبر أن تمكين المرأة مدخل أساسي لبناء أسرة متوازنة ومجتمع أكثر استقرارًا.
أما “دار الطالبة”، فتقدم صورة راقية لمؤسسة اجتماعية تجعل من الرعاية فعلًا تربويًا وإنسانيًا متكاملًا، حيث لا يقتصر دورها على توفير الإيواء والإطعام للفتيات القرويات، بل تنخرط في مواكبتهن دراسيًا ونفسيًا واجتماعيًا، من خلال توفير النقل المدرسي والدعم التربوي وظروف العيش الكريم.
وقد ساهمت هذه المقاربة في خلق فضاء تشعر فيه المستفيدات بالأمان والانتماء والثقة في المستقبل، مما جعل المؤسسة نموذجًا حقيقيًا للرعاية الاجتماعية الهادفة التي تربط بين الاحتضان وبناء الطموح.
وفي امتداد لهذا النفس التنموي، يبرز “فضاء بناء” كتجربة تجمع بين التكوين والخدمة والتأهيل الاقتصادي، عبر توفير فضاءات للتكوين في مجالات الطبخ والحلويات والخدمات والتسويق، بما يفتح آفاقًا حقيقية أمام المستفيدين لاكتساب المهارات وتحقيق الاستقلالية الاقتصادية.
إن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن فقط في تعدد المشاريع والأنشطة، بل في الفلسفة التي تقوم عليها؛ فلسفة تؤمن بأن العمل الجمعوي ليس مجرد تقديم مساعدات ظرفية، بل مساهمة فعلية في إعادة بناء الإنسان نفسيًا وتربويًا واجتماعيًا.
لقد استطاعت الحاجة جميلة قيشوحي، من خلال حضورها الميداني ورؤيتها الإنسانية، أن تقدم نموذجًا للعمل الجمعوي الهادئ والفعّال، ذلك العمل الذي يبتعد عن الضجيج ويقترب من الإنسان، فيلامس حاجياته الحقيقية ويمنحه فرصة جديدة للأمل والاستقرار والنجاح.
وهي بذلك تقدم صورة مشرقة للفاعل الجمعوي الذي يجعل من العطاء رسالة، ومن التنمية مسؤولية، ومن خدمة الإنسان مشروعًا مستمرًا لبناء مجتمع أكثر تماسكًا وعدالةً وتضامنًا.









